الصفحة الرئيسية
أخبار
مقالات
مقابلات
تحقيقات
تحاليل
من نحن
اتصل بنا

  • ملاحظات أولية حول عدم قابلية تسليم السنوسي

    30 آذار (مارس) 2012

    ذ. محمدٌ ولد إشدو

    يدور اليوم جدل ساخن في الساحة الموريتانية والعربية والدولية حول مسألة مشروعية تسليم ضيف موريتانيا الثقيل السيد عبد الله السنوسي الذي تسور عاصمتها في جنح الظلام لاجئا إليها ومستجيرا بها، من الذين يطلبون القبض عليه بحق أو بغير حق.

    وعلى الرغم من أن بعض العاملين في الحقل القانوني والمتأثرين بثقافة "حقوق الإنسان" على الطريقة الغربية الشكلية قد حسموا الأمر منذ الوهلة الأولى فأفتوا دون كبير عناء أو بحث أو تعليل بوجوب تسليم الرجل إلى من يريدون رأسه ولا هم يحزنون.

    إلا أن آخرين ما يزالون يحاولون التوصل من خلال ما بوسعهم من بحث، سواء أكان ذلك في المجال القانوني أو المجال الأخلاقي إلى موقف يكون أقرب إلى الحق والعدل وأحمى للشرف وأصون للأخوة وأقل إساءة إلى التاريخ والجوار!

    مسألة التسليم من الناحية الإجرائية

    بالرغم من تعدد الجهات المطالبة بتسليم الرجل إليها؛ وهي ليبيا، وفرنسا، وبريطانيا، ومحكمة الجنايات الدولية، ويجرى الحديث كذلك عن صدور بطاقة اعتقال من الشرطة الدولية (الأنتر بول). فإننا لا نعتقد أنه قد تم حتى الآن توجيه طلب تسليم مستوفي الشروط من أي من هذه الأطراف إلى الدولة الموريتانية. وذلك لما يتطلبه الأمر من إجراءات فنية دقيقة لا يبدو أن بعضهم يرى أنه في حاجة إليها ما دامت البضاعة في أيد موريتانية تعودوا ليها بسرعة في ماض قد لا ينتبهون إلى أنه ولى كغيره إلى غير رجعة.

    وفي حالة ما إذا كان مثل هذا الطلب قد تم توجيهه فعلا إلى السلطات الموريتانية، فإن الرد عليه لا يكون مباشرا وفوريا. بل يتطلب وقتا ودراسة وتمحيصا للملف بعد تعهد القضاء الموريتاني فيه؛ واتخاذ الرأي السيادي الأكثر انسجاما مع القوانين الموريتانية والاتفاقات الدولية الموقعة من طرف موريتانيا والأكثر ضمانا لمصالحنا وحفاظا على كرامتنا.

    وفي هذا المجال لا بد من التذكير بأن الشكل المطلوب حسب القانون الموريتاني هو طلب مكتوب موجه إلى الحكومة الموريتانية بالطريق الدبلوماسي، ومرفق بما يلي:

    • حكم أو قرار يقضي بعقوبة، ولو كان غيابيا.

    • أوراق الإجراءات الجزائية التي صدر بموجبها الأمر رسميا بإحالة المطلوب أمام القضاء الجزائي في البلد الطالب.

    • أمر بالقبض أو أية ورقة أخرى تقوم مقامه صادرة من السلطة القضائية في البلد الطالب.

    ويجب أن تتضمن أوراق الإجراءات أو أمر القبض أو ما يماثله بيانا دقيقا للفعل الذي صدرت من أجله تلك الأوراق وتاريخ ارتكاب ذلك الفعل.

    كما يجب أن تكون الأوراق المصحوبة بالطلب أصلية أو نسخا مصدقة.

    وبعد أن يتم تكوين هذا الملف بصورة صحيحة وسليمة وإبلاغه للحكومة الموريتانية كما ذكرنا آنفا، يتعهد به القضاء الموريتاني. ويكون الاختصاص بالبت فيه للغرفة الجنائية بالمحكمة العليا التي يمثل المطلوب تسليمه أمامها في أجل أقصاه ثمانية أيام. ويجوز منحه ثمانية أيام أخرى قبل المرافعات، وذلك بناء على طلب من النيابة العامة أو من المعني، ثم يجري بعد ذلك استجوابه ويحرر محضر بذلك وتكون الجلسة علنية ما لم يتقرر خلاف ذلك بناء على طلب من النيابة أو المطلوب.

