الصفحة الرئيسية
أخبار
مقالات
مقابلات
تحقيقات
تحاليل
من نحن
اتصل بنا

  • هستيريا المدمنين على السفارات

    24 تموز (يوليو) 2011

    محمد الأمين ولد أبتي

    leminebety@yahoo.fr

    أكثر من أسبوع مضى على إقدام المستشار الأول بالسفارة الموريتانية بتونس على الاعتداء الجسدي على معالي وزير الشؤون الخارجية و التعاون بفندق إقامته بتونس، بعد الاعتداء معنويا بكلمات جارحة على السفير الذي يعتبر الممثل الشخصي لرئيس الجمهورية في بلد الإبتعاث، خلال اجتماعهما مع الوزير بمكاتب السفارة، في واقعة سابقة في تاريخ وزارتنا، ربما ذهبت أبعد للقول إنها كذلك في تاريخ الدبلوماسية العالمية.

    هذه الواقعة هي اليوم بين يدي الجهات المختصة في الإدارة و القضاء، و هي الجهات التي أخذت تتكفل فعلا بالقضية و بدأت تتخذ الإجراءات المناسبة وفقا للوائح الإدارية و مواد القانون الجنائي الموريتاني، و أنا أضم صوتي إلى الأصوات الكثيرة المرتفعة من هنا و هناك مطالبة بالصرامة في تطبيق مقتضيات القواعد النظامية و المساطر القضائية. لكنني أضيف بأنه ما دام الأمر يتعلق بخرجة سافرة على هذا النحو النادر لواحد من المنتمين ـ على ما يبدو ـ إلى فئة الذين يعتبرون أنفسهم فوق القانون و فوق السلطة العمومية المكلفة بتنفيذه، فإن رد الفعل المناسب ينبغي أن يحمل أعلى درجات التعبير عن قوة السلطة العمومية و صرامة الجهاز القضائي.

    و أتوقف عند هذا الحد متجنبا التجاوز على صلاحيات الإدارة و القضاء، لأعبر نحو المركزي في المساهمة التي أردت تقديمها حول هذه القضية، و هو ما يرتبط تحديدا بدلالة هذه القضية و ما يفترض أن يكون لها من نتائج و انعكاسات علينا نحن أشخاص الدبلوماسية الموريتانية و على قطاعنا، في وقت بدأنا نتجاوز فيه لحظة الصدمة العاطفية بخروج وزيرنا بحمد الله سليما و معافى من هذه التجربة ليصبح بمقدور العمل العقلاني التحليلي أن يجد له مكانا، و بعد أن بدأت هذه الحادثة المؤسفة تتحرر شيئا فشيئا من الأعمدة المركزية لصحافة الإثارة الإخبارية و تنتقل من قضية رأي عام غير مستنير على نحو كاف حول قضايا الدبلوماسية الموريتانية إلى قضية مهنية للتفكير داخل الحقل الدبلوماسي، و موضوع لجدل خافت أو عال في مكاتب وزارة الشؤون الخارجية و التعاون و بعثاتنا الدبلوماسية في الخارج.

    و أمسك القلم اليوم للكتابة مجددا عن همومنا في الوزارة ـ بعد أن كنت قد نذرت الصوم عنها ـ في ظل غياب التعليق الرسمي من الوزارة، و إمساك الدبلوماسيين المهنيين و مجموع موظفي الوزارة على نحو غير مبرر عن القيام بأية مبادرة لإدانة هذا التصرف المشين و المسيء إلى سمعة القطاع و موظفيه، بل و إلى سمعة البلد ككل، تاركين المجال للصحفيين و لغير المنتمين للقطاع لتوظيف الحادثة في حملة دعائية ضد موظفي الوزارة و طاقمها القيادي و على رأسه معالي الوزير، ضمن مواصلة لا أدري كيف يمكن تبريرها هذه المرة لما سميته "نهج الدبلوماسية الخرساء" (راجع الدراسة التي نشرناها منتصف ابريل 2010 بعنوان "الكتاب الأبيض حول التعيينات الدبلوماسية ليوم 12 ابريل").

    و أبدأ هنا من حيث انتهى البعض في تعليقاتهم الشفهية و المكتوبة، لأقول لهم بـأن تعاملهم مع هذا السلوك المنحرف كتعبير عن المستوى المتدني للدبلوماسيين الموريتانيين و عن النقص في التجربة الإدارية لدى الوزير و الأمين العام، إنما يعود إلى قياس حاضرنا الدبلوماسي بأمس قريب قطعنا معه بحمد الله. سادتي زوروا موقع الحكومة الموريتانية لتتعلموا أن وزير الشؤون الخارجية و التعاون الحالي كان يشغل منصبا إداريا عام 1968 عندما دخلت أنا و الوزيرة السابقة عالم الأحياء، و أعتقد أن ذلك كاف للبرهنة على أصالة و رسوخ التجربة المهنية للرجل. تعلموا أيضا أن الأمين العام الحالي للوزارة هو دبلوماسي مهني تخرج من شعبة الدبلوماسية بالمدرسة الوطنية للإدارة عام 1984، و قد التحق بالدرس الدبلوماسي قادما من منصب حاكم مقاطعة، و هو اليوم يحظى برتبة وزير مفوض و هي أعلى رتبة في سلك الدبلوماسيين المهنيين.

    أما بخصوص أشخاص الدبلوماسية الموريتانية فما عليكم سوى أن تفتحوا صفحة الأخبار بالمواقع الالكترونية التي تكتبون فيها لتجدوا أن وزارتنا استقبلت 59 دبلوماسيا مهنيا متخرجين من المدرسة الوطنية للإدارة، سلم الوزير الأول للأول منهم الجائزة التقديرية لحصوله على درجة الامتياز الأولى بين ال 500 خريج من مختلف الأسلاك الإدارية.

    وهذه الدفعة تنضم إلى كوكبة النخبة الرواد من خريجي شعبة الدبلوماسية في ثمانينيات القرن ال 20 و على رأسهم دفعة 1984، و بعدها تأتي مجموعة ال 15 مستشارا للشؤون الخارجية المكتتبة بعد المسابقة الداخلية لعام 2007 و مجموع أفرادها دخلوا سلك الوظيفة العمومية قبل نهاية عام 1991.لتلحق بهم مجموعة ال 20 مستشارا للشؤون الخارجية المتخرجين من المدرسة الوطنية للإدارة عام 2009.

    و وفقا لهذا التفصيل يمكن القول إن الدبلوماسيين المهنيين ـ من غير المتقاعدين ـ قد وصل عددهم إلى أزيد من 150. فإذا أضفت إليهم العدد المعتبر من الكوادر التي تستعين بها الوزارة من خارج منسوبي السلك الدبلوماسي يمكننا القول بأن أزمة الدبلوماسية الموريتانية ليست أزمة أشخاص بمقدورهم القيام بالمسؤولية الدبلوماسية على أحسن وجه. أشخاص لديهم ما يقدمونه للبلد و دبلوماسيته في حلبة التنافس الحضاري و الفكري في الملتقيات العالمية و منتديات التبادل الدولي، بعيدا عن حلبات الملاكمة و العنف الجرمي.

    على رسلكم إخوتي فليس هذا السلوك الشاذ العينة المعبرة عن إنائنا ـ نحن الدبلوماسيين الموريتانيين ـ و ما يمكن أن ينضح به هذا الإناء، و ما عليكم سوى المبادرة إلى تحقيقات صحفية جادة تتعاطى معها وزارتنا بثقة و بعيدا عن تحمل أخطاء الآخرين و الخوف من القطيعة مع ممارسات الفساد الإداري للطواقم السابقة، لتتحققوا مما قلته لكم. ذلك خطابنا الموجه للاستهلاك الخارجي و في مواجهة هؤلاء الذين يريدون اعتبار هذه الحادثة ماركة عامة لأشخاص هذا القطاع المليء بالكفاءات المتميزة معرفة و خبرة و خلقا. أما حديث الذات و الداخل الذي يخصنا نحن في الوزارة، فهو ذو شجون، و كم أنا حزين لكوننا لا نجد أي إطار لتبادل الحديث و التحليل في هذه الوزارة يمنعنا من اللجوء إلى وسائل الإعلام التي يعاني أبناء هذه الوزارة من عقدة تجاهها، رغم أنها و سائل اتصال لا غبار عليها في ظل دولة ديمقراطية تنتمي إلى عصر القرية الكونية، حيث تسلط عليك ـ شئت أم أبيت ـ الأقمار الصناعية و شبكات الانترنت. دولة لا أستطيع أن أتصور أن تكون فيها وزارة الخارجية بكماء و صماء إزاء ما يقال داخلها و حولها، بينما يكون لرئيس الجمهورية ذاته كما لوزيره الأول صفحات للتواصل على شبكة الفيسبوك. لم لا نقول إنه في اللحظة التي تخرج فيها كلمات السباب ليتبعها العنف اللفظي فلابد أن فضاءات التواصل و الحوار و مقارعة الحجة بالحجة ليست متوفرة قدر الكفاية.

    سيدي الوزير أقدم لكم الاعتذار نيابة عن الدبلوماسيين المهنيين الذين لم و لن يقوموا يوما بمثل هذا السلوك المشين، و أفيدكم ـ و أنا المعروف بين أهل هذا الربع بقلة التزلف لذوي السلطان ـ بأن صاحب هذا الاعتداء لم يقصدكم شخصيا و الكل يعرف أن لا وجود لمشكلة خاصة بينكم و بينه. سيدي الوزير عندما تتاح لي الفرصة سأثبت لكم بأن هنالك فئة كاملة من موظفي هذه الوزارة أدمنوا منذ زمن بعيد المناصب السامية و الألقاب التفخيمية دون أن تستطيع ـ مهما بذلت من جهد تحقيقي ـ أن تجد مبررا نظاميا لولوجهم إلى السلك الدبلوماسي فأحرى للتعيينات السامية و الامتيازات العالية التي يحظون بها.

    هذه الفئة هي التي قالت لنا الوزيرة السابقة بخصوصها ـ ضمن تبريراتها غير الموفقة لمذكرة تعيينات 12 ابريل 2010 ـ أنها لا تستطيع تطبيق مبدأ التناوب الدبلوماسي في حقها خوفا من القوى الحامية لهم، و لذلك أكتفت بنقلهم من سفارة إلى أخرى حتى يتعلموا بأن بإمكان الدولة تحريكهم و عندها سيكون بالإمكان إعادتهم ذات يوم إلى نواكشوط. هل كانت منت مكناس تعرف أن هؤلاء جاهزون لاستخدام القوة العضلية ضد وزير الخارجية إذا ما تم تطبيق مبدأ التناوب الدبلوماسي في حقهم؟

    لا أعرف و لكن المصادر أفادتنا بأن هذه "العملية التربوية" في نقل الدبلوماسيين المدمنين للخارج من سفارة إلى أخرى كلفت الخزينة يومها أزيد من 150 مليون أوقية. و يوم أن قررت الوزيرة أن تطبق في التعيينات ما ترى هي أنه العدالة لم تزد على أن ضمت إلي المحظيين بالتعيين في البعثات الدبلوماسية رغم أنف القوانين و الأعراف الإدارية رفاقهم من المدعوين "دبلوماسيين" ظلما للوظيفة العمومية و للمهمة الدبلوماسية ممن تسللوا في سنوات "البيات القانوني" و في زمن الشهادات و السير الذاتية المزورة إلى قيادة المصالح في الإدارة المركزية.

    سيدي الوزير أفيدكم بأن الوزيرة السابقة استهدفت مجموعة ال 35 دبلوماسيا مهنيا أمام البرلمان، واصفة إياهم بأنهم لا يصلحون لتمثيل البلد بعد أن أقصتهم من مذكرة ال 57 تعيينا التي عينت فيها كل من هب و دب، و رغم ذلك لم يحدث أي احتجاج حقيقي من طرف المجموعة. و إن دل هذا على شيء فإنما هو على هذه الوزارة هي محمية غير معلنة خارج القوانين الإدارية للبلد، و الحق فيها و الاحتجاج و المطالبة لحد الحد استخدام العضلات هي لمن يتميز بكونه قادما إليها بطرية غير مشروعة.

    سيدي الوزير هذا التحدي الجرمي لهيبة الدولة التي يمثل فيها رئيس الجمهورية الإرادة العامة للشعب و تمثلون أنتم و سفراؤكم بقوة الثقة التي منحها لكم الرئيس ذات الإرادة العامة أمام أشخاص القانون الدولي ـ هذا التحدي ـ فرصتكم لتصفية مافيا كاملة تمثل العقبة الأهم أمام نجاح الدبلوماسية الموريتانية، و البديل من الدبلوماسيين المهنيين المتشبعين بالمعارف و الخبرات و التجارب المطلوبة موجودون و ملفاتهم ناصعة لا غبار عليها.

    سيدي الوزير قضية المعايير و التناوب الدبلوماسي و الاعتراف للدبلوماسيين المهنيين بحق الأسبقية في وزارتهم قضية آن لها أن تجد الحل. و للتذكير فهي موضوع مساءلتين برلمانيتين، و موضوع رسالتين وجههما المعنيون إلى رئيس الجمهورية، أولاهما بتاريخ 18/01/2010 و هي موقعة من 35 مستشارا للشؤون الخارجية.

    و المطلب البسيط الذي تتضمنه كل هذه المراسلات، و الذي أكدت عليه أنا لشهور طيلة العام الماضي هو إعداد جدول تفصيلي مع قاعدة بيانات واضحة عن مجموع موظفي الوزارة بإشراك ممثلين للدبلوماسيين و الاعتماد على ذلك كأساس في التعيينات. و يعرف الجميع أن هذا المنهج عندما يتم اعتماده فإن الوزارة ستتحرر من جحيم الغموض و اللاعقلانية و اللانظامية الذي تتخبط فيه، و تنضم إلى الدائرة الطبيعية للدبلوماسيات في شبه المنطقة و العالم، حيث يقول لك السفير و المستشار يوم وصوله متى سيغادر عائدا إلى بلده و متى سيغادر بعد ذلك في مهمة دبلوماسية جديدة.

    و سنخرج من هذه الحالة التي نحن فيها، حيث يقال لك أن لكل سفير أو مدير قبرا أو صالحا أو ساحرا يحمي له امتيازاته، و الآخرون يحرسهم الوسطاء و الوسيطات. حالة هي وحدها ما يفسر العدد المرتفع من مجانين مذكرات التعيين في السفارات و الاستدعاء منها، و ما يفسر أن القاعدة الذهبية التي يواجهك بها الوزير و الأمين العام دون أية تورية، بعد أن يكون البواب و "مدير كاسات الشاي" كما مدير القطاع الدبلوماسي الذي ألحقت به قد أحفظوكها حفظ فاتحة الكتاب ـ تلك القاعدة الذهبية ـ تقول: "كل شيء مباح هنا و كل الأحلام مشروعة مقابل خط أحمر واحد هو الحديث عن معايير التعيين أو قوانين و قواعد تسيير الأشخاص".

    سيدي الوزير عندما لا تبادرون إلى تحرير وزارتكم من هذه الحالة فلا تستغربوا أن تذهب مافيا الفاسدين المدمنين على إمتيازات التعيين في البعثات الدبلوماسية في هيستيريا و هلوسات جنونها أبعد من ذلك. و تعرفون سيدي الوزير و يعرف أمينكم العام أن مسألة التعيينات هذه لا تترك لكم فرصة للعمل بهدوء، حيث هنالك في كل دقيقة أشخاص يدخلون المكتب ب"عضلات و جاهة" مفتولة (نواب، شيوخ، ضباط سامون، رجال أعمال ...)، و في ذات الوقت توجد على الهاتف مجموعة أخرى، و الجميع مهمتهم واحدة هي الاعتداء على نزاهة و شفافية و عدالة التعيينات التي تقومون بها، لأشخاص أوكل إليكم قانون البلد تسييرهم و فق ضوابط أنتم لوحدكم المسؤولون عنها,

  • شنقيط بين الماضي والحاضر مع مقاربة إستشرافية لآفاق المستقبل

    30 أيار (مايو) 2011

    سيد أحمد ولد الدي

    تقع مدينة شنقيط على ظهر آدرار ( جبل لمتونة ) على التخوم الجنوبية من الشمال الموريتاني وتبعد عن نواكشوط 516كلم وعن طار عاصمة الولاية 83كلم وتقع جغرافيا على خط العرض 20درجة و27 دقيقة و10ثوان من العروض الشمالية وعلى خط الطول 12 درجة و21دقيقةو45ثانيةغرب خط "كرينتش".

