الصفحة الرئيسية
أخبار
مقالات
مقابلات
تحقيقات
تحاليل
من نحن
اتصل بنا

  • قراءة في الواقع السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي الذي أوصل موريتانيا إلي 19 أبريل 2007

    7 نيسان (أبريل) 2011

    بقلم الدكتور أحمد ولد أميسه

    لقد شكل التاسع عشر من ابريل 2007 نقطة تحول كبرى في التاريخ السياسي الموريتاني بل في العالم العربي اجمع و ذلك بعد مرحلة من التوتر السياسي و الحكم العسكري و شبه العسكري و ديمقراطية الحزب الواحد و الحاكم الأوحد امتدت حوالي ثلاثين سنة كانت أبرزها مرحلة حكم ولد الطايع و المرحلة الانتقالية التي أعقبتها.لذا فان الفهم السليم لهذه المرحلة يستدعي منا القراءة المعمقة للمشهد السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي الذي جاء على إثره انقلاب الثالث من أغسطس2005 و كذا أهم ما قدمته المرحلة الانتقالية التي جاءت بعده و خاصة على المستوى السياسي.

    فقد جاء انقلاب 12 دجمبر 1984 كبداية مرحلة جديدة في تاريخ موريتانيا على أكثر من صعيد ،فهو قد جاء بعد سنوات عجاف من حكم ولد هيداله اتسمت بالاضطهاد السياسي و الأزمات الاقتصادية الحانقة فما هي أهم ملامح فترة حكم معاوية يا ترى و ما هي ابرز المحطات التي مرت بها و ما هي الأسباب و الدوافع الحقيقية لانقلاب الثالث من أغسطس سنة 2005 ،و ما هو الجديد الذي جاءت به المرحلة الانتقالية أغسطس 2005-ابريل 2007؟

    لقد كانت فترة حكم ولد الطايع فترة حكم عسكري شمولي بامتياز ،اتسمت فيها الحياة السياسية بالضعف و غياب النضج ،ففي مرحلة ما قبل 1991 شهدت البلاد موجة اعتقالات سياسية شملت جميع الحركات التي كانت تمارس نشاطها بشكل سري، من يساريين و قوميين عرب و زنوج ،و كانت أحداث 1989 ، و تسريح الضباط البعثيين من أهم المحطات البارزة في هذه المرحلة.

    و مع مطلع تسعينات القرن الماضي كان تيارا اليساريين الموريتانيين و القوميين الزنوج من ابرز القوى السياسية في البلاد لذلك فقد حملت لواء معارضة النظام،و في سنة 1991 و مع هبوب رياح الديمقراطية على بلدان العالم الثالث فتح النظام الباب أمام إنشاء الأحزاب السياسية،و ظهرت أحزاب سياسية وطنية كان من أبرزها حزب اتحاد القوى الديمقراطية و الذي انقسم على نفسه بعد هزيمة مرشحه للانتخابات الرئاسية السيد احمد ولد داداه،كما كانت الساحة السياسية على موعد مع ظهور التيار الإسلامي الوسطي ذي التوجهات و الأفكار القريبة من طرح الإخوان المسلمين في مصر.

    و بعد وقوف ولد الطايع إلى جانب النظام العراقي أثناء حرب الخليج الأولى استجابة للطبقة الحاكمة و نتيجة لتحكم الرأسمالية في البلد قرر أن يغير رأيه و التوجه شطر البيت الأبيض و حلف الولايات المتحدة الأمريكية ،و بحلول العام 1999 كانت موريتانيا واحدة من بين ثلاث دول عربية أقدمت على إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ،الشيء الذي أحدث شرخا كبيرا بين نظامه و الشعب الموريتاني ،الذي اثر الوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية ،و هكذا تأججت المشاعر القومية و الدينية ضده ،مما نتج عنه حالة من عدم الاستقرار في الأوضاع السياسية في موريتانيا ،حالة ازدادت سوءا بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

    و قد جاءت أحداث سبتمبر 2001 ليجد النظام الموريتاني نفسه مشاركا فاعلا في مشروع أمريكا للحرب على الإرهاب فشن حملات اعتقال واسعة ضد الإسلاميين لم تسلم منها المساجد و الأئمة و تم تسليم موريتانيين لأمريكا ليلقي بهم في سجن اغوانتانامو ، و كان لمحاولة انقلاب يونيو 2003 دورا بارزا في إشعال نار تلك الحملة متهما جماعات منهم بالانتماء للجماعات السلفية بالجزائر و العلاقة بالقاعدة و تم اتهام جماعات أخرى بمحاولة انقلاب غير شرعية،ولكن كل ذلك لم يمنع القوى السياسية الرئيسية المعارضة في البلد من اتهام نظام ولد الطايع بشن هذه الحملة على الإسلاميين محاولة لإرضاء أمريكا و التكفير عن موقفه أثناء حرب الخليج الأولى.

    أما الحالة الاقتصادية فقد اتسمت بالصعوبة فحسب تقرير صندوق النقد الدولي لسنة 2000 وصل معدل التضخم إلى 4.5% ووصلت البطالة إلى 29% ،أما نسبة من يعسشون تحت خط الفقر فقد بلغت 54% في حين ازداد حجم المديونية الخارجية بشكل كبير ليصل إلى 2.1 مليار دولار سنة 2000 طبقا لصندوق النقد الدولي.

    هذه الوضعية الاقتصادية الصعبة في موريتانيا جاءت نتيجة لمجموعة من السياسات الاقتصادية الفاشلة و التي تم انتهاجها على مدار عقود من الزمن ،إضافة إلى الفساد المالي و الإداري الذي طبع هذه الفترة،و نذكر من بين تلك السياسات الاستجابة الكاملة لسياسات البك و صندوق النقد الدوليين و التي التزم النظام بتطبيق و صفاتها السحرية كضمان لتدفق الدعم و التمويلات الخارجية . و كانت سياسات تلك الهيئات مرتكزة على توسيع الوعاء الضريبي و تقليص النفقات العمومية و تخفيض قيمة العملة و تصفية البنوك العمومية و السعي إلى تطبيق سياسات ليبرالية مجحفة نتج عنها فتح باب الاستيراد على مصراعيه و إلغاء دعم السلع الأولية إضافة إلى خصخصة جل المؤسسات العمومية.

    هذه السياسات الاقتصادية الفاشلة أدت إلى عدم الاستقرار السياسي ،فاندلعت مظاهرات حملة الشهادات العاطلين عن العمل إضافة إلى احتجاجات النقابات العمالية و الهيئات المهنية ،فقد تنازلت الدولة عن مجمل وسائل التحكم في النشاط الاقتصادي و التي كانت تمكنها من المحافظة على القدرة الشرائية للطبقة الوسطى و تستفيد منها الطبقات الأكثر فقرا و هشاشة.

    وقد ولد اكتشاف النفط و الغاز في السواحل الموريتانية سنة 2001 و بكميات اعتبرت حينها هامة ولد بارقة أمل في انتعاش الاقتصاد الموريتاني .

    كل هذه العوامل جعلت الرأسمالية الموريتانية تفكر جديا في وجود مخرج من حالة عدم الاستقرار و التخبط التي أصبحت السمة البارزة لنظام ولد الطايع في سنواته الأخيرة،و ذلك لحماية استثماراتها و المحافظة على مكتسباتها .من هنا جاء دور المؤسسة العسكرية و التي أزاحت نظام ولد الطايع في انقلاب ابيض فجر الثالث من أغسطس سنة 2005 و تولى تسيير أمور البلاد المجلس العسكري للعدالة و الديمقراطية .

    و قد قام المجلس العسكري للعدالة و الديمقراطية بتعطيل العمل بالدستور و حل الحكومة و حل البرلمان و عين حكومة انتقالية عهد إليها بتسيير مرحلة انتقالية من سنتين قلصت فيما بعد إلى تسعة عشر شهرا انتهت بانتخابات رئاسية اقل ما يقال عنها إنها نزيهة و شفافة رغم ما شابها من ضغوط و استخدام للمال السياسي. و تمثلت أهم الاجرءات التي اتخذها المجلس العسكري و الهادفة إلى ضمان شفافية الانتخابات و تحسين ظروف الحياة السياسية تمثلت في تعديلات دستورية حددت فترات الترشح للرئاسة بفترتين مدة كل منها خمسة سنوات و أعطت نسبة 20% من المناصب الانتخابية للنساء ،و أصدرت فانون تنظيم مؤسسة المعارضة السياسية و تم سن قانون حرية الصحافة ، وتمت الدعوة إلى انتخابات برلمانية و بلدية تم فيها اعتماد بطاقة التصويت الموحدة لأول مرة،ولعل أهم ما شاب هذه الانتخابات هو موجة الترشحات المستقلة العارمة و التي يتهم المجلس العسكري بالوقوف وراءها من اجل إضعاف أحزاب سياسية كبيرة كان من المتوقع أن تكتسح المشهد السياسي آنذاك. و على الصعيد الاقتصادي قام المجس بإجراءات تهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للمواطنين كان من أهمها زيادة رواتب موظفي و ووكلاء الدولة بنسبة 50% مرتين متتاليتين و تم إعفاء جزء كبير من الديون الخارجية و حصلت الحكومة على تمويلات خارجية هامة ،كل هذا لم يمنع من الحديث عن استشراء فساد مالي كبير نتج عنه اختلاس ما يناهز مئات ملايين الدولارات. و في مارس 2007 كان الشعب الموريتاني على موعد مع أول انتخابات رئاسية يمكن وصفها بالشفافة و النزيهة أسفرت عن وصول أول رئيس مدني منتخب إلى سدة الحكم منذ انقلاب 1978 لتكتمل فصول المشهد يوم التاسع عشر من ابريل سنة 2007 حينما عاش الشعب الموريتاني و العالم اجمع أول انتقال سلمي للسلطة لرئيس مدني منتخب في هذا البلد العربي الإفريقي المسلم ، فهل قرأ نظام ذلك الرئيس الدرس جيدا و إن كان قرأه فهل فهمه فهما حقيقيا يختلف عن فهم زين العابدين بن علي للتونسيين.

  • التشريعيات المقبلة.. أي برلمان ستحمله عواصف الإنتخابات؟

    4 نيسان (أبريل) 2011

    سيدي عبد القدوس بن احمد المكي/كاتب صحفي

    لم يتابع الموريتانيون، سواء داخل الوطن أو خارجه، التلفزة الموريتانية بقدر ما تابعوها خلال شهر دجمبر2010. لا يعود سبب هذا الاهتمام والمتابعة إلى برامج جديدة استحدثتها هذه المؤسسة الإعلامية أو إلى إنتاج مسلسلات تاريخية وطنية يجد المشاهد نفسه في أمس الحاجة إليها، وإنما يعود الأمر إلى بث التلفزة الموريتانية لجلسات الجمعية الوطنية. التي عرفت آخر جلسة لها خلال سنة 2010، نقاشات ساخنة، دارت رحاها بين نواب من المعارضة وبعض نواب الأغلبية من جهة وأعضاء من حكومة مولاي ولد محمد لقظف من جهة أخرى,

    إن هذا الحراك السياسي الراقي داخل إحدى غرف البرلمان، ليبين بجلاء مدى أهمية الديمقراطية كنهج وممارسة لبلد نام كموريتانيا. بيد أننا ونحن ننتظر انتخابات تشريعية باتت على الأبواب يحق لنا أن نتساءل ما إذا كان بإمكاننا الحفاظ على برلمان مثل برلماننا الحالي تمثل فيه كل الاتجاهات السياسية.

    ولد البرلمان الحالي من رحم تجربة وصفها المراقبون المحليون والدوليون بالفريدة أعقبت انقلاب 3 اغسطس2005 الذي أطاح بنظام، الرئيس السابق معاوية ولد سيد أحمد الطايع.

    لقد تبنى المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، وهو هيئة عسكرية بقيادة مدير الأمن في حقبة معاوية ولد سيد احمد الطايع. تولت مقاليد السلطة، استيراتيجية هدفت إلى خلق قطيعة مع الماضي. تمثلت هذه الإستيراتيجية إذن في تعيين حكومة تكنوقراطية محايدة، منعت أعضاء المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية من المشاركة في أي استحقاقات انتخابية. كما نظم المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية أياما تشاورية كللت باقتراح تعديلات دستورية أفضت إلى نقص المأمورية الرئاسية إلى خمس سنوات بدل ست، وكذا اقتصارها على فترتين لا يمكن تجاوزهما. وفي إطار الإستيراتيجية الرامية إلى خلق قطيعة مع الماضي عمد المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية إلى تفكيك أكبر الأحزاب السياسية آنذاك، الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي، الذي كان يرأسه الرئيس المطاح به معاوية ولد سيد أحمد الطايع. لقد شكل الحزب الجمهوري وعاء سياسيا تخندقت داخله رموز نظام ولد الطايع بجناحيها السياسي والمالي، مما بات يهدد بعودتها في أي انتخابات تشريعية ورئاسية ستقام. لقد أدرك المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الخطر الذي يهدد مشروعه السياسي فبادر إلى وضع خطة مستعجلة نجحت فيما بعد في تفكيك هذا الحزب من خلال تشجيع الترشحات المستقلة.

    لقد أدى تفكيك هياكل النظام السياسي الذي كان قائما قبل الثالث من أغسطس2005 إلى خلق جو مكن الجميع من التنافس بحظوظ متساوية، هذا المناخ التنافسي الجديد، قد منع معظم رموز النظام الذي كان قائما من الترشح للاستحقاقات التي أجريت، أما من تجرأ وترشح فقد اصطدم في الغالب بحائط الرفض الشعبي.

    شكل هذا المنعطف التاريخي في الحياة السياسية الوطنية، فرصة سانحة لبعض الأحزاب السياسية، وريثة الحركات الأيديولوجية التي كانت موجودة في الساحة. لقد شكلت هذه الحركات الأيديولوجية خزانا تلجأ إليه الأنظمة العسكرية المتعاقبة لتشكيل حكوماتها، كما كانت عصى تستخدمها لضرب الحركة بالأخرى، كما اتسم تاريخ هذه الحركات المؤدلجة وعلى مختلف توجهاتها بالتحالف مع جميع الأنظمة العسكرية التي تعاقبت على الحكم منذ العاشر من يوليو1978.

    لقد وجدت الأحزاب المؤدلجة من شيوعيين وناصريين وإسلاميين الفرصة سانحة في اختبار قوتها داخل الساحة السياسية بعد فترة طويلة من الاختباء وراء مترشحين مستقلين، ومدى تمثيلها للشعب الذي طال ما ادعت تمثيلها له منذ أكثر من ثلاثة عقود، منتهزة فرصة الفراغ السياسي الذي خلفه تفكيك بنية نظام ولد الطايع من جهة، وباعها الطويل في العمل السياسي من جهة أخرى. فخرج حزب اتحاد قوى التقدم برئيسه محمد ولد مولود، ورشح الناصريون ورفاقهم في حزب التحالف الشعبي التقدمي الزعيم مسعود ولد بولخير، في حين وقف الإسلاميون المعروفون آنذاك بالإصلاحيين الوسطيين خلف مرشح حزب "حاتم"، صالح ولد حننه، فكانت الحصيلة مخيبة لهذه القوى السياسية العتيدة. فحصل المرشح الأول على نسبة4%، وحصل المرشح الثاني على نسبة 7%، في حين حصل المرشح الثالث على نسبة 5%. لقد حصلت هذه القوى العتيدة مجتمعة على نسبة 16% إنها نسبة هزيلة بالمقارنة مع تاريخها النضالي.