    وتسمع أقوال النيابة العامة والمطلوب تسليمه الذي يجب أن يؤازر من طرف محام وترجمان. ويجوز أن يفرج عنه مؤقتا ـ إذا كان معتقلا ـ في أي وقت أثناء الإجراءات وفقا للقواعد. ثم "تقوم الغرفة الجنائية بالمحكمة العليا بإبداء رأيها المعلل في طلب التسليم. ويكون هذا الرأي في غير صالح الطلب إذا رأت المحكمة وجود خطأ جلي، وأن الشروط القانونية غير مستوفاة" (المادة 726 إجراءات). وهذا الرأي نهائي وغير قابل لأي طعن. وتجب إعادة الملف إلى وزير العدل في أجل ثمانية أيام.

    وفي الحالة المغايرة، أي إذا أصدرت الغرفة الجزائية بالمحكمة العليا رأيا مسببا بالتسليم، "يعرض وزير العدل، لتوقيع رئيس الجمهورية عند الاقتضاء، مرسوما بالإذن بالتسليم، وإذا انقضى أجل شهر من تاريخ تبليغ هذا المرسوم إلى حكومة الدولة الطالبة دون أن يقوم ممثلوها باستلام الشخص المقرر تسليمه، يفرج عنه.

    وفي هذا المجال لا بد من التذكير بأن اعتقال السيد عبد الله السنوسي على التراب الموريتاني غير شرعي إن لم يكن سببه ارتكابه على التراب الموريتاني فعلا يجرمه القانون الموريتاني؛ ما لم تراع فيه ترتيبات المادة 729 إجراءات التي تنص على ما يلي: "يجوز للمدعي العام لدى المحكمة العليا، في حالة الاستعجال، وبناء على طلب مباشر من السلطات القضائية للدولة الطالبة، أن يأمر بالقبض المؤقت على الأجنبي (المطلوب تسليمه) وذلك إذا أرسل إليه مجرد إخطار، سواء بالبريد أو بأي طريق من طرق الإرسال الأكثر سرعة، التي يكون لها أثر مكتوب مادي يدل على وجود أحد المستندات المبينة في المادة 719.

    ويجب أن يرسل إلى وزارة الخارجية في الوقت ذاته إخطار قانوني عن الطلب بالطريق الدبلوماسي أو البريد أو البرق أو بأي طريق من طرق الإرسال التي يكون لها أثر مكتوب. ويجب على النيابة العامة أن تحيط وزير العدل مباشرة علما بالتوقيف".

    مسألة التسليم من الناحية الجوهرية

    ومن الناحية الجوهرية، فإن تسليم السيد عبد الله السنوسي إلى طالبيه تقف دونه عقبات عديدة، حتى ولو توفرت صحة وسلامة إجراءات تقديم الطلب. من تلك العقبات على سبيل المثال ما يلي:

    1. فيما يتعلق بطلب محكمة الجنايات الدولية، فإن موريتانيا غير ملزمة بتلبيته، لأنها ببساطة ليست طرفا في اتفاقية روما المنشئة لتلك المحكمة. يضاف إلى ذلك ما تشتهر به محكمة الجنايات الدولية من ازدواجية في المعايير جعلتها لا تتابع سوى العرب وغيرهم ممن يناصبهم الغرب العداء. وعندما تجتمع العداوة والتحيز في الحَكَم تنتفي العدالة. وبالتالي يستحيل توفير المحاكمة العادلة التي هي شرط أساسي في قبول أي تسليم. ولموريتانيا سابقة مشرفة في عدم الاستجابة إلى طلبات محكمة الجنايات الدولية تمثلت في تجاهلها لأمر القبض الصادر منها ضد الرئيس البشير الذي قام بزيارة رسمية إلى موريتانيا.