    وتتميز بمناخ صحراوي جاف، بارد في الشتاء، حار صيفا، مع تيارات هوائية نشيطة تغلب عليها الرياح التجارية الشمالية الشرقية (Alizé) الجافة المصحرة، إلا أن أواخر الصيف وبداية الخريف تشهد رياحا جنوبية وجنوبية غربية هي امتداد للرياح الموسمية، تجلب بعض الأمطار التي لا تكاد معدلاتها السنوية تصل إلى 100مم. إلا في حالات الرطوبة الاستثنائية، وعندما تمطر السماء وتسيل البطحاء فإن ذلك يعتبر حدثا بالغ الأهمية بالنسبة إلى السكان، لما له من انعكاس إيجابي على الواحات ذات الدور البارز في اقتصاد المدينة.

    ويتراوح عدد السكان بين 3000 نسمة في الشتاء ليربو على 7000 في الصيف (موسم الكيطنة) وقد كان الاقتصاد التقليدي يقوم على أسس ثلاثة هي واحات النخيل وما تنتجه من تمور وما يزرع تحتها من حبوب، ثم تربية الماشية التي كان يملك السكان منها كميات معتبرة، وأخيرا النشاط التجاري نظرا لموقع المدينة على طريق القوافل بين المغرب والسودان، فكان لأهل المدينة ثلاثة اتجاهات للتسويق والتسوق هي السوادن(مالي الحالية) ووادنون في جنوب المغرب ومدينة اندر السنغالية.

    1ـ تأسيس المدينة

    خلافا للمدن التاريخية الأخرى، فلم يكن أهل شنقيط يهتمون بالتدوين وخاصة تدوين التاريخ، ولذلك لم نجد مؤلفات لأهل المدينة قبل القرن الهجري الحادي عشر أي بعد تأسيس المدينة بأربعة قرون،فكانت التقاليد الشفوية أهم مصادر تاريخ المدينة وهي مطية لخلط الحقائق بالأساطير، وتتقاذفها الأهواء والنعرات غير أن الذي درج عليه مؤرخو المدينة هو أن شنقيط الأولى أسست قريبا من موقعها الحالي سنة 160هـ تحت اسم "آبير" وهو تصغير مصنهج لكلمة بئر ربما لقرب مائها من السطح، وقد تكون إحدى الآبار التي حفرها عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع سنة 116 للهجرة للربط بين سجلماسة بجنوب المغرب وأوداغست قرب تامشكط الحالية، وقد بلغت المدينة أوج ازدهارها إثر سقوط دولة المرابطين الشمالية سنة 541هـ وانزياح القبائل الصنهاجية التي كادت تتألف منها دولة المرابطين إلى الجنوب.

    أما شنقيط الثانية ( شنقيط الحالية) فإن المتثوارث من الروايات الشفوية يرجع تأسيسها إلى سنة 660 هجرية (1262م) على يد أربعة رجال هم محمد غلي بن إبراهيم جد قبيلة لغلال ويحي العلوي بن أبيح جد إدوعل، وأعمر بن علي المعروف بأعمر بن يبني جد آمكاريج وهو عم يحي،و إيديجر، في روايات تتفق في جوهرها وتختلف في تفاصلها.

    اجتمع هؤلاء الاربعة (ويضيف البعض إليهم خامسا هو شمس الدين الجد الجامع لقبيلة( السماسيد) في هذا المكان الذي يبدو أنه كان قرية بافورية صغيرة تعيش على هامش آبير واتفقواعلى تأسيس المدينة بداية بالجامع العتيق وهو المسجد الحالي، ثم بدور المؤسسين الأوائل، ثم التحق بهم سكان آبير تدريجيا حتى اكتمل انتقال السكان من شنقيط الأولى إلى الثانية خلال أربعين سنة لأن القوافل أصبحت تحط بها، وتفرقت بقية سكان المدينة القديمة في أنحاء البلاد الموريتانية الحالية وكانت أقربها موقعا قبيلة تجاكانت التي انتبذت مكانا قريبا منها هو"تينيكي" التي تبعد عن شنقيط 37كلم. وقد انتظم السكان تحت رئاسة جماعية للمدينة حيث انتخبت الجماعة رئيسا لها. ومن أشهر هذه الرئاسات رئاسة الشيخ سيد أحمد بن الوافي بن حبيب الله التي دامت خمسين سنة شهدت المدينة خلالها ازدهارا لم يعرف له مثيل.

    هذا عن المصادر الشفوية أما المصادر المكتوبة فإنها قليلة وقليل ما تخصصه لذكر المدينة. فقد ذكر عبد الرحمن السعدي في تاريخ السودان أن رجلا من شنقيط من قبيلة آجر الصنهاجية يدعى محمد نل قد عينه أحد ملوك دولة مالي سنة 837هـ حاكما لتينبكتو كما ذكر أن إمرأة ثرية أغلالية ينت مسجدا في نفس المدينة، وكذلك شنقيط ذكرها الرحالة البرتغالي فالنتينو فرنانديز Fernandez) (Valentinoسنة 1507 م – 912ه في سياق تعداد القرى الواقعة فوق جبل بافور.

    أما اول شيئ مفصل نسبيا فإنه يعود إلى العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم سنة 1205هـ في ورقات سماها صحيحة النقل في علوية إيدوعلى وبكرية محمد غلى وقد نسخ جلها صاحب الوسيط بصفة تكاد تكون حرفية . ثم كتب سيدي محمد بن حبت ( ت 1288هـ) تاريخا للمدينة لخصه ابنه أحمد المتوفى 1301 هجرية ثم فصله حفيده سيد محمد (ت 1952هـ ) في نقلة سماها تاريخ التكروربحيث وسعها إلى الفضاء الشنقيطي الأشمل .إلا أن مصادر كل هذه الكتابات لم تكن تعتمد إلا على التقاليد الشفوية الموروثة.

    لم تتأثر المدينة كثيرا بالنزاعات التي نشبت بين قبائل صنهاجة وقبائل بني حسان، وبعد انتصار هؤلاء لم يكن حكمهم للمدينة إلا رمزيا، إذا كانت تحيط بها هالة من القداسة تجلب لها الاحترام فأصبح الحكام الجدد يتبركون برموز المدينة الدينيين.

    وهكذا استمرت المدينة موئلا للعلم والدين ومركزا للتجارة بين الشمال والجنوب حتى جاء الاستعمار الفرنسي سنة 1909م فتغيرت المعطيات، وانتقلت مراكز النفوذ وطرق التجارة إلى جهات أخرى ودخلت البواخر على الخط فأصبحت الوسيلة الاولى لنقل البضائع والحجيج قبل أن تأتى السيارة فتعمق تغيير هذه المعطيات.

    لم تقف المدينة مكتوفة الايدي أمام الغزو الاستعماري، فكان لأهلها مواقف ووقائع مشهودة فشاركوا في المقاومة في تكانت وآدرار واستشهد منهم رجال كثيرون ويكفي أن نشير إلى أن سيدي بن مولاي الزين منحدر من شنقيط وأضرحة أجداده شاهدة بذلك وبعد احتلال آدرار التحق العديد منهم بالشيخ ماء العينين وشاركوا في الغزوات التي لم تنته ألا سنة 1934م أي 26 سنة قبل الاستقلال.

    وقد بقيت روح المقاومة متأصلة في المدينة متجلية في مقاومة المدارس الفرنسية والكراهية لكل ما يمت إلى النصارى بصلة. وعندما بدأ الوعي الوطني يدب من جديد إثر دخول وسائل الإعلام المسموعة إلى المحيط وأصبحت أنباء حركات التحرر تصل إلى البلاد وأنشئت منظمة الشبيبة الموريتانية كانت مدينة شنقيط من أوائل المنخرطين في التوجه التحرري فتأسس فرع المنظمة الشباب سنة 1956م واستطاع بسرعة أن يوحد المدينة، ويقضي على الخلافات التي كانت قائمة فيها، ثم أسس قسم من حزب النهضة استطاع أن يعبئ السكان للتصويت ضد دستور الجنرال ديكول في 28 سبتمر 1958م فكانت شنقيط المدينة الوحيدة التي صوتت بأكثر من %90 بلا في الاستفتاء.

    كان اهتمام أهل شنقيط شديدا بتأدية فريضة الحج رغم بعد الشقة وصعوبة المسالك ومخوفيتها، فكان لهم كل سنة ركب يتجه إلى البلاد المقدسة، وبالتدريج أصبح هذا الركب يضم مئات الحجاج القادمين من مختلف الجهات، فاتخذت هذه الاركاب اسم شنقيط عنوانا لها حتى أصبح القطر كله يعرف في المشرق ببلاد شنقيط، التي ذاع صيتها رمزا للعلم والموسوعية والسلوك القويم.

    وزاد من إشعاع شنقيط هجرة أبنائها في النصف الثاني من القرن الحادي عشر إلى جنوب البلاد ووسطها وشرقها فانتشرت مدارس الأغلال في الحوض ولعصابة ومدارس إيدوعل في أرض القبلة وتكانت، فكانوا شيوخ الزوايا في مختلف الجهات.

    ويشهد لهذا قول محنض باب بن ولد اعبيد الديماني (ت 1277 ) يمدح إيدوعلي الجالة ويذكر جدهم القاضي عبد الله بن محمد بن حبيب المشهور بالقاضي:

    فجدهم أستاذ تاشمش كلهم قد ارتضعوا من علمه الخلف والضرعا

    وكان للسماسيد المنحدرين من شنقيط في القرن الهجري الحادي عشر دور كبير في نشر العلم والدين في باطن آدرار وغربه.

    وإذا أخذنا في الاعتبار الجوار الجغرافي القريب أمكننا اعتبار تينيكّي امتدادا لإشعاع شنقيط لكونها قريبة منها ومنحدرة مثلها من "آبير" فقد تفرق الجكنيون في أنحاء كبيرة من البلاد وخارجها وكان لهم باع واسع في نشر المعارف أينما حلوا.

    II شنقيط اليوم

    يختلف حاضر شنقيط عن ماضيها اختلافا بينا، فقد جفت فيها موارد الحياة من زرع وضرع، وتفرقت ساكنتها أيدي سبا وعزت فيها وسائل العيش ، فهجرها جل علمائها وأدبائها. وقد تعرضت منذ الستينيات لموجة جفاف تواصلت حتى منتصف التسعينيات فماتت واحات النخيل وانتقل المنمون بما بقى لهم من سائمة إلى مناطق بعيدة أقربها ولاية لعصابه وخربت المدينة القديمة بسبب هجرة السكان، وزحفت الرمال فكادت تدفن كل شيء حي.

    وبالرغم من أن أحواز المدينة شهدت خلال السنوات الأخيرة أمطارا متفرقة فلم يمكن ذلك من عودة السكان و لا المنمين لأن الكثير منهم نشأ في مواطنه الجديدة ولم تعد تربطه بالمدينة إلا ذكريات باهتة .

    غير أنه من الملاحظ أن بعض ميسوري الحال وقليل ماهم أخذوا في بعث حدائق من النخيل مكان تلك التي ماتت منذ العقود الأخيرة.

    ولم تكد المدينة تستبشر بالآفاق الجديدة التي فتحتها السياحة حتى انسدت هذه الآفاق بسبب الظروف الأمنية الجديدة.

    لقد تمت الدعوة سنة 1981 إلى تصنيف المدن الأثرية القديمة بما فيها شنقيط تراثا للإنسانية ، ولكن تصنيف المدينة من قبل السلطات العمومية كتراث وطني لم يقع إلا سنة 1996، ولكن هذا التصنيف الذي يقتضي عدم المساس بالمدينة القديمة لم يحترم من قبل المواطنين ونشهد اليوم على ضفتي الوادي نموا عمرانيا فوضويا إلى درجة كبيرة.

    وقد حصلت المدينة على تمويلات من البنك الإسلامي للتنمية والاتحاد الأوروبي منذ منتصف التسعينات، ولكنها لم تغير من واقع الناس شيئا مذكورا.

    III – آفاق المستقبل

    إن وضع مقاربة لآفاق مستقبل مدينة شنقيط يتلخص في الإجابة على سؤال من شقين اثنين:

    أ – ماذا تريد السلطات العمومية لشنقيط؟

    ب – ماذا يريد الشباب لمدينتهم

    أما بالنسبة إلى الشق الأول، فإن هذه التظاهرة ومستوى الاهتمام بها ، والأيام التفكيرية المنعقدة خلالها، تعتبر مؤشرا يبعث على التفاؤل بالتفات الدولة إلى المدن القديمة بعد إهمال لها وتجاهل ’على أن طيب النيات لا يكفي، بل يجب أن يترجم إلى أفعال ملموسة عاجلة.

    ويمكن في هذا المجال معالجة بعض الأفكار التي تساعد على تحويل هذه النيات إلى واقع ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

    1 – إنشاء قطب صناعي لتشغيل اليد العاملة الهاربة من المدينة ويمكن أن تدرس إمكانيات معالجة الحجارة المسطحة، والحجارة المستعملة في تجميل البناء أو تحويل الرمال الزاحفة إلى زجاج.

    2 – توفير الماء والطاقة الشمسية لتحويل مواقع الواحات القديمة إلى مصادر للنشاط وموارد للرزق.

    3 – تعبيد الطريق بين أطار وشنقيط لتسهيل انسياب السياحة الداخلية والخارجية ولتشجيع السكان على العودة بإطراد إلى المدينة ودون عناء كبير.

    4- إنشاء قطب تعليمي جامعي إسلامي يصل مستقبل المدينة بماضيها.

    5- ترميم ما تبقى من دور المدينة القديمة للمحافظة على فن معماري في طريق الاندثار، ولإعطاء السياحة مفهوما ثقافيا حضاريا ينعكس بالخير على السكان.

    6 – حل المشاكل الأمنية التي قوضت السياحة وإكساب الساحين ثقة جديدة في قدراتنا على تأمينهم.

    7 – العناية بكنوز المدينة من مخطوطات وتوفير آليات فنية لترميمها وصيانتها، إضافة إلى العناية بالمسجد ومساعدة المحاظر على أداء رسالتها.

    8 – حماية المدينة من زحف الرمال بشتى الوسائل الصناعية والبيولوجية.

    9 – تعبئة التمويلات اللازمة للنهوض بالمدينة وحمايتها من جشع المقاولين وجيوب المفسدين.

    ويمكن أن نلخص محاور التفكير في مجال تدخل الدولة في حماية المدينة من الرمال والاندثار، و إقرار سكانها فيها بخلق موارد للرزق، وإعادة ألقها كنبع يفيض بالمعرفة ويشع بالأنوار مع مسايرة مقتضيات المعاصرة.

    أما فيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال وهو دور الشباب، فإن الشباب هو من يستطيع الإجابة عليه. فلن تكون شنقيط إلا كما يريد أبناؤها أن تكون، فإما أن يتركوها فريسة للنوم تحت الرمال، لتصبح أثرا بعد عين، وإما أن تقوى إرادتهم ويتكاتفوا من أجل انتشال مدينتهم من غمرات الموت ويعملوا على بعثها من جديد.

    وهنا يمكن أن نسجل بارتياح نزوع بعض الشباب الموسرين إلى بناء المنازل وغراسة النخيل، وهو أمر يستحق التشجيع، لكنه مايزال يحتاج إلى التفعيل والتركيز واحترام جماليات العمران الأصلية.

    وهنا أيضا يمكن إسداء توجيهات غير حصرية نذكر منها:

    1) إضافة إلى الصندوق الذي أنشأته الدولة لتنمية المدن القديمة إنشاء صندوق خاص بتنمية مدينة شنقيط يستمد موارده من مساهمة الدولة ورجال الأعمال، وأصدقاء المدينة والمنظمات غير الحكومية، والهيآت الدولية المهتمة بالتراث الإنساني، وتبرعات أبناء المدينة كل حسب مستطاعه.

    وينفق من هذا الصندوق على :

    أ – علماء المدينة القاطنين فيها أو الذين يعودون إليها ممن ليست لهم موارد تعينهم على البقاء في مواطنهم.

    ب – إقامة مشاريع صغيرة مدرة للدخل بطرق تحدد حسب الموارد المتحصل عليها، من أجل استقرار السكان وعودة بعض من هجر منهم.

    2 – الالتزام بزيارة المدينة على الأقل مرة كل سنة وحبذا لو يكون ذلك رفقة الأسر والأطفال خاصة ’ للتشبع بأصالتهم والارتباط نفسيا بمدينتهم.

    3 – استغلال وسائل الإشهار المختلفة من مطويات ووسائل سمعية وبصرية ومواقع ألكترونية وصحافة مكتوبة بغية إبراز جمالية الصحراء كما تتجلى في المدينة مع التركيز على ماضي المدينة من حيث إشعاعها العلمي وازدهارها التجاري لجلب الاهتمام إليها واستدرار التمويلات اللازمة لتنميتها.

    4 – تكوين جماعات ضغط نشيطة في كل مفاصيل الدولة والقطاع الخاص، وشركاء التنمية، بطرح مشاكل المدينة وإيجاد الحلول لها.