    في مقابل الأحزاب ذات البعد الأيديولوجي، شارك في الانتخابات حزب تكتل القوى الديمقراطية المعارض والمترشح المستقل سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، المدعوم من قبل مجموعة من النواب والشخصيات المستقلة المتحالفة مع جيل الضباط الجدد.

    يعتبر حزب تكتل القوى الديمقراطية المعارض بقيادة أحمد ولد داداه، حزبا ديمقراطيا بكل المقاييس، فهو لا يقوم على أساس أي أيديولوجية عربية أو دولية، مما كان متعارف عليها ايام الحرب الباردة، كما أن ميلاده جاء بعد رياح الديمقراطية، التي هبت على البلد مع بداية التسعينات، كما كان صادقا في معارضته لنظام ولد الطايع. لقد حصل مرشحه أحمد ولد داداه على نسبة 20%.

    بالإضافة إلى نتيجة مرشح تكتل القوى الديمقراطية، حصل المترشح المستقل سيدي محمد ولدا لشيخ عبد الله على نسبة24% في حين تقاسم النسبة المتبقية بعد هذه الكتل الساسية، مجموعة من المترشحين المستقلين السابحين في فلك المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، كان من أبرزهم المترشح الزين ولد زيدان الذي حصل على نسبة 13%. أكدت هذه الانتخابات التي شهد لها الجميع-في الداخل والخارج-بالنزاهة وهنأ المترشح الخاسر فيها المترشح الفائز، بما لا يدع مجالا للشك الخطر الذي تشكله الممارسة الديمقراطية الصحيحة على طبقة سياسية ظلت لردح من الزمن، تهيمن رفقة المؤسسة العسكرية ممثلة في الجيل القديم من الضباط على المشهد السياسي الوطني.

    لقد ظل طرفا المعادلة السياسية أي الحركات الأيديولوجية والأنظمة العسكرية الاستثنئاية في تحالف صامت، يتقاسمون بموجبه المكاسب السياسية والنفعية للحكم دون أن يكون لذلك أثر إيجابي على المواطن الموريتاني. أدركت-إذن- الأحزاب السياسية ذات الجذور الأيديولوجية أو على الأصح ما تبقى من الحرس القديم للحركات الأيديولوجية فداحة الخطأ الذي ارتكبته بذهابها بشكل علني وزجها بمرشحين منها في انتخابات الكلمة الفصل فيها للشعب، عكس ما كانت تفعل في الماضي من دعم لشخصيات مستقلة أو ذات وزن قبلي.

    هكذا إذن أفرزت المؤسسة العسكرية جيلا متوسطا من الضباط اعتلى سدة الحكم، فاتجه بالبلد نحو ديمقراطية قد تشبه في أسوإ حالاتها النموذج التركي فصار الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وحل محل الحركية والعمل السري الوزن الانتخابي. أفقد هذا الوضع الجديد بقايا الحركات الأيديولجية قيمتها السياسية، لتفقد بذلك جميع مكاسبها. في المقابل أسفرت الانتخابات عن ميلاد طبقة سياسية شابة، متمثلة في نواب الجمعية الوطنية بدأت تتلمس لها موطئ قدم على الخارطة السياسية، متكئة في مسعاها على تحالف مع جيل الضباط الجدد.

    إن النتائج الغير متوقعة وسقوط ولد الطايع ونظامه، وخروج اعلي ولد محمد فال، باعتبار هذين الأخيرين آخر ضباط انقلاب العاشر من يوليو الذين ألفت الحركات السياسية التعامل معهم، قد حتمت على قادة الحركات الإيديولوجية إعادة النظر في استيراتيجيتهم بعد ظهور لاعب جديد اسمه صناديق الاقتراع أفقدهم مكاسبهم وبات يهددهم بالانقراض في القريب العاجل، هذا بالإضافة إلى ظهور طبقة سياسية، مدينة فقط للديمقراطية وصناديق الاقتراع بما حققته من مكاسب سياسية.

    لاستعادة مكانتها المفقودة بات لزاما على الحركات الأيديلوجية ذات الباع الطويل في العمل السري، إيجاد صيغة تكبح أولا جماح الطبقة السياسية الناشئة وتضع حدا لنمو نظام أصبحت الكلمة الفصل فيه لصناديق الاقتراع. للوصول إلى أهدافها بنت الطبقة السياسية المؤدلجة استيراتيجيتها السياسية على تحليل مفاده أن الديمقراطية الوليدة في موريتانيا، من الصعب عليها أن تنجح في ظل تراجع مثيلاتها، في كل من الجارتين الشرقية مالي والجنوبية السنيغال ووجود نزاع الصحراء الغربية في الشمال. ينضاف إلى ذلك بعد إقليمي جديد يتمثل في تبني الاتحاد الافريقي مبدأ رفض الاستلاء على الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية، وهو مبدأ نجح في إفشال إنقلاب فورانياسنيكي اياداما في التوغو وكذلك رفض الإطاحة بنظام أحمد التيجان كبا المنتخب في السيراليون. لقد جزمت -إذن- الحركات الايديولوجية بأن زمن العسكر كلاعب سياسي قد ولى إلى الأبد. ففسخت تحالفها مع الجيش. لقد اختفى إذن جيل ضباط الأحكام الإستثنائية وظهر جيل جديد يتوق إلى تطبيق النموذج التركي. بات فرس رهان الحركات الايديولوجية الرئيس المدني الطاعن في السن، فبدأت مساعي الاحتواذ عليه وإبعاده عن الطبقة السياسية الجديدة وجيل الضباط الجدد، الذين جاؤوا به إلى سدة الحكم بعدما فشل في الحصول على منصب رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات فصار حلمه ينحصر في الحصول على وساطة تمكنه من اعتماده قنصلا شرفيا لجمهورية النيجر في موريتانيا. لقد تأكد مسعى الحركات السياسية في مقابلة رئيس حزب اتحاد قوى التقدم، في برنامج "ضيف الساعة"، الذي كانت تبثه التلفزة الموريتانية، حيث قال: "إننا نحاول مساعدة الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله في التخلص من قوى الجمود". لقد نجحوا فعلا في الإيقاع بين ولد الشيخ عبد الله والقوى التي جاءت به، فتنكر لحلفائه وبدأ يعتمد على الحركات السياسية.

    شكل ولد الشيخ عبد الله حكومته الثانية، فأقصى منها الأغلبية البرلمانية. ودخلت التشكيلة الجديدة أحزاب اتحاد قوى التقدم والتحالف الشعبي التقدمي الذي كان ممثلا في الحكومة الأولى و"تواصل"، بثمان وزراء في حين عين أربعة وزراء من الحركة الوطنية الديمقراطية التي تشكل امتدادا لاتحاد قوى التقدم كممثلين لحزب "عادل"، بالإضافة إلى الوزير الأول يحي ولد أحمد الواقف وهو ناصري. دون أن يجدوا حرجا من استمرار الحكومة في إقامة علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني. بهذا التوليفة الوزارية ظهرت ولأول مرة في التاريخ ديمقراطية بأقلية حاكمة وأغلبية في المعارضة. ولد -إذن- هذا الوضع المختل، ولأول مرة في تاريخ البلد صراعا بين جيل سياسي قديم، يستمد شرعيته من ايديولوجيات أجنبية ذات تاريخ طويل في العمل السري والتحالفات مع الأنظمة العسكرية المتعاقبة وجيل سياسي جديد، يدين فقط لصناديق الاقتراع التي جاءت به، تمثل في نواب الجمعية الوطنية.

    إن هذا الصراع الذي مازالت تدور رحاه تحت قبة الجمعية الوطنية ويعطيها حيوية وفاعلية أكثر من زميلتها قبة مجلس الشيوخ، ليدفع إلى طرح التساؤل حول مستقبل الجمعية الوطنية التي ستفرزها الانتخابات التشريعية المقبلة.

    إن الأحزاب السياسية القائمة على أنقاض الحركات الأيديولوجية توجد اليوم في وضع لا تحسد عليه. من ناحية فقدت حليفا مهما يتمثل في المؤسسة العسكرية بل أصبحت أشد أعدائه ومن ناحية أخرى سلبت العديد من الملفات التي كانت تتبناها مثل مناهضة العلاقات الموريتانية الإسرائيلية ومحاربة الفساد، والدفاع عن الطبقات الفقيرة التي أصبح في الحلبة السياسية رئيس، يعتمد عليه جيل السياسيين الجدد، يتسمى بها.

    إن الطبقة السياسية العتيدة أشبه اليوم بمحارب يخوض حربا بسلاح بلا ذخيرة. في ظل وضع كهذا يبقى لزاما على متتبعي الشأن المحلي الانتظار لمعرفة ما إذا كانت الطبقة السياسية العتيدة قادرة على قلب موازين القوى والعودة بقوة إلى دهاليز الجمعية الوطنية، أم أن الغلبة ستكون لجيل السياسيين الجدد. ريثما تتضح الأمور تبقى أنفاس الموريتانيين محبوسة إلى أن تنطق صناديق الاقتراع وتتضح معالم البرلمان الذي ستحمله عواصف الانتخابات.

  • هل كانت موريتانيا بحاجة لجذوة البوعزيزي؟

    26 آذار (مارس) 2011

    محمد عبد الرحمن محمد فال إعلامي موريتاني

    هل كانت موريتانيا بحاجة لاشتعال جسد "البوعزيزي" الذي وصلت شرارته بعض العواصم العربية و أطاح بحكام وهدد عروشا وعلى سنا جذوته تتشكل اليوم لوحة مستقبل للوطن العربي ؟.

    الأمر الذي حول "البوعزيزي" من مواطن تونسي مغمور مقهور إلى رمز ليقظة الشعوب العربية التي علمها كيف تقول لا لأول مرة في تاريخها المفعم بالقمع والخنوع والتدجين ،وعلمها كيف تتهجى تلك الحروف السحرية الأربعة ( ا ر ح ل )

    وعلمها كيف تغني لا في النوادي والملاهي الليلية بل في الشوارع العامة والميادين بتلك المقطوعة التي لم تطربنا السيمفونيات العربية حتى تلك الثورية منها بمثلها أبدا ألا وهي "الشعب يريد....."

    وبخصوص السؤال أعلاه في اعتقادي المتواضع أننا في موريتانيا لم نكن بحاجة لاشتعال جسد "البوعزيزي" حتى نكتشف ان وضعنا ليس سويا ،فموريتانيا فعلا ليست تونس ولا مصر ولا مملكة ملك ملوك إفريقيا ولا اليمن و لا البحرين ولا و لا... كما تفضل بذلك الكثير من كتاب "البلاط" مؤخرا واصفين " حركة شباب بلوكات" بالغوغائية والببغاوية حيث يحالون إسقاط واقع دول أخرى على موريتانيا.

    وذلك في ترديد ببغاوي من أوليك الكتاب لكلام رئيس الجمهورية حين فسر حادثة شهيد الوطن يعقوب ولد دحود "بحاجة في نفسه"..

    صحيح ان موريتانيا ليست كتلك الدول التي تمارس القمع ضد مواطنيها وتقصيهم من المشاركة السياسية في شؤون البلاد، لان تلك الدول ببساطة تجاوزت منذ زمن بعيد مراحل تأسيس الدولة "ببنيتها التحتية ومفهومها السيادي" . لا تفتقر تلك الدول لأساسيات البنى التحتية ، ولا تعاني من غياب فكرة مفهوم الوطن ورمزيته في أخيلة مواطنيها و حكامها.

    قبل فترة حدثني دبلوماسي عربي انه في موريتانيا بكى مرتين الأولى عندما حلقت به الطائرة فوق نواكشوط لأول مرة الساعة الرابعة عصرا حيث ساورته شكوك ان سكان الأكواخ التي تحته ينتمون لفصيلة البشر فبكى من شدة الخوف،والثانية عندما غادر موريتانيا بكى من طيبوبة و "عفوية" سكانها.

    لم يبذل حكامنا السالفون –سامحهم الله أو لا سامحهم - ابسط اهتمام بالتنمية القاعدية للدولة بل ظلوا و"هياكلهم" ينهبونها محققين تألقا أسطوريا في ظاهرتين اثنتين هما التجبر والتحايل.

    وظل الرؤساء يقولون ان "البلاد بخير مقارنة مع البلدان المجاورة" ولا ادري ما ذا يقصدون بهذه العبارة لكنها بكل تأكيد لا تحمل شحنتها اللغوية.

    كانت وسائل الإعلام الرسمية ولا تزال تمج أسماعنا بعبارات مستهلكة من بينها عبارة "معركة التنمية" والواضح ان المقصود هو تلك المعركة التي كانت دائما تحسم " لمصالح " المسؤول رئيسا كان أو وزيرا أو مديرا .

    إذن نحن كنا وما زلنا نحارب التنمية لا نحارب معوقاتها لان القابعين في دائرة القرار هم اكبر عائق أمام التنمية. ومن هذا المنطلق لا نستغرب ان كانت البنية الاقتصادية هشة ومتهالكة رغم تنوع وجودة وضخامة الموارد الاقتصادية للبلاد.

    فإذا كان المواطن هو غاية ووسيلة التنمية في تعريفه لدى بعض البلدان حتى غير الديمقراطية، فان حكام موريتانيا لم يحاولوا الاستثمار في الطاقات البشرية الموريتانية ولم تحضر بأذهانهم أفكار من هذا القبيل وبالتالي كانت المناصب والمواقع الحساسة تستحق بمنطق "على أشكالها تقع الطيور" فالكفاءة المعتبرة هي الإبداع في إتقان" التطبيلوجيا" و طلاسم"سر الحرف"(التجسس) حسب معجم صحافتنا الساخرة (طبعا مع استثناءات معدودة و "محسوبة").

    وكأني بحاكم هذه البلاد ينتشي كل صباح بعد الإطلاع على التقارير الأمنية الروتينية قائلا "أنا الدولة والدولة أنا" وسوانا لا شيء، مستحضرا نظرية ذلك "الفيلسوف" الذي يرى انه إذا شرب من البئر فلتتدهور وليمت الجميع عطشا ،( وهي نفس النظرية التي يطبقها ملك ملوك إفريقيا حاليا على آبار النفظ في ليبيا).

    في ظل حكام كهؤلاء لا معنى للحديث عن التنمية كما انه لا معنى للحديث عن الديمقراطية أما الحديث عن مفاهيم الوطنية فانه جنوح خيالي يفسر لدى الحكام "بالمعارضة والشغب" ولدى عامة الناس يفسر "بالثقافة" التي هي ملمح من ملامح السخرية لدى مجتمع طال تدجينه.