    خاتمة :

    وبالجملة فإن مدينة شنقيط التي عاشت قرونا من الازدهار والإشعاع وتغلغلت في الذاكرة الجماعية لفضاء واسع يتجاوز حدود البلاد الحالية هاهي اليوم تحتضر، ولابد لإنقاذها من جهود منسقة بين السلطات العمومية التي ينبغي أن تضطلع بالدور الأكبر في هذا المجال وبين أبناء المدينة وخاصة مثقفيها وأغنيائها وطاقات شبابها إضافة إلى الهيئات الدولية التي تهتم بالموضوع أو يمكن انتزاع اهتمامها به، ليس لاستعادة المدينة ألقها الغابر فحسب بل لدمجها في نسق الحداثة ومدارج الرقي.

    وأملنا كبير في أن تكون المناسبة التي تجمعنا اليوم بداية لانتشال شنقيط وأخواتها من دركات الإهمال والتدرج نحو الفناء.

    إنه نعم المولى ونعم النصير.، والله الموفق للصواب

  • حين ينتشي الصدف...

    30 أيار (مايو) 2011

    الأستاذ الخليل النحوي

    عشر يعدها العادون، طوالا عجافا، أيامها شهور وشهورها سنون، بل سنين.. والعهد مع ذلك قريب، والوجد طري طازج، والغائب حاضر مُرِبّ..

    حاضر ذلك الفتى:

    صدر يسع الجميع، وبشر حاضر، وكنف موطأ، وعرض نقي..

    وجه بشوش، يتقمصه سحبان وقس، وابن الطلبه، وابن الشيخ سيديا، وابن بابا، والتشيتي، وفرسان مجلون آخرون كلهم يريد أن يكونه، ويريد الفتى أن يأتي بما لم تستطعه الأوائل..

    مرابط محضري "مسح فمه" من الفنون، وامتطى صهوة العصر، يافعا..

    فدائي سلاحه قلم نابض وهمة قعساء تأبى الدنية، وهمّ مقيم ما أضلت سنابك خيل المرابطين طريقها الجدد.

    حاضر ذلك الفتى اليافع، يوم كان في الثانوية، يشع بهاء وذكاء ، يغشى المراكز الثقافية فيلتهم حروف المعاني والمباني التهاما.. يحاضر فيختلب الألباب.. يرأس، وهو ابن السابعة عشرة، لجنة الشعر في رابطة الأدباء الوليدة..

    حاضر ذلك الفتى، وهو يسعى على درب الشيخ الكدالي، وقد عنا وجه من لقبوه "المجاهد الأكبر" لفتى قادم من الصحراء، ركز رجولته في قبضته، وقرر أن يكون الأفضل.. وقال في خشوع وإخبات: قدمي على رؤوس المبرزين من الفرسان في بلاد الزيتونة والقيروان..

    نحن أولى بابن الفرات وابن سحنون وأبي عمران وابن عرفة والمازري وابن رشيق، قال الفتى، فلم يكذبه أحد.. وبين الشهود المبرزين "عربي أخره الله"..

    حاضر أنت، وأنت تدعو الطلبة في جامعة نواكشوط، غضة الإهاب، إلى مأدبة ابن أحمد يوره وآخرين، وتطعمهم جنى الأسلوبية واللسانيات الغض، وتطوح بهم في سماوات الفكر واللغة والأدب، ومن الأدب سمت وحال، وكلمات هي في فم "الأثير" أناشيد وأهازيج، وسحر آسر...

    ***

    عشر طوال تتمدد إلى الخلف، تلتهم عشرا غوابر أو تزيد.. والحاضر ملء السمع والبصر غائب تلك الأيام، حال مرتحل، يسابق ابن زريق..

    رياح تهب من الجنوب، وسحابة تقلع شمالا، وقد اقشعرت الأرض وصوح النبت.. قالت السحابة في دلال: شطآن الأطلسي لا تريدني، ملحها الأجاج مكابر ينكر ظمأه.. رمالها الظمأى لا تبحث عن وسمي يمسح وجهها بمنديل أخضر..

    ثمة شطآن أخرى تنادي: هلم إلي.. زنقة تامصلحت، آكدال، ثم حي الرياض، والطريق السالكة إلى باب الرصيف وباب الزحون.. عوالم أخرى تحب الخضرة والجمال والوجه الحسن.. شدت السحابة إليها الرحال، وتجرع غُلته الوطن...

    ***

    شأن السحاب أن يجوب اليباب، ويقلع من المحيط إلى المحيط..

    المياه الزرقاء والمروج الخضراء لا يعنيها في شيء ظمأ الصحراء، إنها تعشق الندى.. قال المحيط الهندي: لقد شطت بك النوى، أيتها الغمامة، عن محيطك وموجه الزاخر، ورماله العطشى، وشطآنه المكابرة... إليّ إليّ أيتها الغمامة، فأنا محيط آخر.. مياهي الزرقاء قرمة إلى عبق الصحراء، والرطانة عندي هوس بالشعر..

    شدت الغمامة الرحال وعرست في عمق المحيط، وقد فتحت انغازيدجا ذراعيها وقالت: مرحبا! علميني كيف أنطق الضاد، ناوليني دواة وقلما.. اعجني طيني بالخضرة والجمال والوجه الحسن.. إنني أريد أن أتعرب.. أريد أن أهزم الجغرافيا.. التاريخ لا ينتهي، لكن الجغرافيا تسقط أو تترنح..

    المسافة ما بين نخلتي لورين و"جزر الواق واق" كلمة، قالتها غمامة إيكيدي، وهي تروي الأرض الجرز المتربعة على عرش المياه ..

    ***

    شأن السحاب أن يجوب اليباب..

    أقلعت الغمامة مرة أخرى من محيط آخر إلى صحراء أخرى.. أحمد بابا كان هناك.. مارس الكيمياء المحرمة، جعل الرق حرية وعِلما، ثم رحل قبل قرون، وقال: الحقي بي أيتها السحابة، ما ذاك محلك.. منحنى نهر النيجر وسهوبه إليك أحوج.. لك هناك، حول مئذنة سنكوري، أهلون غير أهلي الشنفرى، لكنهم أيضا شرفاء.. انشد عندي ضالتك أيها الأديب.. تبتل في محاريب الفقهاء المفتين، واغش مجالس الوراقين والمؤرخين.. جاذب البرتلي أطراف الحديث وكؤوس الشاي.. امتشق يراعة أو اخترط ريشة وارسم صورة جيل آت، يشهد أن الشيخ الكنتي ضرب أطناب خيمته ذات يوم في تلك الأرض...

    ***

    أنجزت الغمامة المهمة، وهتف هاتف أن اسبحي من النهر إلى النهر وكوني جسرا بين المحيط والخليج..

    هبت رياح مبشرات على مضارب القواسم وبني ياس..

    القوم هناك مهرة في الغوص العميق لاصطياد اللؤلؤ.. قال واردهم: يا بشراي هذه لؤلؤة تشكلت من مطر "النيسان"!

    أخذت النحور والمحاريب والمدرجات زينتها، وللزينة يوم أو بعض يوم.. ولكل أجل كتاب...

    ***

    هتف حقف منكثب، غرست في حصبائه أحلام اليافعين وأمنيات أجنة في أرحام الطيبات وطموحات كل الخارجين على قانون السيبة: لماذا تهاجرين بعيدا أيتها الغمامة/ اللؤلؤة، ومرابع الصبا يباب كما ترين ، ونحور الغواني عطل.. ألا تشعرين ؟ لا ضير.. أمطري حيث شئت فسياتيني خراجك!..

    استوت الغمامة جسدا، وقالت: أنا أول الآتين..

    تشكلت اللؤلؤة غمامة من جديد وأغمضت عينيها حتى لا ترى سقوط بغداد ولا تشهد عودة كرزاي، وأقلعت قافلة إلى الصحراء، وغاصت في أعماق بحر ذهبي على مشارف البتراء ...

    قالت اللؤلؤة وقد انتشى الصدف: لا تفتشوا عني، ولو بعد عشر، على ناصية شارع أو واجهة مدرسة أو مدرج جامعة!.. النحور العطل في بلادي لا تحب الزينة، وأهل المنكب البرزخي لا يجيدون الغوص لاستخراج اللؤلؤ... الصدف هو القصر والخيمة والطلل...

    ***

    وقف على الطلل ثلة من الشعراء: صعلوك قتيل، وثائر صريع، وسجين فقيد، وفارس شهيد، ورومانسي تخطفته المنون في ريعان الشباب..

    قال الشنفرى:

    وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى وفيها لمن خاف القلى متحول

    قال أبو الطيب:

    إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا أن لا تفارقهم فالراحلون هم

    قال العرجي:

    أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر

    قال فارس حمدان:

    ونحن أناس لا توسط عندنا لنا الصدر دون العالمين أو القبر

    قال شاعر الشابة:

    الناس لا ينصفون الحي بينهم حتى إذا ما توارى عنهم ندموا

    قال نزيل البتراء:

    داء نجاة المرء منه مصيبة عظمى وفوز أن يميت عظيم..!!!

    ولله الأمر من قبل ومن بعد...

  • للشباب فقط: ما كان من نقص اليوم, أو خلل, أو ضعف في الأداء, أو بقية فساد...

    24 أيار (مايو) 2011

    محمد فال ولد بلاَل

    تزف إلينا المواقع الإلكترونية كل يوم خبر ميلاد حزب جديد يستلهم مبادئ وأهداف البرنامج الانتخابي لفخامة الرئيس, أو يقوم على جهود هذا الطرف أو ذاك من شباب الموالاة. كما يصلنا كل صباح ومساء خبر تنظيم مظاهرات جديدة تتلاقى في رفع شعارات مطلبيّة أو تقوم على أكتاف هذه المبادرة أو تلك من شباب المعارضة. وهذا مؤشر إيجابي طرأ على الساحة بعد الثورات الشعبية التي عصفت بالأنظمة العربية في أكثر من بلد. إذ يأتي هذا الحماس والتنافس على الانخراط والمشاركة في الشأن العام بعد عقود من العزوف عن السياسة والاستقالة منها. وكأن الشباب الموريتاني اكتشفوا قيمة صوتهم واستعادوا زمام المبادرة وأصبحوا هم المسؤولين عن الإصلاح والتغيير في وطنهم. فاتجهوا – موالاة ومعارضة- كل بدافع ضميره إلى النهوض بتلك المسؤولية. وهذه الصحوة السياسية الشبابية هي أهم هديّة حملتها لنا الثورات العربية, وأكبر دليل على أن رسالة "الربيع" التي تجلجلت في فضاء العالم كله قد تردّدت أصداؤها بقوة في وطننا وأن شبابنا استلمها ووعاها.

    وبخصوص ما يجري هنا وهناك ,سألني بعض الأخوة عن رأيي وتوقعي لمساراته المحتملة. وكنت أجيب بصدق بأني في هذه الظروف لا أستطيع أن أتنبّأ بسلوك شباب أسرتي الخاصة . فكيف لي أن أجرؤ على تقديم رؤية لجيل شباب يطمح لبلوغ عنان السماء. غاية ما يمكنني تقديمه هو بعض الملاحظات حول الأحزاب الشبابية قيد التأسيس, وسلامة العلاقة بين الشباب والشيوخ , ورأي في الخطاب الداعم للرئيس.

    أولا : حول تنظيم أحزاب سياسية جديدة للشباب:

    قد يظن البعض أن الذين تجاوزا مرحلة الشباب مثلي أو دخلوا مرحلة الشيخوخة ربّما يجدون غضاضة في الحماس الذي يدفع الشباب إلى تنظيم صفوفهم وتأسيس أحزاب لهم. وهذا غلط. لا أظن أن أحدا عاقلا سيجد غضاضة في أن يضاف حزبان أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر إلى سبعين حزبا "موجودة" حاليا. لا مانع من تأسيس أحزاب جديدة, ولا قلق منه. لقد ألفنا الانقسام داخل الأحزاب, وألفنا الانسلاخ والانشطار, ثم الاندماج والانصهار, ثم الانفصال والاتصال , إلخ... وتعوّدنا على التعددية التي لا تعكس بالضرورة تعددية سياسية حقيقية بقدر ما هي تعددية رقمية تدور في فلك الأحادية. ومهما يكن الأمر, فأن الأنظمة الديمقراطية لا تخشى كثرة الأحزاب ولا تبالي بها. طالما أن الجميع يحتكمون في نهاية المطاف إلى صناديق الاقتراع ويتنافسون في جوّ من النزاهة والحرية. فإن ذلك يعني أن الشعب هو الذي يقرر الأحزاب الجديرة بالبقاء والاستمرار , وتلك التي ينبغي أن تختفي أو تأتلف مع غيرها... المهم الآن, هو بزوغ نجم الشباب الباهر والمضيء في سمائنا بعد مرحلة أفول طويل.

    ولاشك في أن كلّ الموريتانيين يرحبون بعودة شبابهم إلى السياسة في وقت صار فيه صوت الشباب العربي هو الأعلى دون منازع والمحرّك الأهم لحالة الشلل والجمود. وكلّنا أمل ورجاء وحسن ظن بأن يكون حماس الشباب واندفاعهم في العمل السياسي سببا لضخ الفاعلية في هذا الأخير, والعبور به من عالم الخطب والتـّصفيق إلى عالم البرامج والإنجاز. لقد فهمنا رفضهم لنخبة سياسية قالوا إنها ألفت العيش على صراعات الماضي وأفكاره التي لا تساير حياة اليوم... وفهمنا قولهم بأن أغلب الأحزاب القائمة جماعات مصالح وبأنها تعاني من غياب الديمقراطية في داخلها وشيخوخة أطرها ونخبها وبأنها –في تصورهم- جزء من المشكلة لا الحل... وفهمنا موقفهم الرافض للتهميش وللنظرة الأبويّة التي يتعامل بها معهم كثير من الزعماء والقيادات الحزبية.

    ولهذه الأسباب فهمنا أن قرارهم بإنشاء أحزاب جديدة جاء لقناعتهم بأن "جلب المفقود بات أولى من حفظ الموجود" على عكس ما تقتضيه الحكمة أو المثل. على أي حال, وكما قلت آنفا, لا مانع من الحفاوة والترحيب بأي أحزاب تخرج من الشباب وتعبّر عن شيء في المجتمع. ولكن الإشكالية بخصوصها تأتي من جوانب أخرى مثل : التوقيت , والرؤية , والمنهج, والموقع, وكيفية التعامل مع فئات المجتمع الأخرى وخاصة مع الشيوخ والكبار, وهل ستزيد المشهد السياسي وضوحا أم أنها ستزيده ضبابيّة وغموضا, وهل ستزيد الموالاة قوّة وانتشارا أم ستزيدها انكسارا وانشطارا , وهل ستمثل حقا حيوية الشباب وإخلاصه وتضحيته وشجاعته ورفضه الطبيعي للزبونية والأدلجة , أم أنها ستكون كغيرها من الأحزاب في الانشغال بالسلطة...إلى غير ذلك من الأسئلة التي قد يطرحها المشككون...وبصرف النظر عن الموقف حيالها, فإني على يقين من أن القائمين عليها –وأعرف بعضهم- يمتلكون من النضج والجدية والمسؤولية ما يؤهلهم لتعزيز قوى الموالاة في سياق هذا المد الشبابي العارم الذي تشهده البلاد , وبالذات عبر التنسيق المحكم والتعاون البنّاء مع منسقية شباب الاتحاد من أجل الجمهورية.

    ثانيا : في العلاقة بين الشباب والشيوخ

    إن الحماس الملتهب والاندفاع الزائد والتشدد والتعصب لدى الشباب سواء كان من الموالاة أو المعارضة يحتاج دائما إلى الترشيد والتوجيه وكبح الجماح, تفاديا لتفريق الصفوف وتشتيت الكلمة وبعثرة الجهود. بمعنى أن الشباب –في أي بلد كان وتحت أي ظرف من الظروف- يحتاج إلى التعاون مع أصحاب الحكمة من الكبار والشيوخ ممن لهم تجارب أعمق وأكثر. ولا عيب في ذلك, إذ لا يمكن للتغيير أن يتم في مجتمع من المجتمعات على أيدي فريق من الناس دون آخر. فلابدّ أن يستفيد الكبار من حماس وفكر وإرادة الشباب, كما ينبغي على الشباب أن يستفيدوا من حكمة الكبار وخبراتهم وتجاربهم وعقلانيتهم من أجل الوصول إلى ما يحقق الخير للمجتمع بأسره. إن على جيل الشيوخ وكل من تعدّى مرحلة الشباب أن يصحح نظرته إلى الشباب في بلادنا. من الواضح تماما أنه لم يعد عازفا عن الشأن العام. ولم يعد عابثا أو لاهيا في أنواع "مرياص" أو "ظامت" أو غير ذلك من أنواع الفضول والضوضاء. ولم يعد يرضى بأن يتلهّى بالعظام الصغيرة. ومن جهة أخرى, يجب على الشباب أن يحترموا غيرهم ممن تجاوزوا عمر الشباب وأن يقدّروا دورهم في مسار بلد لم يكن سهلا ولا مفروشا بالورود. ليعلم أبناؤنا وأطفالنا أن مجرد الحفاظ على موريتانيا يعد في حدّ ذاته إنجازا. ولا أقول هذا من باب الرّضا بالقليل أو تدني مستوى الطموح للبلاد, وإنمّا أقوله وعيا مني وإدراكا لحقيقة أن وجودها ظل دائما وأبدا مصدر قلق واضطراب. وأذكر هنا حديثا لأحد رجالها الأبرار, وقد قال لي الشهر الماضي في انواكشوط ما معناه أنها – ومنذ نشأتها- تحاكي من يسير على حبل مشدود فوق كهف عميق وخطير, وفي كل خطوة تشعر بأنه سيقع في الهوّة ولكنه بشكل من الأشكال يواصل التمايل نحو الأمام. هكذا سارت موريتانيا...منذ تأسيسها إلى اليوم. بصعوبة بالغة, ولكنها ظلت تساير الركب ,ولم تكن يوما واحدا ضمن قائمة الدّول الساقطة أو الفاشلة رغم كل التحديات والعراقيل التي اعترضت سبيلها. فلا داعي للتخوين والسّب والشتم طوال الوقت وجلد الذات على الدوام, والنظر فقط إلى النصف الفارغ من الكأس...نعم, إننّا أمام إرث ثقيل من التخلف والضياع, هذا صحيح ! وكان بمقدورنا أن نكون في حالة أفضل وأجمل بكثير لو أن بلادنا وجدت فيما مضى قيادات أحسن ونخبة وطبقة سياسية أكثر مسؤولية واستقامة, هذا أيضا صحيح ! ولكن بالمقابل , علينا أن نعي بأن بلدنا هذا ما كان ليصمد ويبقى حتى اليوم لولا وجود بعض العقلاء والحكماء والوطنيين النزهاء ممن كانوا يديرون شأنه... المهم اليوم أننا متفقون على أن البلد يعاني من جمود خلّفته الأحكام الماضية- ولكنه قابل للعلاج والإصلاح , إذا ما تضافرت الجهود وخلصت النوايا وأدّى الشباب دوره كاملا غير منقوص إلى جانب المخلصين من الكبار.

    وبهذا المنطق, أقول وأكرّر بأنه لا يمكن للشباب مهما أوتى من قوّة وفكر واستعداد أن يستغني عن حكمة الكبار وخبراتهم وتجاربهم. ولا يمكن للكبار مهما بلغوا من الخبرة والحكمة- أن يستغنوا عن حماس الشباب واندفاعهم. فهناك تكامل بين خبرة هؤلاء وشجاعة أولئك . ومن الخطأ افتعال صراع أو تناقض بين الشباب والشيوخ , بل إن العاقل الذكي هو الذي يستفيد من الجميع على حد السواء, فلكل دوره وفائدته . وهذا ما تفيد به حكمة التاريخ وتجربة الثورات القريبة منّا مثل تونس ومصر. وقد أشار إلى ذلك : الدكتور / محمد الأمين ولد الشيخ الحائز على جائزة شنقيط والنائب بالجمعية الوطنية في مقاله الرائع : "حزب الشباب : الآفاق والتحديات".

    ثالثا : في ضرورة تجديد الخطاب الدّاعم للرئيس

    على مستوى الخطاب السياسي, نصيحتي للشباب ولأحزاب الأغلبيّة أن يحذروا كل الحذر من اللغة الخشبيّة الممسوخة التي طالما ترددّت في البلاد منذ الاستقلال إلى اليوم تمجيدا وتأليها لرأس الدولة. لقد كنا قبل هذا نتسابق ونتنافس في تعظيم الرئيس والإعلاء من شأنه . جعلناه أب الأمة , وسيّد الأسياد, وحامي حمى البلاد وضامن استقرارها وكائد أعدائها, وباني السدود ومشيد المدارس والطرقات. والقاضي على الفقر والأمية والجوع,,, توجيهاته نيّرة, وخطابه تاريخي, مسكون بالحكمة وبعد النظر...وعنده فصل الخطاب..وآخر الكلام. وكنّا ننسب له كل ما يتحقق. فما من مسؤول في الدولة يلقي خطابا أو يتقدم خطوة لتدشين حنفية أو حفر بئر أو وضع حجر أساس لبناء مستوصف أو ترميم مدرسة إلاّ وحرص على أن يسجّل أمام الملأ استلهامه وتطبيقه لتوجيهات فخامة الرئيس وعمله بمقتضاها. كنا نتصرف وكأننا معفون من التكليف وأن الأمر كله يقوم به الزعيم . ولكن هذا الخطاب أظهر فشله وعجزه بالتمام والكمال. بالأمس لم يجد نفعا. واليوم هو خارج الزمان والمكان , وأصبح مصدر إساءة وإحراج لكل رؤساء الدنيا وملوكها...نعم ! لقد انطوت مرحلة الأفراد وبزغت مرحلة الشعوب في تاريخ العالم العربي. وموريتانيا قد بدأت بالفعل التحول إلى المرحلة الجديدة. فبعد تجارب مرّة وأخرى ناجحة, وبعد مدّ وجزر وإخفاقات ونجاح, وصلنا بطريقة حرة ونزيهة إلى انتخاب رئيس شاب ينادي بالإصلاح والتغيير ومحاربة الفساد وتوفير الخدمات الأساسية للشعب الفقير, وينادي بإرساء نظام ديمقراطي يضمن التداول السلمي للسلطة كلّ عشر سنوات على الأكثر بمقتضى الدستور الذي أراده للبلاد وأقرّه الشعب. وبهذا المنطق الملائم للعصر وطموحات الأمة, فإننا نضمن السير بخطى ثابتة ليواصل الرئيس تنفيذ برنامجه الإصلاحي ويدخل التاريخ من أوسع أبوابه غدا عندما يسلم زمام الحكم لمن يختاره الشعب من بعده. هذا التداول الآمن والديمقراطي للسلطة حسب آجال محدّدة هو الخيار الصحيح وهو ما يريده الرئيس محمد ولد عبد العزيز لشعبه وبلده ونفسه ,على النقيض تماما من “ شخصنة” السلطة. أما نحن أو بعضنا فكأننا نريد له -بدافع التعود أوالتقليد- أن يبقى في المرحلة السابقة أي في منزلة "البطل الهمام" و"الزعيم الملهم" و"الرئيس الفذ" على غرار ما فعلناه بالرؤساء الذين سبقوه, ناسين أو متجاهلين أن الإصلاح مبدؤه الخطاب. والاعتراض هنا ليس على التأييد والإشادة بالبرنامج والأفكار وإنما على الطريقة والأسلوب. واضح لديّ أن معظم ما يقوم به الرئيس يستحق الدعم والمساندة...ولكن بالعمل والمثابرة والشرح المعقول, وليس بالكلام المكررّ والممل. واضح أيضا أن خطاب المعارضة مع الأسف يدفع إلى "شخصنة" الأمور وأنه يستوجب الرّد... ولكن الردّ يكون ناعما ومسؤولا, خاصة وأن الإنجازات تتحدث عن نفسها, لا يضرها تشكيك المشككين, بقدر ما يضرها اطناب المطنبين الذي يسحب من رصيدها ويحوّلها إلى "مكرمة" رئاسية, فقط لا غير.

    أما الشق الثاني من خطاب الموالاة, والذي أنصح بمراجعته, فيتلخص في القول بأننا –والله- غير مسؤولين عن جرائم النهب والتخريب التي ارتكبها السابقون...وبأن ما يعانيه الشعب من جوع وفقر ومرض يعود كله إلى النقص المتراكم منذ عقود...هذا صحيح, و ماذا بعد ؟ أما بعد, فالتأكيد على أن مسار الإصلاح والتغيير لن يتأتى إلاّ بإبعاد رموز الماضي وإقصائهم جميعا.

    وأن الخلاص –كل الخلاص- مرهون بالإتيان بوجوه جديدة. وهذه الأطروحة "التجديدية"هي اليوم في مرحلة متقدمة من الإنجاز...صدّقوني , لقد نظرت بعين فاحصة إلى الرئاسة والوزارة الأولى والوزارات والولايات والإدارات العامة للمؤسسات الهامة..فلم أجد إلاّ شخصين أو ثلاث من خارج الوجوه الجديدة. لا وزير اليوم, ولا أمين عام, ولا مستشار, ولا والي, ولا مدير مؤسسة هامّة, ولا حاكم مدني سبق له أن شغل منصبا معتبرا في الدولة أو السياسة, باستثناء بعض السفراء...إن صحّ هذا الخبر فقل بملء فيك, أيها القارئ الكريم :"ما كان من نقص اليوم, أو خلل, أو ضعف في الأداء, أو بقية فساد...فمردّه قلة التجربة والظهور على المسرح فجأة."

    وفى الأخير,وبصرف النظر عن ما ذكرته من رأي متواضع يحتمل أكثر من خطأ, فإني-ورغم قلة تجربة الشباب-أقول عنهم ما قد قالت العرب: "عليكم بمشاورة الشباب ,فإنهم يننتجون رأيا لم ينله طول القدم ... ولا استولت عليه رطوبة الهرم".

    والله ولي التوفيق

  • حوار حول "الثورة والتغيير" في موريتانيا

    13 نيسان (أبريل) 2011

    بقلم | السعد بن عبد الله بن بيه

    باحث بمجال العلوم السياسية

    Saadbayeh_2006@hotmail.com

    في هذه المساهمة نحاول أن نفهم حدود التغيير المأمول في موريتانيا وجعله مأمونا ونتحاور حوله ، حوار تدعوا له الحاجة وقد قرأت أيضا من ذي قبل دعوات له من شخصيات هامة ومرموقة في المجتمع نكن لها التقدير من بينها الأستاذ د حان ولد أحمد محمود الذي عرفته مثقفا ووزيرا متواضعا و منفتحا على الشباب فرغم خلفيته العسكرية فإنه من الشخصيات المنجذبة بفعل مزاولته للثقافة والدبلوماسية للحوار، علينا أن نعترف أولا بالحاجة الماسة للإصلاح في موريتانيا والحوار حوله ، وتنبع أهمية وضرورة الحوار هنا لكونه وسيلة عقلانية تعتمد التفكير الهادئ ومقابلة الحجة بالحجة ذلك أن هناك دائما فرق –أو يجب أن يكون – حين نتناول ظاهرة سياسية ما كمناضلين أو نتناولها كمحللين دارسين ؛وفي موضوع الثورات العربية غلب على التناول روح النضال على حساب روح التحليل السياسي.

    فأغلب الكتاب تغلب عليهم سيكولوجية الجموع في الميادين العامة فيتعاطون مع الموضوع كأطراف فلا يمتلكون تلك المسافة الضرورية لفهم الموضوع والإلمام بجوانب هذه اللحظة التي هي لحظة تأسيسية بل لحظة كتابة التاريخ ، هذا الوضع نتج عنه خطأ عميق في التحليل أدى إلى خطيئة التعميم ، فرغم أهمية بل وحاجة المنطقة العربية إلى حدوث تغييرات جذرية وشاملة ، إلا أن شيات الواقع وإن تشابهت في كثير من النواحي فإنها تختلف في العمق، من حيث الطبيعة الخاصة لكل مجتمع، ومن حيث مستويات التغيير المطلوبة فيه ومن حيث العلائق الخفية التي تربط بين جوانب ومعطيات الواقع السياسي والاجتماعي ، لكن الأخطر هو تسور البعض ليركب موجة التغيير ويجعلها على مقاس طموحه أو إيديولوجيته ، وهو وضع ساهمت فيه وسائل الإعلام - وخصوصا الجزيرة القطرية القوية إعلاميا والضعيفة فكريا -، فقد تعمدت نوعا من التسطيح للأحداث جعل كثيرا من مجاذيبها لا يميزون بين اختلاف الحالات ولا بين تنوع الوسائل وما يصلح منها في كل حالة دون أخرى ، وعلى كل حال هو أمر غير جديد على كثير من المحللين الذين كثيرا ما تعوزهم أدوات التحليل السياسي فينزون على وقائع لا علم لهم بكنهها فضلا عن مآلاتها ، إن معطيات الواقع ستظل عنيدة ، والثورة ليست شيئا خارج عن القوننة بل هي خاضعة للسنن، وما لم يحبل رحم الأوطان بها ويعطي جنينها الفرصة للتخلق فقد يولد مسخا مشوها ، والمواليد لا ترجع إلا الرحم ثانية ، فلنعمل من أجل ثورتنا الخاصة على أنفسنا أولا كي تقبل الثورة أن تولد عندنا ، أقول هذا وبوعي كامل بخطورة أن يستخدم البعض الدين والعقل وبرياء ، ورغم وضوح هذه المسلمات إلا أن التغيير قد أطل برأسه فكيف تركب بلادنا قطاره وبأقل تكلفة وأقرب محطة؟ أولا علينا -في ما أقدر- أن ننظر إلى هذا الحراك باعتباره فرصة وطاقة ايجابية ، ونحاول مجتمعين اهتبالها ونرسم القنوات والمسارات لتسلكها هذه الطاقة ، لكي لا تكون عمياء ومنفجرة ، وهنا على الحكومة الجادة وكذا النخب المستنيرة أن تنتهز الفرصة التي تعبر عنها هذه الرغبة الجامحة في التغيير ، والمنطلق هنا هو الاعتراف " بمادة الثورة والتغيير" أعني الشباب الذين يجب مراجعة الموقف الرسمي والاجتماعي منهم واعتبارهم شريحة إستراتيجية وليس عمرية فحسب ، فرغم أن المجتمع الموريتاني بمجموعه هو ضحية بشكل من الأشكال لغياب الدولة إلا أن الشباب الموريتاني يعاني بشكل صارخ ومؤلم لعدم وجود إستراتيجية متكاملة تتعاطي مع همومه في الحرية والتنمية ، وهذا الفشل في التعبير عن الشباب يعم الحكومات المتعاقبة وكذلك الأحزاب كفاعلين سياسيين ، وهو واقع يكرسه غياب الشباب عن مواقع المشاركة في صنع القرار وانغلاق الإعلام وقنوات التعبير المعتادة أمامه، علينا إذن أن نتعرف على أزماتنا ، وأزمة موريتانيا هي إن صناعتها الثقيلة والوحيدة هي السياسية !، السياسة في بعدها السطحي والغرائزي ، حين تكون مركبا من أدواء الأهواء والمصالح الآنية والضيقة ، حين لا تكون فعلا بناءا لتحقيق المصالح العامة والخاصة في انسجام وفي غير ما تضاد أو تنافر، حين لا تكون السياسة تقنية وموقفا ورؤية للتغيير البناء ، وفعلا تنافسيا مثابرا لتحقيق طموح بلد لا تعوزه الإمكانات ولكن تعوزه النفوس الكبيرة المتعالية على الميولات الضيقة والمتناقضة مع قيم العدل والمساواة والتضحية ، والهدامة لكل ما هو عام وصالح ورشيد ؛أما بشكل أكثر تخصيصا فموارد ومصادر تراجعنا فهي كثيرة ومتعددة ، وقد يكون من التخلف إدعاء قلم واحد الإحاطة بها ، ولكن سنحاول وبشكل برقي سريع الإماءة إلى عناوين رئيسية على سبيل المثال لا الحصر ؛ لعل أولها : المحنة التاريخية ذات الأثر المستمر محنة الاستعمار، والذي و إن كان أحدث تغييرا ما في جغرافيتنا السياسية والثقافية والنفسية من خلال ما سماه أحد الباحثين " الإقحام عنوة في زمن العالم " فإن هذا الإقحام أو الاقتحام مثل تمزيقا لنسيج مجتمع ما يوحده أكثر مما يفرقه ، وهو ما مثل كسرا أو لنقل ليا لسير تطور المجتمع، وهو حدث آثاره لن تكون طبيعية تماما مثلها قيام كائن مسخ سموه الدولة الوطنية – ستفشل نخبه دوما أن تعكس تمثلات مجتمعه – كيان لن يلقى الاعتراف في عقل ووجدان مكونه البشري ذي الطبيعة القبلية والطبقية والتقليدية المعادية لا شعوريا " للدولة" ولن ينجح في إعادة ذاكرة المجتمع للتعرف على التنظيم الذي خبرته يوما ، ونتيجة هذا الفصل من الفعل التاريخي هو قيام كيان قانوني غير أصيل تقوم عليه نخبة منبتة الصلة في تجربته السلطوية بالعمق الاجتماعي والتاريخي لمجتمع المحكومين ، الغريب أننا بعد خمسين من الاستقلال يعترضنا سؤال وجودي مؤرق ومعقد عن كيفية استمرار الكيان وسر بقاءه رغم بذور الفناء والتفتيت اليانعة في جوانبه ، ويحيلنا سؤال كيف هذا إلى استنتاج ماكر يرجع بقاء الدولة الوطنية إلى ضرورة و إرادة ومصلحة الخارج حتى الآن ؛ وهو ما أبعد شبح انفراط العقد في هذه الصحراء القلقة ، هل تدركون معي أن نتيجة هذه المثولوجيا غير المتخصصة أننا دولة استقلت بقرار خارجي ولا زالت قائمة و مستمرة به ، يا ترى أين رغبتنا " النحن" وأين إرادتنا وأين ما نرغب أن تكونه موريتانيا متى سنشب عن الطوق ونبني خياراتنا المنبثقة منا والمتطلعة للبناء والتعارف مع الآخر على قدم الندية؛ التاريخ الحقيقي لبلدي ينبئنا أنا كنا مرة كذلك ،والتاريخ غالبا ما يكرر نفسه لكن حين ننصب له الفخ فقط "فخ الإرادة" – هنا الكثير مما يقال وهو فج عميق؛ هذا العنوان عنوان البداية التي ترسم النهاية غالبا ما لم تتدخل الإرادة مع التوفيق –