    إذن نحن أمام دولة بطاقة ميلادها كدولة مستقلة حررت قبل خمسين عاما ولحد هذه اللحظة لم تتوفر فيها مقومات الدولة الحديثة ولا تحمل مؤشرات الصمود أمام الهزات التي عصفت ببلدان مرت بتجارب مشابهة.

    فهل كان علينا انتظار ثورة "البوعزيزي" حتى نقوم لأنفسنا ونستشعر ما نحن فيه من خطر يهدد كياننا كوطن وكشعب ؟

    وهل علينا ان نستمع لمهاترات القائلين ان الثورات العربية بدأت بثورة 2005 التي أطاحت بالرئيس ولد الطايع على يد خاصة خاصته الأمنيين من حراس وغيرهم.؟؟ (ولعله فات من عارضوا الانقلاب الأخير ان يزايدوا بدورهم بأنهم أول شعب عربي يقف في وجه حاكم عربي يطالبه بالرحيل)

    وهل علينا ان ننتظر وصفات سحرية لوجعنا التنموي من نظام لا يختلف في " أسباب النزول على الكرسي" عن سابقيه فكيف له ان يختلف معهم في طريقة التفكير؟ فمنذ نهاية سبعينيات القرن الماضي ظلت أسباب نزول الحكام في هذا الوطن عسكرية لا "مدنية" بما في ذلك أسباب نزول الشيخ المدني الوقور قبل ثلاث سنوات باعتراف من انزلوه وأزالوه.

    الم يرفع النظام الحالي شعار محاربة الفساد والمفسدين فكيف نصدق ذلك وهو يحتفظ بتشكلة كاملة من حكومات ولد الطايع اغلبها يجلس في الكراسي الدبلوماسية لموريتانيا والباقون في مواقع حساسة وحيوية وثمة من لهم " مواقع" أخرى..!!

    ثم أليس من العبث المذموم تعليق الآمال الخماص على معارضة يعترف رمزها الأبرز – رغم نزاهة فكره ويده- بالانقلابات العسكرية بل ويدعمها "بدون شرط أو قيد" تما ما كما تدعمها غالبية "نواب الشعب" وهي – الانقلابات- التي دمرت كل مشاريع النهوض التنموي في البلاد ونسفت كل مفاهيم الديمقراطية وشعاراتها غير الورقية ؟ ألا تضم هذه المعارضة هي الأخرى اشهر "ديناصورات" الفساد الذين عبثوا بالدولة ومواردها بالأمس القريب ؟.

    من يضحك على من إذن في هذه البلاد ؟ أما ان لنا ان "نمسح الطاولة"؟

    اعتقد انه آن الأوان للمصارحة والمطارحة في الشأن الوطني وبكل نزاهة وشجاعة، نحن الآن لا " نلعب" في الوقت الضائع بلغة أهل الرياضة بل "نلعب" خارج دورة الزمن الطبيعي للدول والشعوب.

    جميعنا مواطنين ومسئولين كل من موقعه وواقعه يتحمل مسؤولية كبرى من ما حصل من ردح تنموي وعبث سياسي في هذه الدولة منذ الاستقلال وحتى اليوم.

    القادة فضلوا الانفراد بمتعة السلطة ونشوة التسلط ، والسياسيون فضلوا لعبة المصالح الآنية الرخيصة ،والعلماء انقسموا ما بين معتكف في محرابه أو زاويته منزويا عن دولة النصارى وفتنتها، وبين مبايع "يفتي ..يفتي"... "تحت الطلب" وقبله أحيانا، ويحثنا مشكورا ليلا ونهارا على طاعة ولي الأمر، وهو في نظره كل من تغلب بحق القوة لا قوة الحق صالحا كان أو طالحا.

    أما الصحافة الوطنية الجادة على قلتها وضعف مواردها فتنقصها الجرأة والتجرد في مناقشة القضايا الوطنية الكبرى ولعلها معذورة إلى حد ما في بلد لا يراد للصحافة فيه ان تكون.

    والأخطر من كل هذا وذاك وهو ما يجب ان نعترف به هو ان ولاءنا الحقيقي لم يكن يوما للدولة الموريتانية بل كان للقائد حتى ولم لم يكن "قائد" موريتانيا.

    كل قادة العالم "المهتمين" بنا.. أو من "نهتم"... نحن بهم!! لهم إتباعهم وأذنابهم وعناصرهم وإخوانهم وشيعتهم ورفاقهم ومواليهم ومواليدهم وحتى "مليشياتهم" في هذه البلاد، لدرجة ان الأمر أصبح مباحا ومدعاة للتبجح والتملق والمباعية حتى في الإعلام ، وأكثر من ذلك لدرجة تعيين عناصر في الحكومة بتوصية من بلدان أجنبية أو على الأقل لا غبار على علاقات تلك العناصر بتلك البلدان.

    موريتانيا المسكينة وحدها لا ولاء لها ولا ذمة في أعناق أبنائها ، انه وضع مذل ومخجل ولا يشي بمستقبل مشرق على هذه الأرض التي وصل بها المطاف لهذا المستوى من الهوان على أبنائها

    لقد هزلت حتى بدت من هزالها عراها وحتى سامها كل مفلس

    هل نحن في سكرة عمهين محجوبون عن واقعنا ووقائعنا وكان لا بد لهذا "البوعزيزي" ان يحرق نفسه من اجلنا لا من اجل بلاده لكي ننتبه، تماما كما هو الحال للشعوب العربية الأخرى ؟ أليس في علبتنا من يكفي من الكبريت ؟

    الم نخرج أو – بالكاد نخرج - لتونا من أزمة دستورية كادت ان تحولنا إلى صومال المغرب العربي – لا قدر الله- الم تسمعوا مؤخرا مسؤولا تونسيا ساميا يصرخ محذرا بني وطنه من مغبة "مرتنة" تونس؟ الم يؤلمكم ذلك النداء؟

    هل تتذكرون ان العالم كله تباهى بنا لما ضحكنا عليه بتجربة ديمقراطية شفافة ،وضحك علينا لما كشفنا عن وجهنا الطبيعي من جديد ،أي لما "عادت حليمة لعادتها القديمة"

    بكل تأكيد اجزم ان هناك من لا يروق لهم هذا الكلام ولن يتفقوا مع رؤيتي لأوضاع البلاد خاصة بعد الانجازات "البلدية" المهمة التي تجسدت على ارض الواقع مؤخرا(الطرق ، الحنفيات ، القطع الأرضية)

    وقد يتهمني أحسنهم ظنا بالتشاؤم أو التحامل ، ان سلمت من تهمة "حبوب الهلوسة"، لكن من تجرد من "المؤثرات" المصلحية "الآنية" حزبية كانت أو وظيفية أو زبونية سيدرك أنني ما كتبت سوى الحقيقة غيرة وتوجسا على وطن لا وطن لي وله سواه.

    يغمى على المرء في أيام محنته ( أو دولته)

    حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن

    ولكي ابدوا متفائلا لا بد من التنويه والإشادة برجالات مخلصين من أبناء هذا البلد وهم كثر في مختلف مؤوسساته المدنية والعسكرية لكنهم كما يقال جنود مجهولون يسيل عرقهم ودمهم في سبيل هذا الوطن لكن لا احد يقدر ذلك حق قدره ومقداره العظيم ولا هم يطلبون بذلك قربا أو جاها حسبهم السلامة من تأنيب الضمير على التقصير في حق الخالق و الوطن وكل ما سوى ذلك يهون على هؤلاء.

    كما لا ننفي انه خلال العقود المنصرمة كانت هناك مبادرات للإصلاح تحمل مؤشرات النجاح لو حملت معها إرادة التجسيد ، لكن أصحاب "التوجيهات النيرة" كانوا يتراجعون بسرعة البرق عن تلك المبادرات تحت تأثير وتزوير بطانتهم السيئة.

    ولا أظن ان أحدا يكابر مهما كانت مواقفه في بعض النوايا الحسنة المفعمة بروح الوطنية للرئيس الحالي خاصة ما عبر عنه عدة مرات من تألم لواقع البلاد ، لكن منهج التسيير المعتمد حاليا لن يأتي إلا بنتائج معاكسة لتطلعات فخامة الرئيس.

    فمن يجالس أعضاء الحكومة الحالية أو كبار المسؤولين سيكتشف بسرعة ملاحظتين جوهرتين أولاهما ان هؤلاء مرعوبون من ان تطالهم حمى التجريد المفاجئ أو التحويل القسري إلى سجن دار النعيم بحق أو بغير حق.

    أما الملاحظة الثانية فهي ان هؤلاء لا يتمتعون بأبسط الصلاحيات، فكل الأمور ممركزة "هناك(...)" ووضع كهذا يربك الإدارة وارباك الإدارة نتيجته الحتمية تدني مؤشرات التنمية بل سبب مباشر لشلل الحركة الاقتصادية والتنموية للبلاد.

    لا مراء أننا كنا سنتفاءل أكثر لو ان رئيس الجمهورية أعلن لحظة تنصيبه رئيسا للبلاد قطيعة مع ما قبل تلك اللحظة باعتباره أصبح الرئيس الشرعي لكل الموريتانيين بمختلف فئاتهم ورؤاهم وابتعد عن تأثيرات "موريتانيا أعماقه" وغيرها من شعارات مرحلة التأزيم، كحرب الفساد التي تستهدف المغضوب عليهم من المعارضين والمواليين فقط دون سواهم ،مع أنني بهذا الكلام أبرأ إلى الله من ان تأخذني رأفة في لصوص واكلة المال العام مهما كانوا وحيثما ثقفوا،لكنني كغيري توقعت على الأقل الوفاء بتوزيع "المتوفر" من العدالة بعدالة على المواطنين.

    كما كنا ولا نزال سنتفاءل أكثر لو ان المعارضة أحجمت مشكورة عن تذكيرنا " باتفاق دكار" لرمزيته السيئة لتدويل أمور البلاد ، وجنحت للحوار الوطني تجاوبا مع رغبة النظام المعلنة منذ بعض الوقت فلا معنى في نظري لرفض الحوار خاصة في وضع سياسي متأزم كوضعنا.

    وما دام المشهد السياسي يتسم بحالة حوار الطرشان بين الأقطاب السياسية في البلاد بلغة "تهبط" غالبا لدى الطرفين إلى ما دون السوقية ، لا المح من ومضات الأمل سوى ما تبشر به "حركة الخامس والعشرين فبراير" التي فجرها الشباب الموريتاني ان سلمت من ما يحدق بها من محاولات النسف والإجهاض و الاحتواء من طرف كل الأطياف السياسية في البلاد سلطة وموالاة ومعارضة.

    لا شك ان هذه الحركة ان وفقت ستكون بادرة أمل حقيقية لانتشال هذا الوطن من غياهب المجهول.

    لكن ذلك لن يتأتى لشبابنا الميامين ما لم يمارسوا السياسة بكل مفاهيمها التنموية ويبتعدوا عنها بكل مفاهيمها السلطوية و النفعية ،و يقفوا على نفس المسافة من جميع الأطياف السياسية في البلاد.

    وسيكون نجاحهم مذهلا حقا ان تمكنوا من زرع وعي تنموي وسياسي مفعم بمفاهيم الوطن والمواطنة في قلوب وعقول ساكنة هذا المنكب البرزخي ، وعي بمقتضاه يصبح "الشعب يريد".. ساعتها سيقرر الشعب ما يريد.

  • قراءة في المشهد اليومي

    16 شباط (فبراير) 2011

    عالي ولد محمد حرمه

    بالوقائع التي تنقلها الصورة التلفزيونية الحية، أثبتت أحداث تونس ومصر أن الشعوب أرقى من أنظمتها، وأكثر تحضراً من أجهزة حكمها، وأشد نقاء في مشاعرها الوطنية وإحساسها بالانتماء، من كل الشعارات الكاذبة التي كانت ترفعها تلك الأنظمة، عن حماية حقوق المواطن وصون أمن الوطن والحرص على خيراته وثرواته؛ فيما هي تمارس العكس النقيض على أرض الواقع.

    عندما أبلغ الديكتاتور المخلوع زين العابدين بن علي أن مواطنا من سيدي بوزيد اسمه محمد البوعزيزي أحرق نفسه، قال: (فليمت). لم تتحرك فيه ذرة إحساس.. ولم يشعر بأدنى درجات المسؤولية كراع مسؤول عن رعيته. وعندما اشتدت الاحتجاجات والإضرابات، قام بن علي بزيارة البوعزيزي في المستشفى.. جامعاً أعتى مشاعر الإجرام مع أشد درجات النفاق والتظاهر الإنساني الكاذب.. أما الناس الشرفاء فقد تأثروا لمأساة هذا الشاب الذي أهينت كرامته وأغلقت سبل الرزق الشريف في وجهه... وثاروا مدفوعين بالشعور بالظلم، لم يسرقوا ولم ينهبوا، وتحملوا القتل والتعذيب والاستهداف بالرصاص الحي، وسقط منهم الشهداء، لكنهم ظلوا مؤمنين بحقهم في الحرية والحياة. فمن كان الأرقى: (الزين) الذي أسف الأخ القائد معمر القذافي لرحيله... أم الشعب (الهمجي) الذي لم يقدر جميل حكامه؟

    ***

    كافأ الشعب المصري قناة (الجزيرة) في وقفتها المشرفة مع ثورتهم، بتوجيه الشكر لها، ورفعوا اللافتات في ميدان التحرير، التي تحيي هذه القناة وتقدر جهودها... وحرصوا على التعاون معها في مدها بالصور والمعلومات ما أمكنهم ذلك بصورة حضارية، ولم يعاتبوها لأنها كانت تستضيف ممثلين عن النظام كي ينقلوا وجهة نظرهم. أما النظام المصري فرغم كل ما قدمته له قناة (العربية) ورغم السلوغونات الشاعرية التي صنعتها من خطاب مبارك، ورغم الأكاذيب والأضاليل التي روجت لها بحق المتظاهرين الشباب، متماهية مع خطاب الإعلام المصري الرسمي، فإن النظام المصري وبلطجيته، لم يحتملوا أن تنقل (العربية) جزءاً من الحقيقة لحفظ ماء الوجه... فكافأها بإهانة طاقمها وإطلاق كلابه للتهجم على مكتبها، من دون مراعاة لأي قيم في التعامل مع الإعلام... فمن كان الأرقى.. الشعب (الغوغائي) الذي يريد للجزيرة أن تكون صوته، أم النظام (المتحضر) الذي يهين حلفاءه، لأنهم قرروا أن يكونوا (نصف أتباع) لا أتباعاً كاملين؟

    *** خرج علينا احد شبابنا.. مستنكرا عرض التلفزة الوطنية (ياله من اسم كئيب) لصور مسّت من مشاعره ومشاعر اطفاله.. نعم،الإنسانية و الّنبل في الطرح امران لابدّ منهما وحرمة الميت مهما كانت اسباب وفاته صانها الدين الإسلامي.. لكن.. ما هكذا تؤكل الكتف.. ما هكذا يقتص غريم من غريمه.. يا هذا.. أقسم بمن رفع السماء بلا عمد بأنني ضمن الملايين من أبناء هذا الوطن الغالي فداء له ولكل شبر من أرضه ولكل روح تتنفس هوائه.. إن كنت مخاطبا حماقة الخوارج الغوغاء ومحفزا حقدهم القديم على كل ماهو حضاري فاعلم أن صدورنا من دونك يا وطن..

    ما هذا التخبط ؟ ماهذا الحقد ؟ ما هذا التدنّي في الاسلوب ؟ ما هذه الإستماتة في التقّوت على كل ماهو مباح ومحرم.. أسفي وحزني شديدين.. معارضة تضرب تحت الحزام كل شيء لديها مباح.. وموالاة معوّقة تقول

    كل شيء إلا الحق وتسكت عن كل شيء إلا الباطل..

    صدق من قال يوما..

    حب الوطن ما هو مجرد حكايه ..... أو كلمة تنقال في أعذب أسلوب

    حب الوطن إخلاص .. مبدأ وغايه ..... تبصر به عيون وتنبض به قلوب

  • جنوب الســـــــــودان: الاستفتاء لن يكون نهاية المطاف؟

    16 شباط (فبراير) 2011

    أحمد مصطفى سفير موريتانيا سابقا بالسودان

    ما زلت أذكر عبارات الفريق سلفاكير ميارديت نائب رئيس جمهورية السودان رئيس حكومة الجنوب ورئيس الحركة الشعبية، خلال زيارة المجاملة التي أديتها له بالخرطوم يوم كنت سفيرا لموريتانيا... قال الفريق ممازحا بعربية أهل جوبا "لا تكن كغيرك من الشناقطة الذين يطيب لهم المقام في الشمال، وقلما يجذبهم الجنوب... وأردف الفريق بأنه سمع عن عدد قليل عن الشناقطة التجار أقاموا ببعض مناطق الجنوب قادمين من دول إفريقية مجاورة وأمر بإكرام وفادتهم... لأننا نحتاجهم يقول سلفاكير واستفسر سلفاكير عن واقع موريتانيا وعن الديمقراطية وعن علاقاتها في ذلك الحين مع إسرائيل"، وبخصوص هذه العلاقة التي كان يوليها أهمية خاصة قال سلفاكير وهو يربت على كتفي "الدول لا عواطف لها، الدول لها مصالح... استعينوا على أموركم بالكتمان... فالكل يتعامل مع إسرائيل والعلاقات من أي نوع كانت ما هي إلا شكل من أشكال إدارة الصراع...".

    وبقدر ما كانت ملاطفات الرجل هادفة إلى إزاحة الكلفة وإشاعة جو من الألفة بيننا كانت أيضا تعبيرا عن قناعة لمستها لديه ولدى قادة الصف الأول في الحركة الشعبية بأن الجنوب سائر نحو انفصال حتمي، ولكنه رغم ذلك لن يتنكر للشمال ولن يتنكر للتاريخ والجغرافيا، بل سيكون في أمس الحاجة إلى العرب بأموالهم وعقولهم واحتضانهم. فالإنفصال لن يكون نهاية المطاف، بل ربما يكون بداية علاقات جديدة أكثر واقعية مع شمال السودان وعبره مع العالم العربي.

    حقائق لا يمكن تجاوزها

    من يقرأ الحقائق على الأرض يدرك خصوصية الروابط وتشعبها بين الشمال والجنوب على كافة المستويات، فالنفط يقع في مناطق التماس بين الجنوب والشمال خاصة منطقة أبيي التي سينظم استفتاء مصيرها لاحقا لاستفتاء الجنوب والتي نص البروتوكول الخاص بها الذي لم يطبق بعد، كما نصت تفاهمات لجنة رسم معالم حدودها على أن 39% من حقول نفطها باقية ضمن الشمال يضاف إلى ذلك أن كل أنابيب النفط متجهة نحو الشمال نحو بورسودان على البحر الأحمر ومناطق التخزين في الشمال ومناطق التكرير هي الأخرى في شمال السودان، فتدفق نفط الجنوب عبر الشمال يمثل الخيار الاقتصادي الأنجع لتوفر شبكة الأنابيب في مناطق آمنة، ثم إن البدائل الأخرى كميناء جيبوتي وميناء مونباصا بعيدة، ولا تتوفر شبكة لضخ النفط نحوها، وإن توفرت فكلفتها ستكون باهظة وستمر عبر مناطق لا توفر الأمن الكافي، وإذا أضفنا إلى موضوع الأنابيب موضوع التكرير وتواجد محطاته في الشمال وحاجات الجنوبيين الفورية للنفط المكرر لأدركنا أن النفط سيكون ورقة تكامل وتعاون بين جنوب السودان وشماله مع أرجحية كفة الشمال.

    وضع اجتماعي وقبلي هش

    سيكون تصويت الجنوبيين للانفصال نهاية مرحلة استطاعت فيها الحركة الشعبية تحقيق قدر من إجماع الجنوبيين ولو ظاهريا على خيار الانفصال، ومواجهة الشمال، أما وقد تم الاستفتاء وكشفت الأوراق، فإن المكاشفة لكي لا نقول المواجهة ستصبح جنوبية - جنوبية، وهنالك من البهارات ما يجعلها متفجرة كل حين.

    فعلى المستوى القبلي سيشتد التنافس بين الدينكا والنوير وسيجد الشولك ومجموعة القبائل الاستوائية أنفسهم أمام مواجهة هيمنة الدينكا المرفوضة محليا، وستشكل لمسيرية وغيرها من القبائل العاربة والمستعربة والنيلية والنوبية عمقا قبليا مؤثرا وصعب المراس.

    ويتوقع أن يتأجج الصراع السياسي بين المكونات الجنوبية (حوالي 20 حزبا سياسيا)، لم تعد لديها يافطات خارجية تدفعها لتوحيد المواقع ظاهريا ، بل ستتواجه داخليا، وستتصارع حول تقسيم كعكة الانفصال، وقد بدأت بالفعل هذه المواجهات، ولن يكون آخرها تمرد الجنرال آلتور الذي انفصل عن الجيش الشعبي بكتائب مسلحة والذي أضطر سلفاكير بدل معاقبته إلى مكافأته بتوقيع اتفاق تهدئة معه ودفع رواتب متمرديه.

    ولا يستبعد أن يكون خروجه بداية تمرد وخروج قادة جنوبيين آخرين مما سيخلق حالة من الفوضى قد تفضي إلى اقتتال يضعف الدولة الجديدة ويجعلها تحت رحمة جيرانها المباشرين.

    وعلى ذكر الجيران بدأ يطفو على السطح بشكل لافت تناقض المصالح اليوغاندية والكينية، فاليوغانديون بدعم إسرائيلي هم من دفعوا بقوة في اتجاه الإنفصال والكينيون هم من يتطلعون بدعم الأمريكيين إلى اقتناص ورشة بناء دولة ناشئة كثيرة الموارد وعاجزة عن تدبير شؤونها الاقتصادية والخدماتية، وربما الأمنية.

    وهنالك لاعبون آخرون فإسرائيل موجودة بسلاحها ومخابراتها وصناعاتها ولوبياتها، وقد عملت بنفس استيراتيجي طويل على تقليص خارطة الوطن العربي والوصول بطريقة ملتوية إلى منابع النيل، ومن خلالها إلى التحكم في موارد المياه الإفريقية الهائلة في مستهل عصر الماء الذي يتوقع أن تكون الغلبة فيه لمن يتحكم بمصادر المياه ويسخر التكنولوجيات المتقدمة لاستخراجها وتسويقها.

    الدور المصري والعربي: هواجس وإخفاقات

    أقل ما يقال إن المصريين لم يواكبوا مجريات الأحداث من خلال وضع تصور استيراتيجي لمتغيرات الأوضاع، رغم حيوية الموضوع بالنسبة لهم وتعلقه المباشر بمياه النيل وبحيات مصر التي كانت وستظل كما وصفها هيرودوت هبة النيل، وعدم وضوح الرؤى المصرية ألقى بظلال ثقيلة في الماضي على مسار الأحداث فاتهام السودان وبعض أجهزتها بالوقوف خلف مهاجمة موكب الرئيس حسني مبارك بأديس بابا وما نجم عنه من مواقف مصرية ضاغطة على الشمال أدى في ذلك الوقت إلى كشف ظهر الحكومة السودانية، وزادت مصر من ضغطها في مناطق حدودية أخرى كمنطقة حلائب المتنازع عليها، وقد تكون هذه الضغوط المصرية أدت من بين أمور أخرى إلى دفع الحكومة السودانية مكرهة في اتجاه توقيع اتفاقية السلام التي أدت إلى الإنفصال.

    وبين الأمس واليوم جرت مياه مصرية كثيرة تحت الجسور... وتحاول مصر جاهدة اللحاق بقطار الإنفصال الجنوبي، وقد سبقت الإنفصال بفتح قنصليات ومكاتب تجارية وبنت مستشفيات وجامعات واستقبلت آلاف الطلاب الجنوبيين ووعدت بتدريب ضباط الجيش والشرطة، تقوم مصر بكل ذلك وعينها على منسوب المياه المتدفقة عبر النيل، فهنالك دولة جديدة تولد على مجرى النيل وتتحكم في أحد أهم روافده وهذا واقع يمس الأمن الاقتصادي والسياسي المصري في الصميم.

    وإلى جانب الدور المصري يتواجد العرب بصورة غير منظمة فالمقاولات اللبنانية موجودة، وبدأ القطريون والإماراتيون والسعوديون يتجهون بصورة محتشمة نحو الجنوب تفاديا لإحراج الخرطوم التي ظل خيار الوحدة خيارها المعلن.

    متغيرات ما بعد الإنفصال

    بعد انقشاع زبد نشوة الإنفصال يجد الفرقاء أنفسهم في مواجهة واقع جديد ومتغيرات جديدة، فالدول الغربية الراعية للانفصال كفرنسا والولايات المتحدة وابريطانيا ستحاول شركاتها النفطية إزاحة الهيمنة الصينية على قطاع النفط وسيندلع صراع شركات ساخن يتوقع أن يخوضه الصينيون بقوة انطلاقا من مواقعهم كمستغلين فعليين لنفط الجنوب وكقوة اقتصادية تحتاجها أوروبا لتمويل عجزها الهيكلي المتصاعد وتحتاجها الولايات المتحدة لشراء سندات خزينتها المتراكمة، لذلك يتوقع أن تكون إزاحة الصينيين صعبة وقد يقتصر الموضوع على منافستهم والدخول معهم في شراكات تصون مصالح الصينيين والغربيين بصورة لا تتحكم فيها حكومة جنوب السودان الناشئة المحتاجة للسيولة مهما كان مصدرها.

    وعلى المستوى الديني قد يتحول الصراع من بعده المسيحي الإسلامي الذي رعته الكنيسة المسيحية لقرون خلت إلى صراع تبشيري لتنصير السكان الوثنيين الجنوبيين الذين يقدرون بـ40% من سكان الجنوب.

    كذلك يتوقع أن تنتشر شرارة تغيير الحدود الموروثة عن الاستعمار لتصل مناطق أخرى بإفريقيا ويصعب التكهن بإنعكاسات الإنفصال على صراعات متأججة تشهدها عشرات الدول الإفريقية (نيجيريا- الكونكو - السينغال.... إلخ)، وسيكون على الهيئات الإفريقية وخاصة الإتحاد الإفريقي أن تجري مراجعات مؤلمة لكل نصوصها ومواثيقها، وسيكون عليها أن تبذل جهدا خارقا لكبح نزعات انفصالية قبلية ومافيوية وأتنية تجتاح قارة لم توفق في تحقيق التنمية والإندماج.

    هل يمكن احتواء الآثار السلبية للانفصال؟

    أمام العرب فرصة تاريخية لن تتكرر لتدارك الأمور من خلال احتواء الإنفصال بدعم السودان دعما كاملا والمبادرة إلى وضع خطة مارشال عربية اقتصادية وسياسية يكون هدفها دعم مقومات التكامل والتفاهم بين دولة شمال السودان ودولة الجنوب، فما فات في السياسة يدرك بالمصالح الاقتصادية والجنوب أرض بكر تسيرها دولة ناشئة تحتاج إلى كل الدعم لتلبية الحاجات وملء الفراغات التقنية والإدارية للحيلولة دون ارتماء الدولة الجديدة وسقوطها ثمرة يانعة في أيادي متربصة لا تريد الخير للعرب وعملت ما وسعها ذلك من أجل بلوغ يوم الإنفصال.

    فليعمل العرب وفي طليعتهم السودانيون والمصريون لكي لا يكون الإنفصال نهاية أو غواية، بل بداية جاذبة لبناء علاقات وشراكات قائمة على المصالح والمنافع المتبادلة، فالعالم يتشكل في كرتلات ومجموعات مصالح اقتصادية إقليمية، وجنوب السودان مجاله الحيوي والاقتصادي هو العالم العربي والإفريقي ومحكوم على هذين العالمين بالتكامل، وقدر السودان بشماله وجنوبه أن يكون بؤرة هذا التكامل وقلبه النابض، فلندعمه بمقومات التحليق بجناحين قويين نحو بر التكامل والتعايش والأمان.