    أما السبب الثاني : فرغم ما تعاور بناء دولة الاستقلال من النواقص والأخطاء المرافقة بفعل النشأة والتكوين من الفراغ ، فإن التدبير البشري رغم إخلاصه الذي لا نشكك فيه فقد كان محدودا بالخبرة والظروف ، ولذا فالسبب الحقيقي والذي سيمثل خللا وضعفا بنيويا ملازما للدولة فيما بعد هو التوجهات العشوائية للأنظمة العسكرية التي ظل هذا البلد رهينة لديها منذ 1978 ،فباستثناء واحد هو الخروج من الحرب ( لا لنا وربما علينا ) فإن العسكرية فشلت في كل شيء وفشلت في كل وعودها في تمدين الحكم وبناء الرخاء ... ، بل الأدهى والأمر هو بقاء النخب المدنية أداة طيعة في يد ثلة العسكر ، وأصبحت التيارات السياسية - لا أستثني أحدا – متنافسة على خدمة نزوات العسكري الذي يعلن البيان رقم (1) إلى اليوم وبعد عشرين عاما من الديمقراطية الصورية لا يزال الجيش متمكنا من مسح العناوين الشكلية للجمهورية في أي وقت يرتئيه ، ومنذ ذلك الحين أصبحت عناوين الاتفاق والاختلاف بين نخبنا قائمة على كل ما هو شخصي وقبلي وجهوى واثني وليس على معيار المصلحة العامة وإدارة الشأن العام بما هو مناسب وصحيح؛ ولذا فتاريخ 78 من حينه وحتى اليوم والدولة مع كل حاكم وحكم تجير لخدمة أقلية ما على حساب مجموع الناس - الأكثرية من المواطنين - ! لماذا لا نقيم عقدا اجتماعيا على أساس انتماءات ما قبل الدولة ونريح أنفسنا من الهذيان حول دولة الحق والقانون والديمقراطية ... ؟ هذا هو السؤال الضمني الذي يلقيه تطورنا السياسي في وجوهنا ساخرا ومعاتبا!

    لكن العامل أو السبب الثالث لأزمتنا المركبة ، فتمثله محنة النخب الحاكمة والموازية التي ظلت تفتقر لرؤية عامة و كبيرة للبناء والإصلاح ، وهو ما جعل منها نخبا ضيقة الأفق ومحدودة الطموح فهي إما حارسة لمجد شخصي متوهم للنفس أو القبيلة ...إلخ ، أو حارسة مصالح قوى خارجية على حساب الداخل الوطني في ظل ارتباك قل نظيره يطال الخطاب والممارسة تصورا وتنفيذا ، ولا يمكن أن يعدم القارئ الأمثلة والتي من أبرزها التسيير الكارثي للمقدرات والموارد الوطنية مما بدد مصادر الثروة وأشاع القناعة بالعيش في كنف اقتصاد ريعي لا توزع غلاله بعدالة وإنما تذهب لجيوب أقلية هي الصفوة العسكرتارية وخدمها المتحالفين معها من المدنيين ورجال المال –( وليس الأعمال)- والمستفيد دوما ليس السواد الأعظم من الشعب الذي يعصف به الفقر وتردي نوعية الحياة وإنما ما يسمي زورا وبهتانا شركاءنا في التنمية ! فأين التنمية ؟ أو على الأقل أين الماء والكلأ والنار؟.

    هذه هي بعض العوامل – وليس كلها – التي تشكل متضامنة خلفية المشهد الوطني المتأزم ، ومع ذلك لم نعدم فرصا سانحة للتغيير لكننا للأسف لم نستغلها بالشكل الأمثل لإدارة العجلة ؛ ولذا أصبح لزاما لكي تقوم موريتانيا من رمادها أن نحدث "قطيعة " مع ذلك الإرث؛ والتفتيش عن لحظة تأسيسية جديدة ينبني عليها عقد اجتماعي جديد ، بمعنى آخر على "التاريخ أن يفشل" على حد تعبير مالك بن نبي ؛ لكي نستخلص العبر . ملامح هذه القطيعة هي بت الصلة مع قيم الخذلان والتقاعس والرياء ، والأهم هزيمة ثقافة الخنوع واليأس والاستسلام .وبناء منظومة جديدة تتأسس على الإيمان والعقلانية وعلى المشاركة والفعالية والمواطنة . مستخدمين كل وسائل التنشئة والتعبئة الممكنة لهدم تلك السلبيات وغرس وتعهد هذه القيم الإيجابية ، وهو ما يسمح بناء دينامكية للبناء تكون جديدة تماما ومن نوع خاص، تقوم على التعاقد والتصالح والتفاهم على أفكار وقيم إستراتيجية جديدة، تنهل من روح الإسلام السمح في العلم والعمل والتزكية ، وروح العصر في الديمقراطية وحقوق الإنسان والتكنولوجيا , وهذه القطيعة والروح الجديدة التي ندعو لها يمليها النقل والعقل والواقع ، في هذه الظروف الخاصة المتسمة بالاحتقان بين الدولة والمجتمع ،واستدامة الفقر وتعثر التنمية والاقتصاد ،وتراجع الروح الوطنية ، وترسخ صورة نمطية لبلدنا كبلد يعيش على المساعدات وتوجهاته الرئيسية ترسمها جيوب ساسته وأمعاء مواطنيه – للأسف – بل إن من مفارقات هذا البلد الذي تغنى دوما بالعلم والثقافة ما يعانيه من القصور المشين في التعليم اليوم ،بل إن فلسطين المحتلة والصومال الخربة المجزاة تتقدم عليه كما ونوعا في التعليم ؛مرة أخرى يعلن مالك ابن النبي(أن الجهل عورة...).

    بشكل عام وسريع ودون الخوض في الأفكار والمشاريع التي علينا أن نتذرع بها ، فنحن اليوم على مفترق طرق حقيقي إما الاستمرار في دفن الرؤوس في الرمال والاطمئنان إلا أن موريتانيا ليست كالدول الأخرى ، والاعتماد على "التباين" والالتفاف على ضرورات الإصلاح ، والاستمرار في هذا الوضع المزري اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ، وبالتالي مواجهة مطالب التغيير بالرفض والعنف وفي أحسن الأحوال بالتجاهل والاحتيال ، مما يعرض بلادنا للدخول في المجهول .

    وإما أن تفهم طلائع الشعب الموريتاني والسلطة فيه سنن التغيير وتتبنى الاختيارات الأكثر عقلانية لإحداث التغيير ؛ عن طريق مجموعة من الإجراءات والقرارات :

    - تبني الحوار – ليس سياسيا فقط – ولكن في مفهومه الواسع وأبعاده المختلفة وتجذ يره في منظوماتنا التربوية والاجتماعية والإعلامية كقيمة حضارية وإستراتيجية لا غنى عنها.

    - الاستثمار في المصالحة بين مكوناتنا الاجتماعية بالعفو والتعويض والتسامح والتعارف.

    - إدارة تنوعنا وتعددنا واختلافاتنا بأفضل الطرق نضجا وترفعا وتنظيما .

    - وتوسيع نطاق الحقوق المختلفة و إرساء ضماناتها .

    - بهذا وغيره نضمن انفتاحا سياسيا عقلانيا يرسم خارطة طريق جديدة لمراجعة وتقييم العلاقة بين السلطة والمجتمع وتصحيحها بما يضمن مستقبلا زاهرا وعادلا آليته إرساء نموذج حكم ديمقراطي حقيقي شفاف وتنافسي .

    هذه في اعتقادنا تمثل ملامح سبيل جديد للبقاء والتغيير ، ذلك أن تقنية البقاء اليوم تكمن في القدرة على التجاوب وتغيير الاتجاه كلما اقتضت الظروف ذلك ؛ فالثبات على موقف واحد هو من سمات الأغبياء - حسب تشرشل –

    وهي أفكار أولية تندرج تحتها العديد من السياسيات التي يجب وباختصار أن تطال : المسلكيات ، والقيم ، وترسيخ الهوية ، ومعالجة التداخل بين المال العام والخاص ، وبين ما هو عسكري ومدني ، واعتبار ما هو علمي وثقافي ، ومأسسة محاربة الفساد، ومأسسة العناية بالشباب ، ومأسسة رعاية الوحدة الوطنية . واعتماد دور جديد للإعلام العمومي والوطني في عدة اتجاهات :

    - كونه تنويريا

    - كونه مفتوحا

    - كونه تنمويا

    - كونه راقيا

    والأهم عقلانيا ومحترما.

  • قراءة في الواقع السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي الذي أوصل موريتانيا إلي 19 أبريل 2007

    7 نيسان (أبريل) 2011

    بقلم الدكتور أحمد ولد أميسه

    لقد شكل التاسع عشر من ابريل 2007 نقطة تحول كبرى في التاريخ السياسي الموريتاني بل في العالم العربي اجمع و ذلك بعد مرحلة من التوتر السياسي و الحكم العسكري و شبه العسكري و ديمقراطية الحزب الواحد و الحاكم الأوحد امتدت حوالي ثلاثين سنة كانت أبرزها مرحلة حكم ولد الطايع و المرحلة الانتقالية التي أعقبتها.لذا فان الفهم السليم لهذه المرحلة يستدعي منا القراءة المعمقة للمشهد السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي الذي جاء على إثره انقلاب الثالث من أغسطس2005 و كذا أهم ما قدمته المرحلة الانتقالية التي جاءت بعده و خاصة على المستوى السياسي.

    فقد جاء انقلاب 12 دجمبر 1984 كبداية مرحلة جديدة في تاريخ موريتانيا على أكثر من صعيد ،فهو قد جاء بعد سنوات عجاف من حكم ولد هيداله اتسمت بالاضطهاد السياسي و الأزمات الاقتصادية الحانقة فما هي أهم ملامح فترة حكم معاوية يا ترى و ما هي ابرز المحطات التي مرت بها و ما هي الأسباب و الدوافع الحقيقية لانقلاب الثالث من أغسطس سنة 2005 ،و ما هو الجديد الذي جاءت به المرحلة الانتقالية أغسطس 2005-ابريل 2007؟

    لقد كانت فترة حكم ولد الطايع فترة حكم عسكري شمولي بامتياز ،اتسمت فيها الحياة السياسية بالضعف و غياب النضج ،ففي مرحلة ما قبل 1991 شهدت البلاد موجة اعتقالات سياسية شملت جميع الحركات التي كانت تمارس نشاطها بشكل سري، من يساريين و قوميين عرب و زنوج ،و كانت أحداث 1989 ، و تسريح الضباط البعثيين من أهم المحطات البارزة في هذه المرحلة.

    و مع مطلع تسعينات القرن الماضي كان تيارا اليساريين الموريتانيين و القوميين الزنوج من ابرز القوى السياسية في البلاد لذلك فقد حملت لواء معارضة النظام،و في سنة 1991 و مع هبوب رياح الديمقراطية على بلدان العالم الثالث فتح النظام الباب أمام إنشاء الأحزاب السياسية،و ظهرت أحزاب سياسية وطنية كان من أبرزها حزب اتحاد القوى الديمقراطية و الذي انقسم على نفسه بعد هزيمة مرشحه للانتخابات الرئاسية السيد احمد ولد داداه،كما كانت الساحة السياسية على موعد مع ظهور التيار الإسلامي الوسطي ذي التوجهات و الأفكار القريبة من طرح الإخوان المسلمين في مصر.

    و بعد وقوف ولد الطايع إلى جانب النظام العراقي أثناء حرب الخليج الأولى استجابة للطبقة الحاكمة و نتيجة لتحكم الرأسمالية في البلد قرر أن يغير رأيه و التوجه شطر البيت الأبيض و حلف الولايات المتحدة الأمريكية ،و بحلول العام 1999 كانت موريتانيا واحدة من بين ثلاث دول عربية أقدمت على إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ،الشيء الذي أحدث شرخا كبيرا بين نظامه و الشعب الموريتاني ،الذي اثر الوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية ،و هكذا تأججت المشاعر القومية و الدينية ضده ،مما نتج عنه حالة من عدم الاستقرار في الأوضاع السياسية في موريتانيا ،حالة ازدادت سوءا بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

    و قد جاءت أحداث سبتمبر 2001 ليجد النظام الموريتاني نفسه مشاركا فاعلا في مشروع أمريكا للحرب على الإرهاب فشن حملات اعتقال واسعة ضد الإسلاميين لم تسلم منها المساجد و الأئمة و تم تسليم موريتانيين لأمريكا ليلقي بهم في سجن اغوانتانامو ، و كان لمحاولة انقلاب يونيو 2003 دورا بارزا في إشعال نار تلك الحملة متهما جماعات منهم بالانتماء للجماعات السلفية بالجزائر و العلاقة بالقاعدة و تم اتهام جماعات أخرى بمحاولة انقلاب غير شرعية،ولكن كل ذلك لم يمنع القوى السياسية الرئيسية المعارضة في البلد من اتهام نظام ولد الطايع بشن هذه الحملة على الإسلاميين محاولة لإرضاء أمريكا و التكفير عن موقفه أثناء حرب الخليج الأولى.

    أما الحالة الاقتصادية فقد اتسمت بالصعوبة فحسب تقرير صندوق النقد الدولي لسنة 2000 وصل معدل التضخم إلى 4.5% ووصلت البطالة إلى 29% ،أما نسبة من يعسشون تحت خط الفقر فقد بلغت 54% في حين ازداد حجم المديونية الخارجية بشكل كبير ليصل إلى 2.1 مليار دولار سنة 2000 طبقا لصندوق النقد الدولي.

    هذه الوضعية الاقتصادية الصعبة في موريتانيا جاءت نتيجة لمجموعة من السياسات الاقتصادية الفاشلة و التي تم انتهاجها على مدار عقود من الزمن ،إضافة إلى الفساد المالي و الإداري الذي طبع هذه الفترة،و نذكر من بين تلك السياسات الاستجابة الكاملة لسياسات البك و صندوق النقد الدوليين و التي التزم النظام بتطبيق و صفاتها السحرية كضمان لتدفق الدعم و التمويلات الخارجية . و كانت سياسات تلك الهيئات مرتكزة على توسيع الوعاء الضريبي و تقليص النفقات العمومية و تخفيض قيمة العملة و تصفية البنوك العمومية و السعي إلى تطبيق سياسات ليبرالية مجحفة نتج عنها فتح باب الاستيراد على مصراعيه و إلغاء دعم السلع الأولية إضافة إلى خصخصة جل المؤسسات العمومية.

    هذه السياسات الاقتصادية الفاشلة أدت إلى عدم الاستقرار السياسي ،فاندلعت مظاهرات حملة الشهادات العاطلين عن العمل إضافة إلى احتجاجات النقابات العمالية و الهيئات المهنية ،فقد تنازلت الدولة عن مجمل وسائل التحكم في النشاط الاقتصادي و التي كانت تمكنها من المحافظة على القدرة الشرائية للطبقة الوسطى و تستفيد منها الطبقات الأكثر فقرا و هشاشة.

    وقد ولد اكتشاف النفط و الغاز في السواحل الموريتانية سنة 2001 و بكميات اعتبرت حينها هامة ولد بارقة أمل في انتعاش الاقتصاد الموريتاني .

    كل هذه العوامل جعلت الرأسمالية الموريتانية تفكر جديا في وجود مخرج من حالة عدم الاستقرار و التخبط التي أصبحت السمة البارزة لنظام ولد الطايع في سنواته الأخيرة،و ذلك لحماية استثماراتها و المحافظة على مكتسباتها .من هنا جاء دور المؤسسة العسكرية و التي أزاحت نظام ولد الطايع في انقلاب ابيض فجر الثالث من أغسطس سنة 2005 و تولى تسيير أمور البلاد المجلس العسكري للعدالة و الديمقراطية .