  • متى يتوقف فقهاء المحضرة عن القول بحرمة الإقامة في بلاد الغرب ؟

    13 شباط (فبراير) 2011

    محمد المهدي ولد محمد البشير

    أحكام الشريعة الإسلامية في أمور المعاملات مبنية على علل شرعية يستطيع العقل إدراك حكمتها التشريعية، ليؤسس عليها مقاصد الشريعة الإسلامية الضرورية والحاجية والتحسينية كما فعل ذلك الأصوليون قديما عند بحثهم في "مسلك المناسبة"بعد أن رأوا – بالاستقراء – أن الحكم يدور مع المصلحة وجودا وعدما، يقول الإمام العز بن عبد السلام في قواعده :"وأما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها وأسبابها فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات، فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته، ومن أراد أن يعرف المناسبات والمصالح والمفاسد راجحهما ومرجوحهما فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به، ثم يبني عليه الأحكام فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلا ما تعبد الله به عباده، ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته"

    وهذا هو مفترق الطريق بين مدرسة التجديد وبين غيرها من مدارس التقليد التي تحرص على إعادة إنتاج نفسها بأسماء جديدة يقول الإمام محمد عبده – بعد أن بين أن التقليد صار سمة العقل المسلم في جميع أرجاء المعمورة - بأن الفكر الوهابي فكر جامد لا حظ له من التجديد لاكتفائه بظاهر النص - :" اللهم إلا فئة قليلة زعمت أنها نفضت غبار التقليد وأزالت الحُجُبَ التي كانت تحول بينها وبين النظر في آيات القرآن ومتون الأحاديث لتفهم أحكام الله منها . ولكن هذه الفئة أضيق عطنًا وأحرج صدرًا من المقلّدين وإن أنكرت كثيرًا من البدع ونحّت عن الدين كثيرًا مما أضيف إليه وليس منه . فإنها ترى وجوب الأخذ بما يفهم من اللفظ الوارد ، والتقيد به بدون التفات إلى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين ، وإليها كانت الدعوة ، ولأجلها منحت النبوة ، فلم يكونوا للعلم أولياء ، ولا للمدينة السليمة أحبّاء" إن الأصول العامة التي تنبني عليها أحكام الشريعة الإسلامية - في أمور المعاملات - هي سر صلاحية هذه الشريعة لكل زمان ومكان، لما تتمتع به تلك الأصول من مرونة الأحكام، وسعة القواعد، وفتح الباب أمام كل جيل من أجيال هذه الأمة - على مر الزمن وتغير الأحوال وتبدل الثقافات - ليجتهد ويجدد تبعا لتغير المصلحة، وهو ما ألمح إليه الحديث النبوي الشريف" إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" ولا يمكن أن يتحقق تجديد في الدين أو يقع إصلاح في أمور الدنيا، ما دام العقل المسلم يرفض الاجتهاد، ويخاف التجديد، ويكتفي بما سطره الأقدمون من آراء كانت استجابة لما واجههم من تحديات في حياتهم اليومية، قبل أن يرحلوا عن هذه الدنيا وترحل معهم مشاكلهم ويبقى اجتهادهم الظني المسطور في الكتب يكبل عقول أبنائهم مع تغير الزمن وتبدل الحال، وهم في أمس الحاجة إلى اجتهاد جديد يحررهم من أسر الماضي كي يعيشوا حاضرهم يقول الثائر المجدد جمال الدين الأفغاني في خاطراته:"هل يجب الجمود والوقوف عند أقوال أناس هم أنفسهم لم يقفوا عند حد أقوال من تقدمهم، قد أطلقوا لعقولهم سراحها فاستنبطوا وقالوا و أدلو دلوهم في الدلاء في ذلك البحر المحيط من العلم وأتوا بما ناسب زمانهم وتقارب مع عقول جيلهم، وتتبدل الأحكام بتبدل الزمان"

    تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار كفر

    إن تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار كفر/ حرب/ آخر وتخصيص كل منهما بأحكام شرعية خاصة، تقسيم تاريخي جاء نتيجة اجتهادي ظني كان صالحا في فترة تاريخية معينة، وهو غير ملزم للمسلمين في القرن الواحد والعشرين، خاصة وأن هذا التقسيم تنبني عليه كثير من الأحكام الشرعية كحرمة الإقامة في بلاد الكفر/ الغرب/ الآخر ، ووجوب الهجرة على من بها من المسلمين إلى دار الإسلام، وتحريم التجنس بجنسية الدول الغربية، يقول الحافظ ابن عبد البر في كتابه الكافي:" لا يحل لمسلم أن يقيم في دار الكفر وهو قادر على الخروج عنها"، ويقول العلامة أبو بكر بن العربي في أحكامه :"فمن أسلم في دار الحرب وجب عليه الخروج إلى دار الإسلام ، فإن بقي فقد عصى" ويقول الونشريسي في معياره :" إن مساكنة الكفار من غير أهل الذمة والصغار لا تجوز ولا تباح ساعة من النهار ومعاذ الله أن تركن لأهل التثليث أمة فاضلة توحد وترضى بالمقام بين أظهر الأنجاس والأرجاس" وأقره عليش على ذلك في فتاويه، ويقول الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي في أضواء البيان:" وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الفرار بالدين من دار الكفر إلى بلد يتمكن فيه الفار بدينه من إقامته دينه, واجب. وهذا النوع من الهجرة وجوبه باق بلا خلاف بين العلماء في ذلك".

    إن القول بحرمة الإقامة في بلاد الكفر /الغرب / الآخر كما هو مسطور في فقه "المحضرة" اعتمادا على قاعدة "سد الذرائع" وعلى قوله صلى الله عليه وسلم:" إني بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين " ، قالوا : يا رسول الله ولم ؟ قال : " لا تراءى نارهما " وهو حديث آحاد ورد في سياق مختلف، حيث كانت الهجرة واجبة إلى المدينة المنورة لتقوية الجماعة المسلمة، وشد أزرها، وكان الكفار يفتنون المسلم في دينه، وليس له قوانين تحميه في بلادهم، ولا محاكم تنصفه من الظلم، وكان الانتماء فيه للدولة على أساس العقيدة، وليس على أساس المواطنة كما هو واقع اليوم، ينافي مقاصد الشريعة الإسلامية الكلية؛ لأن الأعداد الكبيرة من غير المسلمين الذين يعتنقون الإسلام سنويا لا يمكن أن ينتقلوا إلى بلاد المسلمين؛ فالعالم لم يعد كما كان أرضا مفتوحة يمكن للمسلمين أن يستولوا على جزء منها ليوسعوا به حدود دولتهم، وإذا فرضنا أن بعضهم يستطيع الانتقال إلى بلد إسلامي فإن بقاءه في وطنه قد يكون خيرا له وللدعوة الإسلامية، وهب أن مليونا من المسلمين الأمريكيين قرروا الهجرة إلى موريتانيا – تطبيقا لهذه الفتوى - فماذا سوف تكون النتيجة بالنسبة إلى هؤلاء المسلمين الأمريكيين، وماذا سيكون أثر هذه الهجرة الجماعية بالنسبة إلى الموريتانيين أنفسهم؟

    إن المسلم في بلاد الغرب اليوم آمن على نفسه وعقيدته وماله ويستطيع أن يحقق لدينه وأمته وللإنسانية من الخير ويقدم لهم من الخدمات أضعاف ما يستطيع تحقيقه وهو في بلد إسلامي مستبد ومتخلف، لما تمنحه الدول الغربية لمواطنيها من حرية التفكير وحرية التعبير وحق المساواة ، والعيش الكريم، فضلا عن حرية إنشاء المؤسسات وتنظيم أنفسهم في منظمات غير حكومية. ولعل أكبر مثال على ذلك المفكر الدكتور طارق رمضان الذي ناظر الرئيس الفرنسي ساركوزي في برنامج تلفزيوني شهير سنة 2003، وعمل مستشارا لرئيس الوزراء البريطاني، وتدرس كتبه في ثمانين جامعة أمريكية. وصنفته مجلة أمريكية ضمن مائة مفكر الأكثر تأثيرا على الكرة الأرضية، رب قائل يقول بأن بقاء المسلم في بلاد الغرب قد يجعله يرتد عن دينه، أو يتزلزل إيمانه، وهو ما صار من الممكن أن يقع للمسلم وهو في عقر داره كما بين ذلك الفيلم الذي نشره موقع أقلام حرة عن واقع التنصير في موريتانيا، والذي كشف أن كثيرا من الشباب الموريتانيين في حاجة إلى إعادة اكتشاف الإسلام ومحاسنه، وقد مر نشر الفيلم مر الكرام ربما لأن معديه اختاروا أن يكون باللغة الفرنسية حتى لا يطلع طلاب المحضرة على مضمونه.

    و يثير إعادة التساؤل عن مقصد الشريعة الإسلامية من وجود شخص مسلم، هل يتحقق بوجود مسلم يؤمن بالله تعالى عن قناعة، ويتمسك بالشريعة الإسلامية على بصيرة، أم بوجود مسلم "وراثي" يردد ما وجد عليه آباءه، تقليدا أو رياء، ولو فرض أنه ولد وتربى في بيئة بوذية أو بيت ملحد لكان بوذيا أو ملحدا كآبائه وأجداده

    تعريف المتطرفين الإسلاميين لدار الحرب/ الكفر:

    لا يكتفي المتطرفون من الإسلاميين باعتماد التقسيم التاريخي الذي يصنف الدول غير الإسلامية كلها بأنها دار حرب، بل زادوا على هذا التصنيف القول بأن البلاد الإسلامية كلها صارت اليوم دار حرب، بناء على أن حكم الدار تابع للأحكام التي تعلوها فإن كانت الأحكام التي تعلوها أحكام الإسلام فهي دار إسلام ، وإن كانت الأحكام التي تعلوها أحكام كفر فهي دار كفر.. وما دامت الدول الإسلامية اليوم تعلوها أحكام وقوانين وضعية فإنها صارت دار كفر، يقول الدكتور سيف فضل منظر الحركات المتطرفة في كتاب طلب العلم الشريف " والإقامة بين المسلمين في ديار الردّة كالبلاد العربية والمسماة بالإسلامية خير من ديار الكفر الأصلية، وإن كانت كلها ديار كفر"

    دار الحرب في الفقه الإسلامي المعاصر:

    للفقه الإسلامي المعاصر - أعني مدرسة التجديد- موقفان من تقسيم العالم إلى دار كفر ودار إسلام:

    -  الموقف الأول أن تقسيم الدار إلى دار كفر ودار إسلام تابع لخوف المسلم وأمنه على نفسه ودينه وماله ، وليس تابعا للدين وقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى قريب من هذا القول يقول الكاساني في بدائعه :" وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن المقصود من إضافة الدار إلى الإسلام والكفر ليس هو عين الإسلام والكفر، وإنما المقصود هو الأمن والخوف " ويعلق الشيخ الإمام أبو زهرة على هذا الرأي بقوله: " إن التعريف لدار الحرب على هذا النحو يؤدي لا محالة إلى أنها الدار التي يتوقع منها الاعتداء حيث لا يأمن فيها المؤمن على نفسه ولا على ماله، فإذا زال ذلك الاعتبار، وأصبح المؤمن فيها يأمن على نفسه وماله فإنها بلا ريب لا تكون بلاد حرب. وعلى ذلك إذا قامت قوانين دولية تؤمن كل إنسان في أي دولة يحل فيها من غير عقد ولا حلف، فإنها على تعريف أبي حنيفة لا تكون دار حرب"
    -  الموقف الثاني أن هذا التقسيم قديم وقد انقضى زمنه وفقد صلاحيته، ولا حاجة إليه بل يجب المصير إلى تقسيم فقهي جديد وإلى تسمية جديدة، يقول الدكتور محمد سليم العوا:" إن الرأي الذي يرجحه الفقه المعاصر أن الاجتهاد القديم بمثل هذا التقسيم قد انقضى زمانه، وأن الفقه المعاصر يجب أن يتوجه صوب واقع العلاقات الدولية المعاصر ويجتهد في بيان الجائز منها والممنوع".

    وقبل أن أنهي هذا المقال الذي هو جزء من سلسلة مقالات في نقد منهج التعليم المحضري ستتبعه سلسة مقالات أخرى في نقد "الخطاب الإسلامي" أحب أن أبوح بسر لا يعرفه الغيورون على "المحضرة" وهو أن العلامة حمدا بن اتاه هو الذي طلب مني - منذ أكثر من سنتين- أن أصوغ ما كنت أقوله بحضرته من كلام في مواضيع مكتوبة يقرأها الناس، ولم يكن يضيق ذرعا بما أقوله بل يشجعني عليه.

  • لقد علمتنا الثورة أن...

    7 شباط (فبراير) 2011

    أحمد أبو المعالي

    منذ احتراق البوعزيزي- رحمه الله- ساعة امتعاض من تجبر أمني مألوف في تونس يومها ..وما ولده ذلك "الاحتراق" من تداعيات ظلت ككرة ثلج تكبر وتنمو حتى أودت بأحد أقوى الأنظمة الفرعونية في القرن الحالي ..منذ ذلك التاريخ و الحبر يسيل –كما الدماء- ابتهاجا بالثورة التونسية والعدوى التي أصابت الأمة المصرية ...ومهما قيل ويقال وسيقال فلن توفى هذه الثورات حقها ولن تنتهي الدروس والعبر المستقاة منها ..

    فقد علمتنا هذه الثورات الشعبية ما لا يمكن أن تلقنه الجامعات المتخصصة والمعاهد المتطورة مهما بلغت من جودة الأداء وعمق المناهج ...و عموما سأقف بعجالة عند بعض الدروس التي استقيناها ..فقد علمتنا الثورة أن :

    1- أشجع هذه الأمة وأشرفها هم شبابها .

    2- وأغبى هذه الأمة وأجبنها هم حكامها .

    3- وأقل الأمة نصرة للحق وتصدرا للمشهد الثوري هم علماؤها وأئمتها.

    1- نعم أشجع الأمة هم شبابها : فلقد استطاعوا بجهد منظم ومتواضع أن يهزوا ويدكوا عروشا استعصت على كثير من الساسة والمفكرين والمثقفين وأولى الرأي.. واستطاعوا أن يحققوا في أيام بل وساعات ما لم تستطع القوى السياسة والأحزاب المعارضة والناشطون بمختلف طوائفهم تحقيقه في عقود.

    ولعل مرجع ذلك إلى كون هؤلاء الشباب تجاوزوا الأطر السياسية والفكرية التي لا تخلو في كثير من الأحيان من المزج بين الهم الوطني والرؤية الخاصة ..وبالرغم من كون هذه الأطر تمكن ذويها من التنظيم والتنسيق والاستفادة من ذلك في الاستنفار والحشد إلا ذلك التأطير يشكل في حد ذاته عائقا باعتباره يحجم العمل نظرا لأن الأمة ليست على قلب رجل واحد "فكرا" أو توجها سياسيا" فضلا عن التخاصم والتقاطع والتنافر بين كثير من القوى الفكرية والسياسية داخل الوطن الواحد ..والتي تخشى كل منها تصدر غريماتها للمشهد السياسي.

    بينما شكل انتفاء ذلك التأطير الفكري أو التنظيم السياسي عامل قوة لرواد الثورة وحفز الجميع على الالتحاق بها وزيادة الأعداد يوما بعد يوم –بل وساعة بعد ساعة- وهو ما أعجز النظام –الخصم عن تصنيف هؤلاء المتظاهرين تصنيفا إيديولوجيا أو سياسيا وبالتالي شل من قدرته على السيطرة أو المواجهة ..وساعد في إنهاك قواه بشكل كبير ..ذلك أن تحديد الخصم جزء من إستراتيجية المواجهة الناجحة..ولو أن قوة سياسية معينة قادت هذا النضال لما كان لها أن تحقق هذه "الشعبوية" وهذا التمدد السريع .وقد حاول النظام التونسي ربط الثورة بمجموعة من الملثمين الخارجين عن القانون .. وحاول النظام المصري في اللحظات الأخيرة ربط الثورة با لإخوان المسلمين وذلك بحثا عن نجدة من الغرب أو من ينظرون بعين الخصومة للإخوان..بيد أن تلك الحركة لم تؤت أكلها، وتبين أنها جزء من الفهم المتأخر غير السليم و مفردة من مفردات البحث المتأخر عن طوق نجاة.وأعلن الإخوان المسلمون أنهم ليسوا سوى جزء من الشعب الذي هب دفاعا عن كرامته ووطنه ولا مطمح ولا مطمع لهم في تصدر المشهد السياسي.

    نعم هم أشجع الأمة ..وما زادهم عنف النظام وجبروته إلا إصرارا على المضي في تحقيق مطالبهم ولو برع القناصة في الاغتيال والتقتيل .وأصحاب الخيل والبغال والحمير والجمال .والسيارات في إلحاق صنوف الأذى بهم .. فهم بحق خيرة هذه الأمة وهم رجال الحرب .

    2- نعم.. أغبى ما في هذه الأمة هم حكامها ..فهم لم ينتبهوا لحركة التاريخ وما أفرزته من تداعيات وما جد فيها من أقضيات وما حصل من تغير في الأفكار والتوجهات والخطاب وسلوك حياة الناس ...فظنوا أنهم يستطيعون أن يحكموا بنفس القبضة الحديدية والطريقة التي كانوا يحكمون بها منذ منتصف القرن الماضي ..فأخطأوا التقدير وحزوا في غير مفصل وجنوا على أنفسهم كما –ذات يوم- على نفسها جنت براقش.

    إن توهم تجاوز وسائل الاتصال الحديثة، واعتبار أن منع وسائل الإعلام من تأدية مهامها في القرن الحالي منجاة من كشف العورات والزلات .والتفاف على الحق والشرعية- أمر في قمة الغباء .وسجن هذا المناضل أو ذك أو منعه من دخول البلد لا يعدو أن يكون محاولة غبية لحجب الشمس بغربال تقادم عهده أو محاولة زعزعة الجبال بيد شلاء.

    وقد تجلى ذلك في عدم سيطرة النظام التونسي على تسريب صور جرائمه من خلال وسائل الاتصال الإلكترونية رغم المحاصرة والمضايقة ..وتوهم النظام المصري أنه سيفشل جمعة الغضب بقطع الانترنت فما أغنت عنه شروى نقير ...بل والأطرف من ذلك والأغبى أن يشل حركة المواطنين بتوقيف حركة القطارات بين المدن..ولو كان له أن يشل كل مرافق الحياة لينجو من لهيب الثورة لفعل .

    لقد حاولت هذه الأنظمة محاصرة شعوبها وإيذاءها بتعطيل الخدمات التي كان من المفترض أن يسهروا على تطوريها وتنميتها ..مما عجل بالتخلص منهم ونفخ في روح الثورة ...

    نعم هم أغبياء لأنهم توهموا أن الترسانة الأمنية التي ضخوا فيها ثروات شعوبهم لتحميهم وعروشهم من غضبها لن تخترقها تلك الثورات وما دروا أن هذه القوة الأمنية لا تتحمل غضب الأمة .وأن من الأبجديات العلمية أن شدة الضغط تولد الانفجار..ولهذا انهار الجهاز الأمني عند الصدمة الأولى ..واتضح أن ذلك "البعبع" الذي كان رمز الترويع ليس سوى فقاعات لا تتحمل الهزات ولا الثورات .

    نعم هم أغبياء لأنهم لم يستفيدوا من درس إمامهم الأول "فرعون فساروا على نهجه الجبروتي وما انتبهوا أن من أدركه الغرق والثورة لا ينفعه الإيمان بالديمقراطية والحرية وكرامة المواطن وعدم التوريث ..فهم عن (آية) فرعون غافلون .

    فمن رفض أن يعطي للمواطن حرية اختيار الرئيس لعقود متعدد وسامه سوء العذاب ونهب ثوراته لا يجديه التعهد بعدم الترشح أو رزمة من الرتوشات الإصلاحية تحت ضغط الثورة الشعبية..

    .والغريب أن النظام المصري لم يستفد من خطوات نظيره التونسي والفارق الزمني لا يتجاوز أياما معدودة ...فسار على خطواته شبرا بشبر وذراعا بذراع ..قد تشابهت قلوبهم

    والمفارقة أن الرئيس المصري الذي يعرض بلده للخطر والفوضى برفضه الاستجابة لمطلب التنحي هو من ناشد الرئيس العراقي السابق صدام حسين أن يتنازل عن الحكم حماية لبلده من خطر الدمار الذي قد يسببه الغزو الأمريكي 2003 م.

    - نعم هم أجبن الناس لأنهم رضوا بالاختفاء أو التولي يوم الزحف ..ولجأوا إلى أسلوب قذر يعتمد الاستعانة للصوص والمجرمين أو "البلطجية" وما استطاعوا مسايرة الأحداث ومجاراتها فمنهم من قضى "ملكه" وشرد قبل أن يحدد الوجهة ومنهم من ينتظر..

    3- نعم أقل الناس على الواجهة النضالية-للأسف- هم العلماء ...فطوال الأيام العصيبة التي مرت بها تونس خلال أيام الله تنادى الجميع فصدحت أصوات السياسيين و الحقوقيين والأساتذة والأطباء والمثقفين والفنانين ..ولكن - للأسف - غاب وسط الزحام صوت علماء الأمة فلم نسمع أحدا من أبناء القيروان يؤيد ويساند الثورة بل وحتى في العالم الإسلامي لم نسمع ركزا من الرموز العلمية والدعوية المشهورة إذا ما استثنينا العالم "الفتى الثمانيني" " الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله.

    والآن ها هو شعب مصر-حتى كتابة هذه السطور- يصارع "الغول" ويناطح الفرعون ..ولم تبق فئة من الفئات إلا رفعت عقيرتها تأييدا ومباركة للثورة ..ومع ذلك لم يستطع الشيخ الطهطاوي أن يبارك الثورة حتى قدم استقالته كمتحدث باسم الأزهر .ذلك الحصن الذي يشكل رمزا من رموز الأمة الدينية وكأنه لا ينبغي للأزهر أن يكون ظهيرا للشعب المصري في هذه المحنة العصيبة..! وقل ذات الشيء بالنسبة لعلماء الأمة وخطبائها في كل أقاليم الدنيا –اللهم إلا الشيخ المجاهد يوسف القرضاوي حفظه الله الذي ألف الحف وألفه الحق :

    مازال مذ عقدت منه الإزار يد ** صبا مشوقا بأنواع العلا كلفا

    إنه مما يحز في القلب أن يتراجع العلماء عن الصدارة وأن يكتفوا بالعيش على الهامش والسير خلف القافلة أيا كانت وجهتها .وهم حملة هذا الدين العظيم وهم سدنته إن ضيعوه ضاع وإن حفظوه حفظ .وهم الأولى بالوقوف إلى جانب الحق والعدل والكرامة .

    إن مبدأ السكوت والحياد السلبي ليس من شيم العلماء الذين يلقنون الناس صباح مساء أن "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله"

    ..ولعل ذلك التقهقر من العوامل الأساسية التي مكنت للطواغيت أن يحكموا هذه الأمة بالحديد والنار عقودا طويلة .لكن ذلك لم يمنع الشعب المصري أن يحدد المساجد مركز انطلاق جمعة الغضب .وجمعة الرحيل.

    لقد تولى عنهم آخرون تصدر المشهد ومقارعة "الفراعين" وبداية الشرارة ومع ذلك ما زالوا مضيعين للأمانة التي حملوها متخلين عن الرسالة التي يجب أداؤها مخالفين بذلك نصوصا طالما لاكتها ألسنتهم ولهجت بها حناجرهم ..فمتى تصل إلى القلوب وتلامس الشغاف؟

    لا أريد الحديث عن الذين نكصوا على أعقابهم فرضوا بالانحياز للأنظمة الفاسدة فأولئك أعظم جرما وليس من وصف لهم سوى أنهم علماء السلطة وعملاء الشرطة كما وصفهم الشيخ القرضاوي.

    ويقينا لو اجتمعت همة الشباب وإرادة الشعوب وتوجيه العلماء لدكت الأمة كل عروش الطغاة ولأراحت منهم العباد والبلاد..وأحس الإنسان في ربوعنا المكلومة بكرامته وعزته داخل وطنه؟

    فمتى يلتئم هذا الشمل المبارك؟


    كاتب وشاعر موريتاني مقيم بالإمارات

    Ahmad_aboualmaaly@hotmail.com

  • لا مكان للفتنة، ولا بد من الإصلاح

    1 شباط (فبراير) 2011

    د.حماه الله ولد السالم

    كتبت سابقا خاطرة كان عنوانها صادما (موريتانيا تشتعل)، وهي والحمد لله لم تشتعل ولن تشتعل، لأن دين أهلها ونظام حياتهم وواقع صلتهم بسلطتهم، يمنع ذلك. هذا في الظروف العادية، لكن الحال قد يتغير رغما عن السلطة والناس، لأن العالم يتبدّل، وبسرعة مرعبة، وتتوالى التجارب القاسية في الصراع والتنافس والوعي، تنقلها الميديا الماكرة والسريعة، لتستقر في الأذهان ومن دون حاجز، لتتفاعل مع واقع مأزوم في مجتمعنا وغيره من المجتمعات، ويتأثر بها ويتفاعل معها جيل فتيّ متقلب المزاج سريع التأثر بالغ القلق والمرارة، تواق للأحلام الوردية ضعيف الثقة في الدولة والنخبة والأسرة والمجتمع.

    انقضى عام عشرة وألفين وجاء تاليه بانفجار كوني، وفي بلاد العرب القريبة منا لسانا ومكانا، ولسنا محصنين إزاء ما جرى ويجري.

    ذلك ما قصدته بـ موريتانيا ستشتعل... لأنها قد يصبها ما أصاب غيرها وبسرعة غريبة، وقد لا يصبيها على النحو المباشر لكنها ستعرف نتائجه وآثاره طال الزمان أم قصر.

    لقد وصلنا قبس من نهضة الشرق، وجاءتنا أمواج من أتراحه وأفراحه، بعد أن وصلت قبلنا إلى آخرين، لأنهم أسْبق منّا في المكان فصاروا أسْبق منا في الزمان، أي في التاريخ بخبراته وصراعاته وتجاربه.

    لا مكان للحتمية التاريخية عموما، بأي وجه من وجوهها، مادية أو مثالية، لكن الخبرة التاريخية دلت على أن ما عرفته كل بلدان العرب من تيارات وحركات وتقلّبات، نالنا بعضه كاملا أو مجزوءً، ولو بعد حين.

    كيف سيكون منطق تلك الخبرة التاريخية وقد صارت الميديا تصنع الحدث، لأنها تنقله غضا طريا، ثم تغذوه وتجلوه، وقد تنفخ فيه فيصيرا عنقاء مهولة.

    ما أردته في رأي سابق هو التنبيه على ضرورة الإصلاح، وبصورة مضاعفة أكثر من ذي قبل، لما تموج به الساحة العربية، من ثورات وانتفاضات، اكتمل بعضها وما زال الأخير قيد الاكتمال، أو قيد التشكل.

    صار الإعلام، عبر الفضائيات والشبكة العنكبوتية، نافذا وفاعلا وأكثر مضاء، ولم يعد بمكْنة أي كان أن يزعم نجاته من تأثير الصور والخطاب والرأي العابر للحدود والعقل معا.

    لم أدْع قط إلى فتنة ولن أفعل التزاما بصريح الشرع ثم بالصالح العام، لاسيما وكنت ابتليت بشكوك من مرضى النفوس حين "بالغت" في وصف جهود حميدة للدولة والنظام، ثم جاء الرأي نفسه ليجعلني في صف "دعاة الفتنة"، لمجرد التنبيه على خطر داهم ومخاطر مهولة، قد تنفجر في أية لحظة بفعل فاعل أو من تلقاء نفسها، تحت تأثير الشحن الإعلامي الذي يجيّش النفسيّة الجماعية ويخطف الإدراك العام، بكل السبل، ولمختلف المرامي.

    لا يفهم أكثر المُسيّسين من المتعلمين، في بلدنا، الفرق البيّن بين المراجعة المعرفية للوضع السياسي ـ المجتمعي، والرؤية السياسية الحزبية، وبينهما والنظرية السياسية الإيديولوجية التي تصدر عن حركة أو تيار سياسي فكري.

    ولذلك يتّهمون الكاتب في ولائه للوطن حين يحلّل الحالة السياسية أو الاجتماعية من منظور نقدي.

    ويقدحون في شخصه إذا اختار الدفاع عن رأيه الخاص بشأن سياسة بعينها ينهجها حاكم أو نظام، ثم ينْبزُونه بالألقاب إذا تجرّأ ودافع عن خياره المذهبي أو الحركي أو انحيازه لسياسة أو جماعة.

    كلها صنوف من الخلط والعجلة والريبة التي نتجت عن الرداءة الفكرية والسياسية طيلة عقود مضت، وزاد من حدتها ضعف القدرة على الحجاج العلمي والنقدي والمنهجي، بسبب تدهور تدريس العلوم والمعارف والفكر الإنساني في مؤسساتنا الجامعية، وتراجع مستوى القراءة الجادة لنتاج الثقافة الأصلية والمعاصرة.

    المعارضة في العرف المحلي هي القدح والهجر والتدابر والسب واللعن في جملة إجراءات عقابية رمزية وحتى محسوسة للرأي المخالف.

    أما الموالاة فهي الإفراط في المدح للحاكم والتبرير للسلطة وتسييرها للشأن العام..

    أما من يريدون أن يضربوا بين أولئك طريقا يبسا ينقذ من الغرق، فمآلهم الريبة والشكوك وحتى الطعن في حسن نياتهم.

    إذا قيل إن الرئيس يحوز شرعية دستورية، وهو أمر معروف وجلي، قيل إنه تزلف له وتقرّب ونفاق، لكن تبرير إطلاق هذه الأوصاف يبقى معلقا!

    وإذا قيل إنه لا يحمل مشروعا للتغيير، كان ذلك تشهيرا بالحاكم وبحثا عن الشهرة.

    ويبقى الرأي والبحث والنقاش، تزيُّدا في القول والفعل، وربما نوعا من ملئ الفراغ إن لم يكن علامة خبال وهلوسة.

    خلق الثروة والقضاء على الأزمة الأخلاقية

    أقرأ وأسمع ما يصدر عن رأس الدولة وعن معارضيه، ومنه تعليق للرئيس، جاء عرضا ـ في حديث عام، مفاده أن هناك من الكُتّاب أو المواطنين المثقفين من يقولون شيئا (أي رأيا) ثم يرْجعون عنه.

    فهمت الرسالة لأنني كتبت للرئيس كثيرا، مباشرة، ومن طريق غير مباشر، وكتب آخرون مثلي على النحو ذاته.

    لقد كتبت وناديت بأن خلق الثروة هو أهم عمل لأية سلطة قادمة، تريد لأهل البلاد الأصليين البقاء فيها والاستمرار عليها، ثم لأن ذلك سيكون أهم عامل في القضاء على الأزمة الأخلاقية الفردية والجماعية التي اخترقت مفاصل المجتمع بنية ونظاما وسلوكا، وظهرت جلية في الحياة العامة وفي السلوك الشخصي.