    و قد قام المجلس العسكري للعدالة و الديمقراطية بتعطيل العمل بالدستور و حل الحكومة و حل البرلمان و عين حكومة انتقالية عهد إليها بتسيير مرحلة انتقالية من سنتين قلصت فيما بعد إلى تسعة عشر شهرا انتهت بانتخابات رئاسية اقل ما يقال عنها إنها نزيهة و شفافة رغم ما شابها من ضغوط و استخدام للمال السياسي. و تمثلت أهم الاجرءات التي اتخذها المجلس العسكري و الهادفة إلى ضمان شفافية الانتخابات و تحسين ظروف الحياة السياسية تمثلت في تعديلات دستورية حددت فترات الترشح للرئاسة بفترتين مدة كل منها خمسة سنوات و أعطت نسبة 20% من المناصب الانتخابية للنساء ،و أصدرت فانون تنظيم مؤسسة المعارضة السياسية و تم سن قانون حرية الصحافة ، وتمت الدعوة إلى انتخابات برلمانية و بلدية تم فيها اعتماد بطاقة التصويت الموحدة لأول مرة،ولعل أهم ما شاب هذه الانتخابات هو موجة الترشحات المستقلة العارمة و التي يتهم المجلس العسكري بالوقوف وراءها من اجل إضعاف أحزاب سياسية كبيرة كان من المتوقع أن تكتسح المشهد السياسي آنذاك. و على الصعيد الاقتصادي قام المجس بإجراءات تهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للمواطنين كان من أهمها زيادة رواتب موظفي و ووكلاء الدولة بنسبة 50% مرتين متتاليتين و تم إعفاء جزء كبير من الديون الخارجية و حصلت الحكومة على تمويلات خارجية هامة ،كل هذا لم يمنع من الحديث عن استشراء فساد مالي كبير نتج عنه اختلاس ما يناهز مئات ملايين الدولارات. و في مارس 2007 كان الشعب الموريتاني على موعد مع أول انتخابات رئاسية يمكن وصفها بالشفافة و النزيهة أسفرت عن وصول أول رئيس مدني منتخب إلى سدة الحكم منذ انقلاب 1978 لتكتمل فصول المشهد يوم التاسع عشر من ابريل سنة 2007 حينما عاش الشعب الموريتاني و العالم اجمع أول انتقال سلمي للسلطة لرئيس مدني منتخب في هذا البلد العربي الإفريقي المسلم ، فهل قرأ نظام ذلك الرئيس الدرس جيدا و إن كان قرأه فهل فهمه فهما حقيقيا يختلف عن فهم زين العابدين بن علي للتونسيين.

  • التشريعيات المقبلة.. أي برلمان ستحمله عواصف الإنتخابات؟

    4 نيسان (أبريل) 2011

    سيدي عبد القدوس بن احمد المكي/كاتب صحفي

    لم يتابع الموريتانيون، سواء داخل الوطن أو خارجه، التلفزة الموريتانية بقدر ما تابعوها خلال شهر دجمبر2010. لا يعود سبب هذا الاهتمام والمتابعة إلى برامج جديدة استحدثتها هذه المؤسسة الإعلامية أو إلى إنتاج مسلسلات تاريخية وطنية يجد المشاهد نفسه في أمس الحاجة إليها، وإنما يعود الأمر إلى بث التلفزة الموريتانية لجلسات الجمعية الوطنية. التي عرفت آخر جلسة لها خلال سنة 2010، نقاشات ساخنة، دارت رحاها بين نواب من المعارضة وبعض نواب الأغلبية من جهة وأعضاء من حكومة مولاي ولد محمد لقظف من جهة أخرى,

    إن هذا الحراك السياسي الراقي داخل إحدى غرف البرلمان، ليبين بجلاء مدى أهمية الديمقراطية كنهج وممارسة لبلد نام كموريتانيا. بيد أننا ونحن ننتظر انتخابات تشريعية باتت على الأبواب يحق لنا أن نتساءل ما إذا كان بإمكاننا الحفاظ على برلمان مثل برلماننا الحالي تمثل فيه كل الاتجاهات السياسية.

    ولد البرلمان الحالي من رحم تجربة وصفها المراقبون المحليون والدوليون بالفريدة أعقبت انقلاب 3 اغسطس2005 الذي أطاح بنظام، الرئيس السابق معاوية ولد سيد أحمد الطايع.

    لقد تبنى المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، وهو هيئة عسكرية بقيادة مدير الأمن في حقبة معاوية ولد سيد احمد الطايع. تولت مقاليد السلطة، استيراتيجية هدفت إلى خلق قطيعة مع الماضي. تمثلت هذه الإستيراتيجية إذن في تعيين حكومة تكنوقراطية محايدة، منعت أعضاء المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية من المشاركة في أي استحقاقات انتخابية. كما نظم المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية أياما تشاورية كللت باقتراح تعديلات دستورية أفضت إلى نقص المأمورية الرئاسية إلى خمس سنوات بدل ست، وكذا اقتصارها على فترتين لا يمكن تجاوزهما. وفي إطار الإستيراتيجية الرامية إلى خلق قطيعة مع الماضي عمد المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية إلى تفكيك أكبر الأحزاب السياسية آنذاك، الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي، الذي كان يرأسه الرئيس المطاح به معاوية ولد سيد أحمد الطايع. لقد شكل الحزب الجمهوري وعاء سياسيا تخندقت داخله رموز نظام ولد الطايع بجناحيها السياسي والمالي، مما بات يهدد بعودتها في أي انتخابات تشريعية ورئاسية ستقام. لقد أدرك المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الخطر الذي يهدد مشروعه السياسي فبادر إلى وضع خطة مستعجلة نجحت فيما بعد في تفكيك هذا الحزب من خلال تشجيع الترشحات المستقلة.

    لقد أدى تفكيك هياكل النظام السياسي الذي كان قائما قبل الثالث من أغسطس2005 إلى خلق جو مكن الجميع من التنافس بحظوظ متساوية، هذا المناخ التنافسي الجديد، قد منع معظم رموز النظام الذي كان قائما من الترشح للاستحقاقات التي أجريت، أما من تجرأ وترشح فقد اصطدم في الغالب بحائط الرفض الشعبي.

    شكل هذا المنعطف التاريخي في الحياة السياسية الوطنية، فرصة سانحة لبعض الأحزاب السياسية، وريثة الحركات الأيديولوجية التي كانت موجودة في الساحة. لقد شكلت هذه الحركات الأيديولوجية خزانا تلجأ إليه الأنظمة العسكرية المتعاقبة لتشكيل حكوماتها، كما كانت عصى تستخدمها لضرب الحركة بالأخرى، كما اتسم تاريخ هذه الحركات المؤدلجة وعلى مختلف توجهاتها بالتحالف مع جميع الأنظمة العسكرية التي تعاقبت على الحكم منذ العاشر من يوليو1978.

    لقد وجدت الأحزاب المؤدلجة من شيوعيين وناصريين وإسلاميين الفرصة سانحة في اختبار قوتها داخل الساحة السياسية بعد فترة طويلة من الاختباء وراء مترشحين مستقلين، ومدى تمثيلها للشعب الذي طال ما ادعت تمثيلها له منذ أكثر من ثلاثة عقود، منتهزة فرصة الفراغ السياسي الذي خلفه تفكيك بنية نظام ولد الطايع من جهة، وباعها الطويل في العمل السياسي من جهة أخرى. فخرج حزب اتحاد قوى التقدم برئيسه محمد ولد مولود، ورشح الناصريون ورفاقهم في حزب التحالف الشعبي التقدمي الزعيم مسعود ولد بولخير، في حين وقف الإسلاميون المعروفون آنذاك بالإصلاحيين الوسطيين خلف مرشح حزب "حاتم"، صالح ولد حننه، فكانت الحصيلة مخيبة لهذه القوى السياسية العتيدة. فحصل المرشح الأول على نسبة4%، وحصل المرشح الثاني على نسبة 7%، في حين حصل المرشح الثالث على نسبة 5%. لقد حصلت هذه القوى العتيدة مجتمعة على نسبة 16% إنها نسبة هزيلة بالمقارنة مع تاريخها النضالي.

    في مقابل الأحزاب ذات البعد الأيديولوجي، شارك في الانتخابات حزب تكتل القوى الديمقراطية المعارض والمترشح المستقل سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، المدعوم من قبل مجموعة من النواب والشخصيات المستقلة المتحالفة مع جيل الضباط الجدد.

    يعتبر حزب تكتل القوى الديمقراطية المعارض بقيادة أحمد ولد داداه، حزبا ديمقراطيا بكل المقاييس، فهو لا يقوم على أساس أي أيديولوجية عربية أو دولية، مما كان متعارف عليها ايام الحرب الباردة، كما أن ميلاده جاء بعد رياح الديمقراطية، التي هبت على البلد مع بداية التسعينات، كما كان صادقا في معارضته لنظام ولد الطايع. لقد حصل مرشحه أحمد ولد داداه على نسبة 20%.

    بالإضافة إلى نتيجة مرشح تكتل القوى الديمقراطية، حصل المترشح المستقل سيدي محمد ولدا لشيخ عبد الله على نسبة24% في حين تقاسم النسبة المتبقية بعد هذه الكتل الساسية، مجموعة من المترشحين المستقلين السابحين في فلك المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، كان من أبرزهم المترشح الزين ولد زيدان الذي حصل على نسبة 13%. أكدت هذه الانتخابات التي شهد لها الجميع-في الداخل والخارج-بالنزاهة وهنأ المترشح الخاسر فيها المترشح الفائز، بما لا يدع مجالا للشك الخطر الذي تشكله الممارسة الديمقراطية الصحيحة على طبقة سياسية ظلت لردح من الزمن، تهيمن رفقة المؤسسة العسكرية ممثلة في الجيل القديم من الضباط على المشهد السياسي الوطني.

    لقد ظل طرفا المعادلة السياسية أي الحركات الأيديولوجية والأنظمة العسكرية الاستثنئاية في تحالف صامت، يتقاسمون بموجبه المكاسب السياسية والنفعية للحكم دون أن يكون لذلك أثر إيجابي على المواطن الموريتاني. أدركت-إذن- الأحزاب السياسية ذات الجذور الأيديولوجية أو على الأصح ما تبقى من الحرس القديم للحركات الأيديولوجية فداحة الخطأ الذي ارتكبته بذهابها بشكل علني وزجها بمرشحين منها في انتخابات الكلمة الفصل فيها للشعب، عكس ما كانت تفعل في الماضي من دعم لشخصيات مستقلة أو ذات وزن قبلي.

    هكذا إذن أفرزت المؤسسة العسكرية جيلا متوسطا من الضباط اعتلى سدة الحكم، فاتجه بالبلد نحو ديمقراطية قد تشبه في أسوإ حالاتها النموذج التركي فصار الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وحل محل الحركية والعمل السري الوزن الانتخابي. أفقد هذا الوضع الجديد بقايا الحركات الأيديولجية قيمتها السياسية، لتفقد بذلك جميع مكاسبها. في المقابل أسفرت الانتخابات عن ميلاد طبقة سياسية شابة، متمثلة في نواب الجمعية الوطنية بدأت تتلمس لها موطئ قدم على الخارطة السياسية، متكئة في مسعاها على تحالف مع جيل الضباط الجدد.

    إن النتائج الغير متوقعة وسقوط ولد الطايع ونظامه، وخروج اعلي ولد محمد فال، باعتبار هذين الأخيرين آخر ضباط انقلاب العاشر من يوليو الذين ألفت الحركات السياسية التعامل معهم، قد حتمت على قادة الحركات الإيديولوجية إعادة النظر في استيراتيجيتهم بعد ظهور لاعب جديد اسمه صناديق الاقتراع أفقدهم مكاسبهم وبات يهددهم بالانقراض في القريب العاجل، هذا بالإضافة إلى ظهور طبقة سياسية، مدينة فقط للديمقراطية وصناديق الاقتراع بما حققته من مكاسب سياسية.

    لاستعادة مكانتها المفقودة بات لزاما على الحركات الأيديلوجية ذات الباع الطويل في العمل السري، إيجاد صيغة تكبح أولا جماح الطبقة السياسية الناشئة وتضع حدا لنمو نظام أصبحت الكلمة الفصل فيه لصناديق الاقتراع. للوصول إلى أهدافها بنت الطبقة السياسية المؤدلجة استيراتيجيتها السياسية على تحليل مفاده أن الديمقراطية الوليدة في موريتانيا، من الصعب عليها أن تنجح في ظل تراجع مثيلاتها، في كل من الجارتين الشرقية مالي والجنوبية السنيغال ووجود نزاع الصحراء الغربية في الشمال. ينضاف إلى ذلك بعد إقليمي جديد يتمثل في تبني الاتحاد الافريقي مبدأ رفض الاستلاء على الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية، وهو مبدأ نجح في إفشال إنقلاب فورانياسنيكي اياداما في التوغو وكذلك رفض الإطاحة بنظام أحمد التيجان كبا المنتخب في السيراليون. لقد جزمت -إذن- الحركات الايديولوجية بأن زمن العسكر كلاعب سياسي قد ولى إلى الأبد. ففسخت تحالفها مع الجيش. لقد اختفى إذن جيل ضباط الأحكام الإستثنائية وظهر جيل جديد يتوق إلى تطبيق النموذج التركي. بات فرس رهان الحركات الايديولوجية الرئيس المدني الطاعن في السن، فبدأت مساعي الاحتواذ عليه وإبعاده عن الطبقة السياسية الجديدة وجيل الضباط الجدد، الذين جاؤوا به إلى سدة الحكم بعدما فشل في الحصول على منصب رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات فصار حلمه ينحصر في الحصول على وساطة تمكنه من اعتماده قنصلا شرفيا لجمهورية النيجر في موريتانيا. لقد تأكد مسعى الحركات السياسية في مقابلة رئيس حزب اتحاد قوى التقدم، في برنامج "ضيف الساعة"، الذي كانت تبثه التلفزة الموريتانية، حيث قال: "إننا نحاول مساعدة الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله في التخلص من قوى الجمود". لقد نجحوا فعلا في الإيقاع بين ولد الشيخ عبد الله والقوى التي جاءت به، فتنكر لحلفائه وبدأ يعتمد على الحركات السياسية.

    شكل ولد الشيخ عبد الله حكومته الثانية، فأقصى منها الأغلبية البرلمانية. ودخلت التشكيلة الجديدة أحزاب اتحاد قوى التقدم والتحالف الشعبي التقدمي الذي كان ممثلا في الحكومة الأولى و"تواصل"، بثمان وزراء في حين عين أربعة وزراء من الحركة الوطنية الديمقراطية التي تشكل امتدادا لاتحاد قوى التقدم كممثلين لحزب "عادل"، بالإضافة إلى الوزير الأول يحي ولد أحمد الواقف وهو ناصري. دون أن يجدوا حرجا من استمرار الحكومة في إقامة علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني. بهذا التوليفة الوزارية ظهرت ولأول مرة في التاريخ ديمقراطية بأقلية حاكمة وأغلبية في المعارضة. ولد -إذن- هذا الوضع المختل، ولأول مرة في تاريخ البلد صراعا بين جيل سياسي قديم، يستمد شرعيته من ايديولوجيات أجنبية ذات تاريخ طويل في العمل السري والتحالفات مع الأنظمة العسكرية المتعاقبة وجيل سياسي جديد، يدين فقط لصناديق الاقتراع التي جاءت به، تمثل في نواب الجمعية الوطنية.

    إن هذا الصراع الذي مازالت تدور رحاه تحت قبة الجمعية الوطنية ويعطيها حيوية وفاعلية أكثر من زميلتها قبة مجلس الشيوخ، ليدفع إلى طرح التساؤل حول مستقبل الجمعية الوطنية التي ستفرزها الانتخابات التشريعية المقبلة.

    إن الأحزاب السياسية القائمة على أنقاض الحركات الأيديولوجية توجد اليوم في وضع لا تحسد عليه. من ناحية فقدت حليفا مهما يتمثل في المؤسسة العسكرية بل أصبحت أشد أعدائه ومن ناحية أخرى سلبت العديد من الملفات التي كانت تتبناها مثل مناهضة العلاقات الموريتانية الإسرائيلية ومحاربة الفساد، والدفاع عن الطبقات الفقيرة التي أصبح في الحلبة السياسية رئيس، يعتمد عليه جيل السياسيين الجدد، يتسمى بها.

    إن الطبقة السياسية العتيدة أشبه اليوم بمحارب يخوض حربا بسلاح بلا ذخيرة. في ظل وضع كهذا يبقى لزاما على متتبعي الشأن المحلي الانتظار لمعرفة ما إذا كانت الطبقة السياسية العتيدة قادرة على قلب موازين القوى والعودة بقوة إلى دهاليز الجمعية الوطنية، أم أن الغلبة ستكون لجيل السياسيين الجدد. ريثما تتضح الأمور تبقى أنفاس الموريتانيين محبوسة إلى أن تنطق صناديق الاقتراع وتتضح معالم البرلمان الذي ستحمله عواصف الانتخابات.