    لم أتراجع عن تلك الثابتة، لكن حقيقتها ليست أمرا بدهيا لا من حيث العمل الفني المباشر، بل من حيث ارتباطها، بأمور أخرى وجيهة، بل لعلها أكثر وجاهة لكنها وشيجة الصلة بالسياسة والأهواء، ولذلك فيحسن العمل لها لكن من غير إعلان ولا تسويف أيضا، لكن يجب إنفاذها ابتداء، ومنها تعريب الإدارة والقضاء على الدعوات المنتنة بالرأي الحر والكفاءة والعدل وهيبة الدولة والأمانة.

    وعد الرئيس الحالي في خطاب شهير بعد انقلاب 2008 بتغيير بنية التعليم، وحفظ هيبة الدولة وأموالها، وبمكافحة الفساد بكل السبل.

    جرْد الحساب بشأن عمل النظام من الانقلاب إلى الانتخاب، تكشف جهدا كبيرا، و وعدا مبالغا فيه، وإخفاقا هنا أو هناك!

    الجهد

    تمت السيطرة بشكل كبير على صرف أموال الدولة التي كانت تضيع وتتبدد في كل وجهة، وجرى تمويل عدة ورشات مفيدة مثل الطرق وتنظيم العشوائيات ومواجهة تردى أحوال الأسر الفقيرة.

    لكن عملية "مكافحة الفساد" تمت بأسلوب يجمع بين الغموض، الانتقاء، الاختزال، وأيضا قليلا من القسوة. لكن النتائج بالقطع كانت بارزة لكنها غير مكتملة أبدا.

    الوعد

    جرى الحديث عن تغيير بنية التعليم وهو ما لم يحصل، وكان قرار السلطة الحالية بتغيير نصوص التعليم العالي بربط إجراءات الانتخاب بحزمة مرعبة من المراسيم، صادما بكل المقاييس.

    أما التعامل مع "تعديل 99" سيئ السمعة والفعل معا، فقد كان غامضا ومؤجلا، ولم يخفف من غلواء تأثيره السيئ المستمر، الوعد بـ "منتديات عامة للتعليم" باتت معلومة النتائج سلفا.

    وبقيت القضية الجوهرية في الدولة والمجتمع وهي اللغة العربية، مسكوتا عنه، أو منطوقا معلّقا.

    جرى التعامل مع المالية العامة بطريقة تراوحت بين الحزم والشدة والارتجال، وكان من الغريب إسنادها لعدة مواطنين يحوز بعضهم كفاءة وانضباطا، لكنهم ظلوا يتنقلون ويستبدلون وبطريقة فيها شيء من روح شعار "الولاء قبل الكفاءة".

    لكل نظام الحق في تثبيت نفسه، والحذر من خصومه وحتى أصدقائه، لكن قطعا تبقى نتائج السياسات هي الفيصل في الحكم على نجاحه أو فشله.

    لم يتغير شيء كبير في جوهر السياسة العامة لأن كل هوية الدولة ومؤسسة العدل ونظام الكفاءة ما يزال معلقا.

    والسؤالات القلقة مطروحة دواما: ما الذي يمنع من احترام الكفاءة، ولماذا الحساسية من النقاش العلني لمشاكل المجتمع، وأيضا لماذا ما تزال هوية الدولة أمرا مؤجلا رغم مضي نصف قرن؟

    كل نظام يأتي يعِد بالإصلاح، تشتعل جذوة الفعل والقول، حقا أو باطلا، ثم ما تلبث أن تخبو أو تستحيل ضوءا يعشو أبصار المبْصرين، لتعمى بصائرهم بعد أن كلّت أبصارهم، تبقى الغالبية من الناس نصف مبصرة، تماما كالأعور بين العميان، فتسود حالة من الريبة والشك تنتشر لتصبح واقعا ينوء الجميع بحمله أو يكادون، تصير الدعوة للإصلاح نذير شر والتنبيه على الخصاص في التدبير هدما وردما، ويفيء الجميع إلى ظلال الخوف من المستقبل والخشية من الغد.

    حال خبرْناه، ووضع عشْناه، ولا مانع من تكراره ورجوعه، لأن دار ابن لقمان ما تزال على حالها، ولم يتغير شيء كبير، لا في قناعات الناس ولا في ما يُراد لهم أن يقتنعوا به. لكن الأعجب هو أن ينجو بلدنا من الاشتعال، لكنه ما يلبث أن ينْطفئ، وليست هناك مسافة بين الجنة والنار!

    ولله الأمر من قبل ومن بعد

  • فجر عربي وشيك

    1 شباط (فبراير) 2011

    بقلم / عبد الفتاح ولد اعبيدن المدير الناشر ورئيس تحرير يومية الأقصى

    كل المؤشرات والمبشرات – إن شاء الله- تدل على قدوم فجر جديد، قريب غير بعيد، سيضيء الوطن العربي أولا ثم إفريقيا المسلمة ثانيا؛ وبعد ذلك أرجاء أخرى من العالم الإسلامي، ليبدد ظلمات الليل الطويل الذي هيمن سواده على عموم ديارنا العربية، حارما إياها من مختلف الحقوق والحريات الأساسية التي تتمتع بجزء منها بعض شعوب العالم الأخرى.

    فنحن العرب- في أكثر الأحيان- نخاف من حرية التعبير لأنها تعني، في أبسط ممارساتها، إغضاب السلطة. ولطالما قالوا لنا تخويفا وترويعا: "اتقوا غضبة السلطان"؛ ليسيطر الخوف من كل شيء- تقريبا- في حياة العربي المهزوم، المغلوب على أمره وشأنه كله، خصوصيه وعموميه.

    عقدة الخوف هي أولى عقبات التغيير، والمرء عندما لا يتمكن – بصورة حاسمة- من تجاوزها، لا يستطيع التوق إلى أفق جديد، أولى أن يدخل في حيز الفعل والمبادرة.

    والله سبحانه وتعالى، عندما بعث موسى عليه السلام إلى فرعون هاديا ونذيرا وطارقا باب التغيير من عبودية المخلوق إلى عبادة الخالق بلا شريك، أول ما ربي عليه موسى ووطده عليه هو رفض الخوف والتحول إلى جو الثبات والإقدام والاطمئنان بنصر الله ووعده.

    قال تعالى في مواضع متفرقة:

    "أقبل ولا تخف إنك من الآمنين"

    "لا تخف نجوت من القوم الظالمين"

    "لا تخاف دركا ولا تخشى"

    "لا تخف إنك أنت الأعلى"

    " لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى".

    وبهذه الروح المؤمنة القوية المنطلقة من عقال الخوف، استطاع موسى عليه السلام، بعد واقعة السحرة ودخولهم في دين موسى وهجرهم لطاغوتية فرعون، جر هذا الآخير إلى اليم، ليكون مصيره – بإذن الله- الغرق وإلى الأبد.

    أجل، سيغرق مبارك، فرعون مصر الحالي، والتاريخ – كالمعتاد- سيعيد نفسه إن شاء الله.

    فبعد ثورة تونس المباركة في الجمعة التاريخية، يوم 14 يناير 2011، شعر المصريون كلهم تقريبا، بضرورة هجر الخوف وإلقائه وراء الظهر، ولسان حالهم يردد :" لا خوف بعد هروب بن علي".

    وقد ساهمت قناة الجزيرة القطرية الرائدة، وبشكل إعلامي مهني ذكي وفعال، في تأجيج ثورة العرب وتقريب نور هذا الفجر الوشيك من الانبلاج والظهور، مضيئا زاهيا في عموم الربوع والرحاب العربية أولا، ليمتد – لاحقا- مهيمنا مطبقا على سائر أنحاء هذا الكون، وما ذلك على الله بعزيز.

    لقد اشتد أوار هذه المعركة الراهنة في أرض الكنانة، خصوصا منذ يوم الجمعة المنصرم، محركا الجماهير المصرية نحو الثورة الثانية بعد أختها التونسية، رغم بعد الشقة نسبيا بين تونس ومصر، واشتراكهما في الهوية الحضارية العربية الإسلامية، وتوحدهما في معاناة الشكوى العميقة من الاستبداد والاستفراد بالحكم؛ ليلهم نجاح هذه الثورة المصرية ومن قبلها التونسية، شعوبا عربية أخرى لتنحو في نفس الاتجاه.

    رغبة في الولوج إلى حياة كريمة، حرة، بعيدا عن استعباد الحكام للمحكومين وحرمان السواد الأعظم من الناس من حقوقهم المعنوية والمادية المتنوعة.

    إن الصبر على الواقع الحالي السائد في عموم التراب العربي، باستثناء تونس الخضراء المحررة نسبيا، يعني – باختصار- الصبر على الذل والمهانة في أعمق صورهما وآلامهما، والصبر على الجوع والحرمان في أبشع حالاتهما وأوجههما القاسية المدمرة.

    شعوب بلا اختيار حر لمن يحكم أمورها العامة ويسير شؤونها المشتركة.

    شعوب مستلبة الأموال والثروات، يستخدمها النزر القليل من أبناء جلدتها في الملذات والشهوات وتكريس الاستلاب الداخلي والخارجي.

    شعوب مزقت أوصالها بالحدود المصطنعة والحروب الداخلية والخارجية المحطمة لكل المكاسب.

    شعوب أهينت سمعتها باحتلال دائم لفلسطين وأسر مستمر لشعب فلسطين، أرض الإسراء والمعراج، والأقصى المبارك الذي يبكي حرقة وشوقا لمثل هذه الأحداث، عسى أن يتحرر أبناؤه ليحرروه في المقابل، في وقت غير بعيد إن شاء الله.

    شعوب احتل عراقها وذبح أحد حكامها الرافض للاستعمار الأمريكي رغم بعض أخطائه.

    فكان ذلك الحدث المجلجل، المخزي لسمعة السياسة الأمريكية تجاه العالم العربي، شنق حاكم عربي هو الشهيد البطل صدام حسين في عقر داره، في يوم النحر، يوم الحج الأكبر، يوم عيد الأضحى المبارك على يد عملاء المحتل الأمريكي الجاثم وقتها على أرضه العريقة السليبة الممزقة، الملوثة بجرائم العدو وحلفائه السيئين الأنذال.

    شعوب عربية لا صوت لها إلا بعض إعلام مطارد، مضايق هنا وهناك، خصوصا على أرض قطر المعطاء، ثبتها الله على النهج الحر، وألهمها الشورى في أوسع معانيها المريحة المطمئنة لضمائر الناس وذممهم.

    شعوب قهرت الشعوب المجاورة لها، الشقيقة في نسب الدين والحضارة، في أفغانستان وغيرها من البقاع المظلومة المحتلة باستمرار وعنف واستكبار، لا مثيل له في تاريخ العالم المعاصر على الأقل.

    شعوب سئمت الحياة، لأنها حياة خوف من الكلام وحرمان من الخبز، وترقب من القادم في كل مساء وصباح!!!

    وارحماه! يا صاحب العرش، يا ذا الجلال والإكرام، خلصنا من هؤلاء الذين سامونا سوء العذاب والقهر والظلم، بسبب من قوة لا حق لهم في استخدامها في هذا السبيل.

    فإما جمهورية مزيفة قائمة على الانقلاب أو التزوير أو هما معا، وإما مملكة وسلطنة وإمارة تملك رقاب الناس وتصادر ثرواتهم، وقرارات شؤونهم العامة والخاصة، بحجة وجود "عائلة مالكة"، والملك في الدنيا والآخرة على عباد الله، لله وحده.

    وما أبلغها من قولة عمرية خطابية غائرة في التعبير عن نبض الشارع العربي اليوم؛ يرددها أبدا لسان حاله ومقاله إن شاء الله: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"..

    الجميع يريد رحيل الطغاة والحكام العرب بأجمعهم، ودون استثناء، مع توبة صريحة علنية مما اقترفوه في حق شعوبهم المظلومة المقهورة، لأن الطريقة التي يحكمون بها – بإيجاز- غير اختيارية.. والله جل وعلى يقول في محكم تنزيله: " وأمرهم شورى بينهم".

    لقد كان مركز الزلزال الذي أصاب عروش الطغاة في تونس، ثم تحرك صوب القيادة العربية التقليدية، مصر، التي ذكرت في القرآن بصريح التسمية الحالية.

    وبعدها سيرتد إلى مختلف الأنظمة في فترات غير متباعدة، في أزمنة غير طويلة ليحدث تغييرا عربيا شاملا، في الحكم السياسي في ديار العرب وأسلوب إدارة شؤونهم العامة المختطفة منذ قرون مديدة؛ لتعود الخلافة الراشدة، وتتحقق ضمنيا وعمليا – ولو بصورة تدريجية- الوحدة العربية، تمهيدا لحضارة أوسع ساحة وميدانا، عنوانها العدل والإنصاف، ورايتها الأولى الدين الخاتم :الإسلام، ومذهبها هجر الظلم في حق أي كان؛ مهما كان دينه أو جنسه، وهو عين الشرع وجوهر عقيدتنا الإسلامية السمحة، ومنهجنا الإسلامي الشامل، الصالح لكل زمان ومكان.

    "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين"..

    فلا خيار إلا الإصلاح الاستعجالي على يد غيرهم ممن هو أنظف يدا وأقل تلوثا، مع رحيلهم اضطراريا وبسرعة من عالمنا المتفجر بالغضب، قبل أن يحل بهم سيل العرم أو زلزال مدمر فاضح، أو رياح عاتية، لا تبقي ولا تذر، وتلك قد تأتي في صور غضبة الشعوب المتحررة، المتحركة تدريجيا من سبات النوم والغفلة إلى ميدان التحرير والزمجرة وارتفاع الأصوات المطالبة، بشدة وإلحاح وعنف- أحيانا- بالحرية والانعتاق الكامل!!!

    إنها ساعة الفجر.. أليس الصبح بقريب، آمين.

  • الكاتب الصحفي الكبير أحمد مصطفى يكتب: "هل تعيد ثورة الياسمين عبد الله ابن ياسين إلى صحراء الملثمين؟"

    1 شباط (فبراير) 2011

    ليست ثورة الياسمين بتونس إلا تعبيرا جامحا عن حالة الإحباط والإحتقان التي يعيشها هذا العالم العربي من انواكشوط إلى عدن...

    وحين تستيقظ تونس وتثور ويقدم أبناؤها أرواحهم على قارعة الطريق قربانا لتنمية فاشلة ولحلم لم يتحقق يترنح العالم العربي وفي مقدمته مصر الكنانة وترتعد فرائص قادة كانوا إلى لحظة فرار زين العابدين يعتبرونه مثالا "لتمدن العسكر" و"للدكتاتورية الناعمة"...

    كانوا يعتبرونه مهندس أوهام الرئاسة مدى الحياة وتوريث السلطة... كانوا لا يرون أبعد من شوارع مدن تونس الساحلية المعبدة وفنادقها الفخمة ومطاعمها السياحية الفاخرة المشرعة لتلبية نزوات الزوار الأجانب... لم يكونوا يرون أبعد من صورة نمطية تعود قادتنا أن يحشروا أنفسهم في تقاطيعها وظلالها المشوشة...