  • هل كانت موريتانيا بحاجة لجذوة البوعزيزي؟

    26 آذار (مارس) 2011

    محمد عبد الرحمن محمد فال إعلامي موريتاني

    هل كانت موريتانيا بحاجة لاشتعال جسد "البوعزيزي" الذي وصلت شرارته بعض العواصم العربية و أطاح بحكام وهدد عروشا وعلى سنا جذوته تتشكل اليوم لوحة مستقبل للوطن العربي ؟.

    الأمر الذي حول "البوعزيزي" من مواطن تونسي مغمور مقهور إلى رمز ليقظة الشعوب العربية التي علمها كيف تقول لا لأول مرة في تاريخها المفعم بالقمع والخنوع والتدجين ،وعلمها كيف تتهجى تلك الحروف السحرية الأربعة ( ا ر ح ل )

    وعلمها كيف تغني لا في النوادي والملاهي الليلية بل في الشوارع العامة والميادين بتلك المقطوعة التي لم تطربنا السيمفونيات العربية حتى تلك الثورية منها بمثلها أبدا ألا وهي "الشعب يريد....."

    وبخصوص السؤال أعلاه في اعتقادي المتواضع أننا في موريتانيا لم نكن بحاجة لاشتعال جسد "البوعزيزي" حتى نكتشف ان وضعنا ليس سويا ،فموريتانيا فعلا ليست تونس ولا مصر ولا مملكة ملك ملوك إفريقيا ولا اليمن و لا البحرين ولا و لا... كما تفضل بذلك الكثير من كتاب "البلاط" مؤخرا واصفين " حركة شباب بلوكات" بالغوغائية والببغاوية حيث يحالون إسقاط واقع دول أخرى على موريتانيا.

    وذلك في ترديد ببغاوي من أوليك الكتاب لكلام رئيس الجمهورية حين فسر حادثة شهيد الوطن يعقوب ولد دحود "بحاجة في نفسه"..

    صحيح ان موريتانيا ليست كتلك الدول التي تمارس القمع ضد مواطنيها وتقصيهم من المشاركة السياسية في شؤون البلاد، لان تلك الدول ببساطة تجاوزت منذ زمن بعيد مراحل تأسيس الدولة "ببنيتها التحتية ومفهومها السيادي" . لا تفتقر تلك الدول لأساسيات البنى التحتية ، ولا تعاني من غياب فكرة مفهوم الوطن ورمزيته في أخيلة مواطنيها و حكامها.

    قبل فترة حدثني دبلوماسي عربي انه في موريتانيا بكى مرتين الأولى عندما حلقت به الطائرة فوق نواكشوط لأول مرة الساعة الرابعة عصرا حيث ساورته شكوك ان سكان الأكواخ التي تحته ينتمون لفصيلة البشر فبكى من شدة الخوف،والثانية عندما غادر موريتانيا بكى من طيبوبة و "عفوية" سكانها.

    لم يبذل حكامنا السالفون –سامحهم الله أو لا سامحهم - ابسط اهتمام بالتنمية القاعدية للدولة بل ظلوا و"هياكلهم" ينهبونها محققين تألقا أسطوريا في ظاهرتين اثنتين هما التجبر والتحايل.

    وظل الرؤساء يقولون ان "البلاد بخير مقارنة مع البلدان المجاورة" ولا ادري ما ذا يقصدون بهذه العبارة لكنها بكل تأكيد لا تحمل شحنتها اللغوية.

    كانت وسائل الإعلام الرسمية ولا تزال تمج أسماعنا بعبارات مستهلكة من بينها عبارة "معركة التنمية" والواضح ان المقصود هو تلك المعركة التي كانت دائما تحسم " لمصالح " المسؤول رئيسا كان أو وزيرا أو مديرا .

    إذن نحن كنا وما زلنا نحارب التنمية لا نحارب معوقاتها لان القابعين في دائرة القرار هم اكبر عائق أمام التنمية. ومن هذا المنطلق لا نستغرب ان كانت البنية الاقتصادية هشة ومتهالكة رغم تنوع وجودة وضخامة الموارد الاقتصادية للبلاد.

    فإذا كان المواطن هو غاية ووسيلة التنمية في تعريفه لدى بعض البلدان حتى غير الديمقراطية، فان حكام موريتانيا لم يحاولوا الاستثمار في الطاقات البشرية الموريتانية ولم تحضر بأذهانهم أفكار من هذا القبيل وبالتالي كانت المناصب والمواقع الحساسة تستحق بمنطق "على أشكالها تقع الطيور" فالكفاءة المعتبرة هي الإبداع في إتقان" التطبيلوجيا" و طلاسم"سر الحرف"(التجسس) حسب معجم صحافتنا الساخرة (طبعا مع استثناءات معدودة و "محسوبة").

    وكأني بحاكم هذه البلاد ينتشي كل صباح بعد الإطلاع على التقارير الأمنية الروتينية قائلا "أنا الدولة والدولة أنا" وسوانا لا شيء، مستحضرا نظرية ذلك "الفيلسوف" الذي يرى انه إذا شرب من البئر فلتتدهور وليمت الجميع عطشا ،( وهي نفس النظرية التي يطبقها ملك ملوك إفريقيا حاليا على آبار النفظ في ليبيا).

    في ظل حكام كهؤلاء لا معنى للحديث عن التنمية كما انه لا معنى للحديث عن الديمقراطية أما الحديث عن مفاهيم الوطنية فانه جنوح خيالي يفسر لدى الحكام "بالمعارضة والشغب" ولدى عامة الناس يفسر "بالثقافة" التي هي ملمح من ملامح السخرية لدى مجتمع طال تدجينه.

    إذن نحن أمام دولة بطاقة ميلادها كدولة مستقلة حررت قبل خمسين عاما ولحد هذه اللحظة لم تتوفر فيها مقومات الدولة الحديثة ولا تحمل مؤشرات الصمود أمام الهزات التي عصفت ببلدان مرت بتجارب مشابهة.

    فهل كان علينا انتظار ثورة "البوعزيزي" حتى نقوم لأنفسنا ونستشعر ما نحن فيه من خطر يهدد كياننا كوطن وكشعب ؟

    وهل علينا ان نستمع لمهاترات القائلين ان الثورات العربية بدأت بثورة 2005 التي أطاحت بالرئيس ولد الطايع على يد خاصة خاصته الأمنيين من حراس وغيرهم.؟؟ (ولعله فات من عارضوا الانقلاب الأخير ان يزايدوا بدورهم بأنهم أول شعب عربي يقف في وجه حاكم عربي يطالبه بالرحيل)

    وهل علينا ان ننتظر وصفات سحرية لوجعنا التنموي من نظام لا يختلف في " أسباب النزول على الكرسي" عن سابقيه فكيف له ان يختلف معهم في طريقة التفكير؟ فمنذ نهاية سبعينيات القرن الماضي ظلت أسباب نزول الحكام في هذا الوطن عسكرية لا "مدنية" بما في ذلك أسباب نزول الشيخ المدني الوقور قبل ثلاث سنوات باعتراف من انزلوه وأزالوه.

    الم يرفع النظام الحالي شعار محاربة الفساد والمفسدين فكيف نصدق ذلك وهو يحتفظ بتشكلة كاملة من حكومات ولد الطايع اغلبها يجلس في الكراسي الدبلوماسية لموريتانيا والباقون في مواقع حساسة وحيوية وثمة من لهم " مواقع" أخرى..!!

    ثم أليس من العبث المذموم تعليق الآمال الخماص على معارضة يعترف رمزها الأبرز – رغم نزاهة فكره ويده- بالانقلابات العسكرية بل ويدعمها "بدون شرط أو قيد" تما ما كما تدعمها غالبية "نواب الشعب" وهي – الانقلابات- التي دمرت كل مشاريع النهوض التنموي في البلاد ونسفت كل مفاهيم الديمقراطية وشعاراتها غير الورقية ؟ ألا تضم هذه المعارضة هي الأخرى اشهر "ديناصورات" الفساد الذين عبثوا بالدولة ومواردها بالأمس القريب ؟.

    من يضحك على من إذن في هذه البلاد ؟ أما ان لنا ان "نمسح الطاولة"؟

    اعتقد انه آن الأوان للمصارحة والمطارحة في الشأن الوطني وبكل نزاهة وشجاعة، نحن الآن لا " نلعب" في الوقت الضائع بلغة أهل الرياضة بل "نلعب" خارج دورة الزمن الطبيعي للدول والشعوب.

    جميعنا مواطنين ومسئولين كل من موقعه وواقعه يتحمل مسؤولية كبرى من ما حصل من ردح تنموي وعبث سياسي في هذه الدولة منذ الاستقلال وحتى اليوم.

    القادة فضلوا الانفراد بمتعة السلطة ونشوة التسلط ، والسياسيون فضلوا لعبة المصالح الآنية الرخيصة ،والعلماء انقسموا ما بين معتكف في محرابه أو زاويته منزويا عن دولة النصارى وفتنتها، وبين مبايع "يفتي ..يفتي"... "تحت الطلب" وقبله أحيانا، ويحثنا مشكورا ليلا ونهارا على طاعة ولي الأمر، وهو في نظره كل من تغلب بحق القوة لا قوة الحق صالحا كان أو طالحا.

    أما الصحافة الوطنية الجادة على قلتها وضعف مواردها فتنقصها الجرأة والتجرد في مناقشة القضايا الوطنية الكبرى ولعلها معذورة إلى حد ما في بلد لا يراد للصحافة فيه ان تكون.

    والأخطر من كل هذا وذاك وهو ما يجب ان نعترف به هو ان ولاءنا الحقيقي لم يكن يوما للدولة الموريتانية بل كان للقائد حتى ولم لم يكن "قائد" موريتانيا.

    كل قادة العالم "المهتمين" بنا.. أو من "نهتم"... نحن بهم!! لهم إتباعهم وأذنابهم وعناصرهم وإخوانهم وشيعتهم ورفاقهم ومواليهم ومواليدهم وحتى "مليشياتهم" في هذه البلاد، لدرجة ان الأمر أصبح مباحا ومدعاة للتبجح والتملق والمباعية حتى في الإعلام ، وأكثر من ذلك لدرجة تعيين عناصر في الحكومة بتوصية من بلدان أجنبية أو على الأقل لا غبار على علاقات تلك العناصر بتلك البلدان.

    موريتانيا المسكينة وحدها لا ولاء لها ولا ذمة في أعناق أبنائها ، انه وضع مذل ومخجل ولا يشي بمستقبل مشرق على هذه الأرض التي وصل بها المطاف لهذا المستوى من الهوان على أبنائها

    لقد هزلت حتى بدت من هزالها عراها وحتى سامها كل مفلس

    هل نحن في سكرة عمهين محجوبون عن واقعنا ووقائعنا وكان لا بد لهذا "البوعزيزي" ان يحرق نفسه من اجلنا لا من اجل بلاده لكي ننتبه، تماما كما هو الحال للشعوب العربية الأخرى ؟ أليس في علبتنا من يكفي من الكبريت ؟

    الم نخرج أو – بالكاد نخرج - لتونا من أزمة دستورية كادت ان تحولنا إلى صومال المغرب العربي – لا قدر الله- الم تسمعوا مؤخرا مسؤولا تونسيا ساميا يصرخ محذرا بني وطنه من مغبة "مرتنة" تونس؟ الم يؤلمكم ذلك النداء؟

    هل تتذكرون ان العالم كله تباهى بنا لما ضحكنا عليه بتجربة ديمقراطية شفافة ،وضحك علينا لما كشفنا عن وجهنا الطبيعي من جديد ،أي لما "عادت حليمة لعادتها القديمة"

    بكل تأكيد اجزم ان هناك من لا يروق لهم هذا الكلام ولن يتفقوا مع رؤيتي لأوضاع البلاد خاصة بعد الانجازات "البلدية" المهمة التي تجسدت على ارض الواقع مؤخرا(الطرق ، الحنفيات ، القطع الأرضية)

    وقد يتهمني أحسنهم ظنا بالتشاؤم أو التحامل ، ان سلمت من تهمة "حبوب الهلوسة"، لكن من تجرد من "المؤثرات" المصلحية "الآنية" حزبية كانت أو وظيفية أو زبونية سيدرك أنني ما كتبت سوى الحقيقة غيرة وتوجسا على وطن لا وطن لي وله سواه.

    يغمى على المرء في أيام محنته ( أو دولته)

    حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن

    ولكي ابدوا متفائلا لا بد من التنويه والإشادة برجالات مخلصين من أبناء هذا البلد وهم كثر في مختلف مؤوسساته المدنية والعسكرية لكنهم كما يقال جنود مجهولون يسيل عرقهم ودمهم في سبيل هذا الوطن لكن لا احد يقدر ذلك حق قدره ومقداره العظيم ولا هم يطلبون بذلك قربا أو جاها حسبهم السلامة من تأنيب الضمير على التقصير في حق الخالق و الوطن وكل ما سوى ذلك يهون على هؤلاء.

    كما لا ننفي انه خلال العقود المنصرمة كانت هناك مبادرات للإصلاح تحمل مؤشرات النجاح لو حملت معها إرادة التجسيد ، لكن أصحاب "التوجيهات النيرة" كانوا يتراجعون بسرعة البرق عن تلك المبادرات تحت تأثير وتزوير بطانتهم السيئة.

    ولا أظن ان أحدا يكابر مهما كانت مواقفه في بعض النوايا الحسنة المفعمة بروح الوطنية للرئيس الحالي خاصة ما عبر عنه عدة مرات من تألم لواقع البلاد ، لكن منهج التسيير المعتمد حاليا لن يأتي إلا بنتائج معاكسة لتطلعات فخامة الرئيس.

    فمن يجالس أعضاء الحكومة الحالية أو كبار المسؤولين سيكتشف بسرعة ملاحظتين جوهرتين أولاهما ان هؤلاء مرعوبون من ان تطالهم حمى التجريد المفاجئ أو التحويل القسري إلى سجن دار النعيم بحق أو بغير حق.

    أما الملاحظة الثانية فهي ان هؤلاء لا يتمتعون بأبسط الصلاحيات، فكل الأمور ممركزة "هناك(...)" ووضع كهذا يربك الإدارة وارباك الإدارة نتيجته الحتمية تدني مؤشرات التنمية بل سبب مباشر لشلل الحركة الاقتصادية والتنموية للبلاد.

    لا مراء أننا كنا سنتفاءل أكثر لو ان رئيس الجمهورية أعلن لحظة تنصيبه رئيسا للبلاد قطيعة مع ما قبل تلك اللحظة باعتباره أصبح الرئيس الشرعي لكل الموريتانيين بمختلف فئاتهم ورؤاهم وابتعد عن تأثيرات "موريتانيا أعماقه" وغيرها من شعارات مرحلة التأزيم، كحرب الفساد التي تستهدف المغضوب عليهم من المعارضين والمواليين فقط دون سواهم ،مع أنني بهذا الكلام أبرأ إلى الله من ان تأخذني رأفة في لصوص واكلة المال العام مهما كانوا وحيثما ثقفوا،لكنني كغيري توقعت على الأقل الوفاء بتوزيع "المتوفر" من العدالة بعدالة على المواطنين.

    كما كنا ولا نزال سنتفاءل أكثر لو ان المعارضة أحجمت مشكورة عن تذكيرنا " باتفاق دكار" لرمزيته السيئة لتدويل أمور البلاد ، وجنحت للحوار الوطني تجاوبا مع رغبة النظام المعلنة منذ بعض الوقت فلا معنى في نظري لرفض الحوار خاصة في وضع سياسي متأزم كوضعنا.

    وما دام المشهد السياسي يتسم بحالة حوار الطرشان بين الأقطاب السياسية في البلاد بلغة "تهبط" غالبا لدى الطرفين إلى ما دون السوقية ، لا المح من ومضات الأمل سوى ما تبشر به "حركة الخامس والعشرين فبراير" التي فجرها الشباب الموريتاني ان سلمت من ما يحدق بها من محاولات النسف والإجهاض و الاحتواء من طرف كل الأطياف السياسية في البلاد سلطة وموالاة ومعارضة.

    لا شك ان هذه الحركة ان وفقت ستكون بادرة أمل حقيقية لانتشال هذا الوطن من غياهب المجهول.

    لكن ذلك لن يتأتى لشبابنا الميامين ما لم يمارسوا السياسة بكل مفاهيمها التنموية ويبتعدوا عنها بكل مفاهيمها السلطوية و النفعية ،و يقفوا على نفس المسافة من جميع الأطياف السياسية في البلاد.

    وسيكون نجاحهم مذهلا حقا ان تمكنوا من زرع وعي تنموي وسياسي مفعم بمفاهيم الوطن والمواطنة في قلوب وعقول ساكنة هذا المنكب البرزخي ، وعي بمقتضاه يصبح "الشعب يريد".. ساعتها سيقرر الشعب ما يريد.