    كانوا يتجاهلون الوقائع التونسية الحقيقية المتمثلة في الكبت والحرمان والفقر وخنق الحريات ونهب ثروات البلاد والعباد بصورة ممنهجة وارتهان نخبها وانسداد أفقها.

    لم يدركوا أنه تحت رماد تونس الخضراء لهيب تذكيه رمضاء المعاناة المريرة لشعب تونس الصبور، ولم يدركوا أن من يزرع الشوك يجني الجراح... وحين عبر شعب تونس بعنفوان عن إرادته للحياة وبدأ الليل ينجلي وبدأ القيد ينكسر فاجأهم ذلك وأصيبوا بالذهول وبدأوا على عجل لملمة مخاوفهم متلمسين الآفاق الارتدادية لزلزال تونس على امتداد جغرافي أخفقت شعوبه في إرساء الديمقراطية وفي تحقيق التنمية، وفي الوصول إلى حكامة رشيدة.

    لماذا انفجر البركان!

    حين وصل زين العابدين بن علي إلى السلطة في 7 نوفمبر 1987 اعتبره الكثيرون الرجل المناسب للمرحلة المناسبة، فسلفه بورقيبه، كان قد وصل إلى حالة من الترهل البدني والتخريف العقلي والتشويش الذهني لم يعد معها متمكنا من ممارسة حلمه في الرئاسة مدى الحياة، وأودت حالته البدنية والصحية بصورة "المجاهد الأكبر" التي طالما تشبث بها.

    في تلك اللحظة العاطفية المفصلية تسلل الجنرال الممارس بالأمن العسكري والداخلية ورئاسة الوزراء إلى السلطة وطفق يرسم معالم صورة نمطية لعسكري متمدن أنيق شديد الديناميكية، سليل مؤسسة المخزن، وتلقف الشعب المثخن بخرجات بورقيبه غير الموفقة، هذه النمطية وصفق لرجل غامض ارتبط بعلاقات متشعبة ومشبوهة مع أعتى الأجهزة الأمنية في العالم.

    وكان مساندوه في ذاك الوقت يرون فيه الإطفائي القادر على التصدي لحرائق النظرية العالمية الثالثة، الضامن لاستمرارية نهج بورقيبي علماني طبع حياة تونس المعاصرة.

    باشر الرجل إنجاز مهمته الأمنية على حساب الحريات، وأحيانا على حساب كرامة الشعب وأسكت كل الأصوات المناوئة وتصدى بقسوة للحركات الإسلامية وحاول اجتثاثها قتلا وتنكيلا وتغريبا، ثم إنه تجاوز كل الحدود وحاول القضاء على كل المظاهر الدينية في بلد مسلم كان على مر التاريخ بلد علم وإشعاع روحي... ظل بن علي يدور في حلقته الأمنية العلمانية المفرغة متقوقعا في برجه العاجي، سابحا في شعاراته الديماغوجية الجوفاء، محاطا بشلة من السماسرة الفاسدين، وظلت الإخفاقات تتراكم وظلت المعاناة تتزايد، وظلت تونس تراوح مكانها رغم توفرها على أعلى معدلات التمدرس في العالم العربي وتوفرها على مقدرات اقتصادية معتبرة... ظلت ترزح تحت وطأة دكتاتورية من دون مشروع.

    لم يستطع بن علي قراءة الواقع قراءة سليمة، ولم يوفق في استشراف المستقبل، وظل يتجاهل الاستحقاقات الديمقراطية والتنموية والاجتماعية الملحة ويقمع بشراسة المطالبين بها.

    تصوروا أن آخر قراراته كانت السماح بتواجد قيادة قوات الآفريكوم على الأرض التونسية وكانت جنوحه المبطن للترشح مرة أخرى لرئاسة يرومها مدى الحياة...

    وحين طفح الكيل وأزفت اللحظة الصدمة لحظة احتراق البوعزيزي انهار النمر الورقي ورحل تاركا تونس تلملم جراحاتها وتندب إخفاقاتها وترتب إستحقاقاتها وتبحث بعبثية عن مخرج من مغارة علي بابا التي أدخلها فيها ولاذ بالفرار...

    نعم لاذ بالفرار... لم تسعفه طوابير المتزلفين... لم تسعفه أجهزة أمنية قدرت بأزيد من مائة ألف عنصر... لم تسعفه تحالفاته الغربية ولا صداقاته العربية... لم ينجده حزب حاكم كان الناس إلى سقوطه يتدافعون للتقرب من سدنته، ولكنهم بادروا إلى إحراق مقراته...

    تركه الجميع لأن البغي مرتعه وخيم، ولأن المظاهر خداعة ولأن الممارسة الطائشة للسلطة تحرق كل شيء... تحرق أوهام الحرية... تحرق الأمل تحرق الشعارات وتحرق حتى مطامح الدكتاتوريين.. وتحول ثرواتهم المكدسة إلى هشيم مشاع تذروه رياح التغيير الذي هو سنة الحياة...

    إلى أين تتجه تونس؟

    يرى المتفائلون أن تونس سائرة لا محالة نحو تكريس ديمقراطية تعددية حقيقية ونحو مزيد من الانفتاح ونحو مزيد من حرية المبادرة الاقتصادية، إلا أن الطريق المؤدي إلى تحقيق أحلام ثوار الياسمين طريق محفوف بالإكراهات السياسية والاقتصادية، فلكي تكون المشاركة السياسية حقيقية لابد من إشراك كل القوى السياسية، وخاصة الإسلاميين، وإشراك الإسلاميين موضوع معقد يبدأ بإطلاق سراح البعض وتعويض الضحايا وإلغاء محكوميات قيادات بارزة والسماح بعودتها، كما أنه يمر عبر السماح بقدر من "أسلمة" مجتمع حاولت حكومات بورقيبه وبن علي جره نحو علمانية شكلية ممقوتة...

    وسيكون الإسلاميون بكل أطيافهم رقما صعبا في المعادلة السياسية التونسية الجديدة، وقد صرح أبرز قادتهم المنفيين عباسي مدني بأنهم سيقتصرون على المشاركة في الانتخابات التشريعية، ولن يتقدموا للانتخابات الرئاسية، وقد اكتسبوا مصداقية نضالية لأنهم ناضلوا في الخط الأمامي لسنوات عديدة ضد بن علي وضد "تغريب" تونس و"علمنتها"، وضد تحويلها إلى منتجع سياحي.

    ولكي تكون الثورة وفية لأبنائها عليها أن تخلق آليات سريعة لتحسين ظروف الشعب من خلال وضع برامج تنموية شاملة سريعة وفعالة تضمن توزيعا عادلا للثروة وآلية محكمة لامتصاص البطالة وتحقيق نمو اقتصادي مطرد.

    وهذه الاستحقاقات تتطلب تجاوز الاحتقان الظرفي وعدم تضييع الوقت في تصفية حسابات عالقة مع ذيول النظام المنهار.

    فما ينتظره الشعب التونسي يتطلب يقظة وتعبئة وتضحية، كما يتطلب ترتيبا لأولويات جامعة من شأنها أن تشكل معالم المشهد التونسي الجديد.

    الآثار الإرتدادية لثورة الياسمين

    لم يشهد العالم العربي في تاريخه المعاصر ثورة شعبية عارمة وعفوية بهذا الحجم وفي ظرف دقيق مفصلي كالذي يمر به العالم العربي وهو يعيش حالات إحباط وخيبة أمل فقد جرب الشعب العربي الاستعمار بكل أشكاله القديم والجديد والمتجدد، وواكب إرهاصات الدولة الوطنية، الفاشلة واندفع ردحا من الزمن خلف الشعارات القومية وانجلب لبعض الأطروحات الشيوعية والعلمانية وتوهمت نخبه أخيرا أن الوصفة الديمقراطية هي الحل السحري المنتظر، ولكن الديمقراطية، فقدت مفعولها بين ظهرانينا، وظلت مجرد تكريس لتعددية زبونية فارغة، وظل التناوب على السلطة يتم بطرق قسرية أخرى تلبس لبوسا ديمقراطيا مع المحافظة على الجوهر الدكتاتوري، ثم إن "أصدقاءنا الغربيين" جبلوا على الكيل بمكيالين فحين نطقت صناديق الاقتراع في الجزائر وأوصلت جبهة الإنقاذ إلى الحكم بادروا إلى التآمر وبذلوا كل الجهد لمنع الجبهة من ممارسة حقها الديمقراطي في تسيير الشأن العام... وحين فازت حماس في الانتخابات الفلسطينية بصورة شفافة أقاموا الدنيا ولم يقعدوها بعد، وشيئا فشيئا بدأت الجماهير تدرك أن التبشير الغربي بالديمقراطية هو تبشير ديماغوجي لتحقيق مآرب جيوبوليتيكية تسخر لها أنظمة تتظاهر بالديمقراطية وتمارس الديكتاتورية بشكل مجحف، ونتيجة لذلك خابت الآمال المعلقة على الديمقراطية، وظلت التنمية غائبة وظلت النخب مهمشة وحصر دورها في التبريك والتهليل والتصفيق وتحولت معظم الأنظمة إلى نتوءات فوقية سرطانية تمتص مقدرات العباد والبلاد، ولم تكن تونس إلا مكونا من مكونات هذا الواقع المأزوم لذلك يتوقع أن تتردد أصداء ثورتها في كل الاتجاهات، وقد بدأت فعلا الثورة المصرية فصلا جديدا من فصول الثورة العربية المعاصرة كان له ما قبله وسيكون له ما بعده، والبقية تأتي... "فأكل الثور الأبيض هو بداية النهاية لأكل كل الثيران".

    والمفارقة أن الثورة لم تعد تحتاج إلى "تصدير" فعولمة التجارة والإعلام والسياسة وتأزم الأوضاع الاجتماعية جعلت أفكار التغيير بضاعة رائجة عابرة للحدود ومخترقة للحصانات والخصوصيات والعقول.

    وإذا انطلقنا من مسلمة أن نفس الأسباب تعطي نفس النتائج لأدركنا أن العالم العربي ما بعد ثورة تونس مقبل على سلسلة من الثورات الفاصلة قد تتلاحق بسرعة، وقد يستغرق حدوثها بعض الوقت ولكنها آتية لا محالة.

    القذافي ضد التيار!

    لا غرابة في انزعاج قائد ثورة الفاتح العظيمة معمر القذافي، ولا غرابة في ردة فعله المتأرجحة بين الإستنكار والإستحسان، فثورة تونس العفوية الشعبية سحبت البساط من تحت ثورته وحولته إلى زعيم من الماضي يتشبث بقبعته الثورية...

    ثم إن تونس التي كانت في المرجعية الثورية القديمة رمزا للمحافظة والدكتاتورية والتبعية تحولت بثورتها إلى صدارة الحدث السياسي العربي والإفريقي والإسلامي وربما العالمي ونجحت في أيام معدودة في تحقيق ما لم تحققه ثورات عتيدة أخرى انتجت الكثير من الشعارات، ولكنها لم تنتج الأمل، ولم تجسد الأحلام.

    موريتانيا وتونس علاقة أزلية

    ما يربط موريتانيا بتونس عميق الجذور فيحي ابن ابراهيم الكدالي عندما طفح كيل الردة والفساد في صحراء الملثمين يمم الكعبة المشرفة وفي طريق عودته توقف بالقيروان وجلب معه الرجل العالم الورع عبد الله ابن ياسين إلى الصحراء ليبدأ دعوة مهدت لحركة إصلاحية كبرى احتضنها رباط علم ومعرفة وجهاد أداره عبد الله ابن ياسين ويحيى ابن إبراهيم، ومنه انطلقت ملحمة المرابطين وتوطدت أركان دولتهم التي نشرت الإسلام في جنوب الصحراء وحافظت عليه في الأندس وفي المغرب الأقصى وظلت دعوة ابن ياسين الجزولي صامدة وظلت خصوصية العلاقة الموريتانية التونسية راسخة، فتونس أول دولة عربية اعترفت بالجمهورية الإسلامية الموريتانية غداة الإستقلال، وظلت العلاقات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى السياسية بين تونس وموريتانيا في تطور مستمر وتشعبت العلاقات الأهلية بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة...

    فمسارات التاريخ وفضاءات الحضارة تجعل كل طرق التواصل الموريتاني التونسي سالكة.

    فشعب موريتانيا الذي تفاعل مع ثورة مصر 1952 وثورة ليبيا وثورة إيران سيتفاعل لا محالة بصورة أعمق مع ثورة تونس، فهل يعيد التاريخ نفسه؟ وهل يخرج ابن ياسين من تونس ليتوجه إلى بلاد شنقيط؟ وماذا تخبئ الأيام التونسية الموريتانية الحبلى بالتواصل والمتغيرات؟ وهل تعيد ثورة الياسمين عبد الله ابن ياسين إلى صحراء الملثمين؟

    استحقاقات ما بعد ثورة تونس

    كان المفروض أن تتعظ النخب العربية وتخرج من فقاعات ديماغوجيات الولاء وشعارات البرامج الجزافية والإنجازات الوهمية التي خبرتها الجماهير وحسبتها على مدى خمسين سنة قابلة للتحقيق حتى إذا أدركتها لم تجدها شيئا وكان يفترض أن يقاس نبض الشارع العربي قياسا يفضي إلى إحداث القطيعة التامة بين ممارسات ما قبل ثورة تونس وما بعدها في محاولة لتدارك ما فات واستشراف ما هو آت، لكن النخب العربية والحكام العرب في معظمهم بدوا عاجزين عن مواكبة الأحداث فانبرى بعضهم يتخذ إجراءات تهدئة شكلية آنية كدعم أسعار مواد أساسية ووعد بعضهم بإصلاحات فوقية، وبخلق فرص عمل وبدأ آخرون دغدغة أحلام مفادها أن ما حصل في تونس غير قابل للتصدير، وأجمعوا كلهم على مضاعفة الإجراءات الأمنية ومضاعفة اليقظة تحسبا للطوارئ، ولكنهم لم يقدروا بعد عمق الإنفصام وحجم انعدام الثقة وخيبة الأمل وعمق الإحباطات... وآنية الاستحقاقات، فالجماهير تريد الإصلاحات السياسية الجذرية الشاملة الفورية التي تخلق واقعا جديدا طال انتظاره، والواقع المتأزم لا يمنح الحكام أي حيز للمناورة، فإما الإنصياع لإرادة الجماهير، وإما الرحيل، فالشعب العربي يريد التغيير ويريد الحياة، وكما قال الشابي:

    إذا الشعب يوما أراد الحياة

    فلابد أن يستجيب القدر

    ولا بد لليل أن ينجلي

    ولابد للقيد أن ينكسر

    والجماهير من خلال ما عكسته ثورة تونس ومصر والحراكات الشعبية المنتشرة هنا وهناك تدرك مع المتنبي أن المطامح لا تنال بالتمني، وإنما تؤخذ الدنيا غلابا.

... | 10 | 20 | 30 | 40 | 50 | 60 | 70 | 80 | 90 |...