  • قراءة في المشهد اليومي

    16 شباط (فبراير) 2011

    عالي ولد محمد حرمه

    بالوقائع التي تنقلها الصورة التلفزيونية الحية، أثبتت أحداث تونس ومصر أن الشعوب أرقى من أنظمتها، وأكثر تحضراً من أجهزة حكمها، وأشد نقاء في مشاعرها الوطنية وإحساسها بالانتماء، من كل الشعارات الكاذبة التي كانت ترفعها تلك الأنظمة، عن حماية حقوق المواطن وصون أمن الوطن والحرص على خيراته وثرواته؛ فيما هي تمارس العكس النقيض على أرض الواقع.

    عندما أبلغ الديكتاتور المخلوع زين العابدين بن علي أن مواطنا من سيدي بوزيد اسمه محمد البوعزيزي أحرق نفسه، قال: (فليمت). لم تتحرك فيه ذرة إحساس.. ولم يشعر بأدنى درجات المسؤولية كراع مسؤول عن رعيته. وعندما اشتدت الاحتجاجات والإضرابات، قام بن علي بزيارة البوعزيزي في المستشفى.. جامعاً أعتى مشاعر الإجرام مع أشد درجات النفاق والتظاهر الإنساني الكاذب.. أما الناس الشرفاء فقد تأثروا لمأساة هذا الشاب الذي أهينت كرامته وأغلقت سبل الرزق الشريف في وجهه... وثاروا مدفوعين بالشعور بالظلم، لم يسرقوا ولم ينهبوا، وتحملوا القتل والتعذيب والاستهداف بالرصاص الحي، وسقط منهم الشهداء، لكنهم ظلوا مؤمنين بحقهم في الحرية والحياة. فمن كان الأرقى: (الزين) الذي أسف الأخ القائد معمر القذافي لرحيله... أم الشعب (الهمجي) الذي لم يقدر جميل حكامه؟

    ***

    كافأ الشعب المصري قناة (الجزيرة) في وقفتها المشرفة مع ثورتهم، بتوجيه الشكر لها، ورفعوا اللافتات في ميدان التحرير، التي تحيي هذه القناة وتقدر جهودها... وحرصوا على التعاون معها في مدها بالصور والمعلومات ما أمكنهم ذلك بصورة حضارية، ولم يعاتبوها لأنها كانت تستضيف ممثلين عن النظام كي ينقلوا وجهة نظرهم. أما النظام المصري فرغم كل ما قدمته له قناة (العربية) ورغم السلوغونات الشاعرية التي صنعتها من خطاب مبارك، ورغم الأكاذيب والأضاليل التي روجت لها بحق المتظاهرين الشباب، متماهية مع خطاب الإعلام المصري الرسمي، فإن النظام المصري وبلطجيته، لم يحتملوا أن تنقل (العربية) جزءاً من الحقيقة لحفظ ماء الوجه... فكافأها بإهانة طاقمها وإطلاق كلابه للتهجم على مكتبها، من دون مراعاة لأي قيم في التعامل مع الإعلام... فمن كان الأرقى.. الشعب (الغوغائي) الذي يريد للجزيرة أن تكون صوته، أم النظام (المتحضر) الذي يهين حلفاءه، لأنهم قرروا أن يكونوا (نصف أتباع) لا أتباعاً كاملين؟

    *** خرج علينا احد شبابنا.. مستنكرا عرض التلفزة الوطنية (ياله من اسم كئيب) لصور مسّت من مشاعره ومشاعر اطفاله.. نعم،الإنسانية و الّنبل في الطرح امران لابدّ منهما وحرمة الميت مهما كانت اسباب وفاته صانها الدين الإسلامي.. لكن.. ما هكذا تؤكل الكتف.. ما هكذا يقتص غريم من غريمه.. يا هذا.. أقسم بمن رفع السماء بلا عمد بأنني ضمن الملايين من أبناء هذا الوطن الغالي فداء له ولكل شبر من أرضه ولكل روح تتنفس هوائه.. إن كنت مخاطبا حماقة الخوارج الغوغاء ومحفزا حقدهم القديم على كل ماهو حضاري فاعلم أن صدورنا من دونك يا وطن..

    ما هذا التخبط ؟ ماهذا الحقد ؟ ما هذا التدنّي في الاسلوب ؟ ما هذه الإستماتة في التقّوت على كل ماهو مباح ومحرم.. أسفي وحزني شديدين.. معارضة تضرب تحت الحزام كل شيء لديها مباح.. وموالاة معوّقة تقول

    كل شيء إلا الحق وتسكت عن كل شيء إلا الباطل..

    صدق من قال يوما..

    حب الوطن ما هو مجرد حكايه ..... أو كلمة تنقال في أعذب أسلوب

    حب الوطن إخلاص .. مبدأ وغايه ..... تبصر به عيون وتنبض به قلوب

  • جنوب الســـــــــودان: الاستفتاء لن يكون نهاية المطاف؟

    16 شباط (فبراير) 2011

    أحمد مصطفى سفير موريتانيا سابقا بالسودان

    ما زلت أذكر عبارات الفريق سلفاكير ميارديت نائب رئيس جمهورية السودان رئيس حكومة الجنوب ورئيس الحركة الشعبية، خلال زيارة المجاملة التي أديتها له بالخرطوم يوم كنت سفيرا لموريتانيا... قال الفريق ممازحا بعربية أهل جوبا "لا تكن كغيرك من الشناقطة الذين يطيب لهم المقام في الشمال، وقلما يجذبهم الجنوب... وأردف الفريق بأنه سمع عن عدد قليل عن الشناقطة التجار أقاموا ببعض مناطق الجنوب قادمين من دول إفريقية مجاورة وأمر بإكرام وفادتهم... لأننا نحتاجهم يقول سلفاكير واستفسر سلفاكير عن واقع موريتانيا وعن الديمقراطية وعن علاقاتها في ذلك الحين مع إسرائيل"، وبخصوص هذه العلاقة التي كان يوليها أهمية خاصة قال سلفاكير وهو يربت على كتفي "الدول لا عواطف لها، الدول لها مصالح... استعينوا على أموركم بالكتمان... فالكل يتعامل مع إسرائيل والعلاقات من أي نوع كانت ما هي إلا شكل من أشكال إدارة الصراع...".

    وبقدر ما كانت ملاطفات الرجل هادفة إلى إزاحة الكلفة وإشاعة جو من الألفة بيننا كانت أيضا تعبيرا عن قناعة لمستها لديه ولدى قادة الصف الأول في الحركة الشعبية بأن الجنوب سائر نحو انفصال حتمي، ولكنه رغم ذلك لن يتنكر للشمال ولن يتنكر للتاريخ والجغرافيا، بل سيكون في أمس الحاجة إلى العرب بأموالهم وعقولهم واحتضانهم. فالإنفصال لن يكون نهاية المطاف، بل ربما يكون بداية علاقات جديدة أكثر واقعية مع شمال السودان وعبره مع العالم العربي.

    حقائق لا يمكن تجاوزها

    من يقرأ الحقائق على الأرض يدرك خصوصية الروابط وتشعبها بين الشمال والجنوب على كافة المستويات، فالنفط يقع في مناطق التماس بين الجنوب والشمال خاصة منطقة أبيي التي سينظم استفتاء مصيرها لاحقا لاستفتاء الجنوب والتي نص البروتوكول الخاص بها الذي لم يطبق بعد، كما نصت تفاهمات لجنة رسم معالم حدودها على أن 39% من حقول نفطها باقية ضمن الشمال يضاف إلى ذلك أن كل أنابيب النفط متجهة نحو الشمال نحو بورسودان على البحر الأحمر ومناطق التخزين في الشمال ومناطق التكرير هي الأخرى في شمال السودان، فتدفق نفط الجنوب عبر الشمال يمثل الخيار الاقتصادي الأنجع لتوفر شبكة الأنابيب في مناطق آمنة، ثم إن البدائل الأخرى كميناء جيبوتي وميناء مونباصا بعيدة، ولا تتوفر شبكة لضخ النفط نحوها، وإن توفرت فكلفتها ستكون باهظة وستمر عبر مناطق لا توفر الأمن الكافي، وإذا أضفنا إلى موضوع الأنابيب موضوع التكرير وتواجد محطاته في الشمال وحاجات الجنوبيين الفورية للنفط المكرر لأدركنا أن النفط سيكون ورقة تكامل وتعاون بين جنوب السودان وشماله مع أرجحية كفة الشمال.

    وضع اجتماعي وقبلي هش

    سيكون تصويت الجنوبيين للانفصال نهاية مرحلة استطاعت فيها الحركة الشعبية تحقيق قدر من إجماع الجنوبيين ولو ظاهريا على خيار الانفصال، ومواجهة الشمال، أما وقد تم الاستفتاء وكشفت الأوراق، فإن المكاشفة لكي لا نقول المواجهة ستصبح جنوبية - جنوبية، وهنالك من البهارات ما يجعلها متفجرة كل حين.

    فعلى المستوى القبلي سيشتد التنافس بين الدينكا والنوير وسيجد الشولك ومجموعة القبائل الاستوائية أنفسهم أمام مواجهة هيمنة الدينكا المرفوضة محليا، وستشكل لمسيرية وغيرها من القبائل العاربة والمستعربة والنيلية والنوبية عمقا قبليا مؤثرا وصعب المراس.

    ويتوقع أن يتأجج الصراع السياسي بين المكونات الجنوبية (حوالي 20 حزبا سياسيا)، لم تعد لديها يافطات خارجية تدفعها لتوحيد المواقع ظاهريا ، بل ستتواجه داخليا، وستتصارع حول تقسيم كعكة الانفصال، وقد بدأت بالفعل هذه المواجهات، ولن يكون آخرها تمرد الجنرال آلتور الذي انفصل عن الجيش الشعبي بكتائب مسلحة والذي أضطر سلفاكير بدل معاقبته إلى مكافأته بتوقيع اتفاق تهدئة معه ودفع رواتب متمرديه.

    ولا يستبعد أن يكون خروجه بداية تمرد وخروج قادة جنوبيين آخرين مما سيخلق حالة من الفوضى قد تفضي إلى اقتتال يضعف الدولة الجديدة ويجعلها تحت رحمة جيرانها المباشرين.

    وعلى ذكر الجيران بدأ يطفو على السطح بشكل لافت تناقض المصالح اليوغاندية والكينية، فاليوغانديون بدعم إسرائيلي هم من دفعوا بقوة في اتجاه الإنفصال والكينيون هم من يتطلعون بدعم الأمريكيين إلى اقتناص ورشة بناء دولة ناشئة كثيرة الموارد وعاجزة عن تدبير شؤونها الاقتصادية والخدماتية، وربما الأمنية.

    وهنالك لاعبون آخرون فإسرائيل موجودة بسلاحها ومخابراتها وصناعاتها ولوبياتها، وقد عملت بنفس استيراتيجي طويل على تقليص خارطة الوطن العربي والوصول بطريقة ملتوية إلى منابع النيل، ومن خلالها إلى التحكم في موارد المياه الإفريقية الهائلة في مستهل عصر الماء الذي يتوقع أن تكون الغلبة فيه لمن يتحكم بمصادر المياه ويسخر التكنولوجيات المتقدمة لاستخراجها وتسويقها.

    الدور المصري والعربي: هواجس وإخفاقات

    أقل ما يقال إن المصريين لم يواكبوا مجريات الأحداث من خلال وضع تصور استيراتيجي لمتغيرات الأوضاع، رغم حيوية الموضوع بالنسبة لهم وتعلقه المباشر بمياه النيل وبحيات مصر التي كانت وستظل كما وصفها هيرودوت هبة النيل، وعدم وضوح الرؤى المصرية ألقى بظلال ثقيلة في الماضي على مسار الأحداث فاتهام السودان وبعض أجهزتها بالوقوف خلف مهاجمة موكب الرئيس حسني مبارك بأديس بابا وما نجم عنه من مواقف مصرية ضاغطة على الشمال أدى في ذلك الوقت إلى كشف ظهر الحكومة السودانية، وزادت مصر من ضغطها في مناطق حدودية أخرى كمنطقة حلائب المتنازع عليها، وقد تكون هذه الضغوط المصرية أدت من بين أمور أخرى إلى دفع الحكومة السودانية مكرهة في اتجاه توقيع اتفاقية السلام التي أدت إلى الإنفصال.

    وبين الأمس واليوم جرت مياه مصرية كثيرة تحت الجسور... وتحاول مصر جاهدة اللحاق بقطار الإنفصال الجنوبي، وقد سبقت الإنفصال بفتح قنصليات ومكاتب تجارية وبنت مستشفيات وجامعات واستقبلت آلاف الطلاب الجنوبيين ووعدت بتدريب ضباط الجيش والشرطة، تقوم مصر بكل ذلك وعينها على منسوب المياه المتدفقة عبر النيل، فهنالك دولة جديدة تولد على مجرى النيل وتتحكم في أحد أهم روافده وهذا واقع يمس الأمن الاقتصادي والسياسي المصري في الصميم.

    وإلى جانب الدور المصري يتواجد العرب بصورة غير منظمة فالمقاولات اللبنانية موجودة، وبدأ القطريون والإماراتيون والسعوديون يتجهون بصورة محتشمة نحو الجنوب تفاديا لإحراج الخرطوم التي ظل خيار الوحدة خيارها المعلن.

    متغيرات ما بعد الإنفصال

    بعد انقشاع زبد نشوة الإنفصال يجد الفرقاء أنفسهم في مواجهة واقع جديد ومتغيرات جديدة، فالدول الغربية الراعية للانفصال كفرنسا والولايات المتحدة وابريطانيا ستحاول شركاتها النفطية إزاحة الهيمنة الصينية على قطاع النفط وسيندلع صراع شركات ساخن يتوقع أن يخوضه الصينيون بقوة انطلاقا من مواقعهم كمستغلين فعليين لنفط الجنوب وكقوة اقتصادية تحتاجها أوروبا لتمويل عجزها الهيكلي المتصاعد وتحتاجها الولايات المتحدة لشراء سندات خزينتها المتراكمة، لذلك يتوقع أن تكون إزاحة الصينيين صعبة وقد يقتصر الموضوع على منافستهم والدخول معهم في شراكات تصون مصالح الصينيين والغربيين بصورة لا تتحكم فيها حكومة جنوب السودان الناشئة المحتاجة للسيولة مهما كان مصدرها.

    وعلى المستوى الديني قد يتحول الصراع من بعده المسيحي الإسلامي الذي رعته الكنيسة المسيحية لقرون خلت إلى صراع تبشيري لتنصير السكان الوثنيين الجنوبيين الذين يقدرون بـ40% من سكان الجنوب.

    كذلك يتوقع أن تنتشر شرارة تغيير الحدود الموروثة عن الاستعمار لتصل مناطق أخرى بإفريقيا ويصعب التكهن بإنعكاسات الإنفصال على صراعات متأججة تشهدها عشرات الدول الإفريقية (نيجيريا- الكونكو - السينغال.... إلخ)، وسيكون على الهيئات الإفريقية وخاصة الإتحاد الإفريقي أن تجري مراجعات مؤلمة لكل نصوصها ومواثيقها، وسيكون عليها أن تبذل جهدا خارقا لكبح نزعات انفصالية قبلية ومافيوية وأتنية تجتاح قارة لم توفق في تحقيق التنمية والإندماج.

    هل يمكن احتواء الآثار السلبية للانفصال؟

    أمام العرب فرصة تاريخية لن تتكرر لتدارك الأمور من خلال احتواء الإنفصال بدعم السودان دعما كاملا والمبادرة إلى وضع خطة مارشال عربية اقتصادية وسياسية يكون هدفها دعم مقومات التكامل والتفاهم بين دولة شمال السودان ودولة الجنوب، فما فات في السياسة يدرك بالمصالح الاقتصادية والجنوب أرض بكر تسيرها دولة ناشئة تحتاج إلى كل الدعم لتلبية الحاجات وملء الفراغات التقنية والإدارية للحيلولة دون ارتماء الدولة الجديدة وسقوطها ثمرة يانعة في أيادي متربصة لا تريد الخير للعرب وعملت ما وسعها ذلك من أجل بلوغ يوم الإنفصال.

    فليعمل العرب وفي طليعتهم السودانيون والمصريون لكي لا يكون الإنفصال نهاية أو غواية، بل بداية جاذبة لبناء علاقات وشراكات قائمة على المصالح والمنافع المتبادلة، فالعالم يتشكل في كرتلات ومجموعات مصالح اقتصادية إقليمية، وجنوب السودان مجاله الحيوي والاقتصادي هو العالم العربي والإفريقي ومحكوم على هذين العالمين بالتكامل، وقدر السودان بشماله وجنوبه أن يكون بؤرة هذا التكامل وقلبه النابض، فلندعمه بمقومات التحليق بجناحين قويين نحو بر التكامل والتعايش والأمان.

... | 10 | 20 | 30 | 40 | 50 | 60 | 70 | 80 | 90 |...