    2. وقد ينطبق نفس الشيء على طلبي فرنسا وبريطانيا لأسباب من بينها، أن تصريحات كل من الرئيس ساركوزي ووزير خارجية بريطانيا السيد هيغ ظلت عائمة دون أن تذكر ارتكاب المطلوب تسليمه جريمة أو جنحة محددة يعاقب عليها القانون الموريتاني، واكتفيا بالقول إن المعني ركن من أركان نظام القذافي وهذا في حد ذاته اتهام سياسي ولا يشكل جريمة يعاقب عليها القانون. والأهم من ذلك بخصوص فرنسا التي تربطها بموريتانيا اتفاقية تعاون قضائي، أن الفقرة د من المادة 51 من هذه الاتفاقية قد نصت من بين الحالات التي يتعين فيها رفض التسليم على حالة "ما إذا كانت الأفعال المتابع بموجبه الشخص قد تمت خارج تراب الدولة طالبة التسليم، وكان الشخص المطلوب تسليمه أجنبيا على تلك الدولة، وكانت قوانين الدولة المطلوب إليها التسليم لا تسمح بالمتابعة على أفعال مرتكبة خارج ترابها من أجنبي". ومعلوم أن القانون الموريتاني لا يسمح بمتابعة شخص أجنبي على جريمة مرتكبة خارج التراب الموريتاني.

    3. أما الطلب الليبي فلا تتوفر فيه شروط القبول هو الآخر لأسباب عديدة منها:

    ـ أن تصريح رئيس الوفد الليبي المطالب بالتسليم يراوح حيث تصريحات الفرنسيين والانجليز، إذ قال "إن السيد السنوسي ارتكب جرائم ضد الشعب الليبي" دون أن يحدد طبيعة تلك الجرائم أو يبين أن القضاء قد اتصل بها. وفي هذه الحالة نكون أمام تهمة سياسية بغض النظر عن صحة إجراءات طلب التسليم. ومن المعلوم أن المادة 49 من اتفاقية رأس لا نوف المغاربية، والفقرة 2 من المادة 715 من مدونة الإجراءات الجنائية الموريتانية تُدخلان ضمن من لا يقبل تسليمهم حالة ما "إذا كانت للجناية أو الجنحة صبغة سياسية أو إذا تبين من الظروف أن التسليم مطلوب لغرض سياسي".

    ـ أن ليبيا التي نتمنى لها كل خير لا تتوفر فيها اليوم ضمانات إجراء محاكمة عادلة، لعدم قدرة الدولة الليبية على بسط سيطرتها وسيادتها على التراب الليبي، وعدم انتظام عمل مرافق الدولة بما فيها مرفق العدالة. ولعل المصير الذي لقيه القذافي أبرز دليل على ذلك. وكذلك مصير سيف الإسلام الذي ما يزال تحت رحمة الفصائل المسلحة.

    يضاف إلى كل ما سبق ما يمتاز به المجتمع الموريتاني من كرم ضيافة، وشهامة، ومروءة، تمنع تسليم اللاجئين والمستجيرين. وإن الدين الإسلامي والقيم الموريتانية تزخر بالنصوص والأمثلة على ذلك.

  • ظاهرة الإرهاب: الجذور والحلول

    30 آذار (مارس) 2012

    إعداد: الذكتور محمد الأمين ولد الكتاب

    قد لا تكون مقاربتنا لهذا الموضوع مقاربة خبير متمكن أو أخصائي متمرس، بقدرما هي مقاربة بسيطة ومبسطة تعكس و جهة نظر مثقف عادي حول هذه الإشكالية المعقدة و المتعددة الأبعاد. الواقع أننا عندما أجلنا التفكير في موضوع الإرهاب و جذوره وتلمسنا نوعية الحلول التي يمكن اعتمادها لمعالجته، تبين لنا أنه يمكن من منطلق منهجي صرف، تصنيف الإرهاب الى ثلاثة أنواع :

    - الإرهاب المسكوت عنه

    - الإرهاب المضاد

    - الإرهاب الملفق

    ومن خلال تعرضنا لإشكالية الإرهاب هذه حاولنا استظهار جذور الظاهرة مبينين العوامل الكامنة وراءها. كما تعرضنا لما اعتبرناه حلولا ملائمة لمعالجتها. و دعونا الآن نتوقف عند نوع الإرهاب الذي أسميناه:

    الإرهاب المسكوت عنه

    و يتجلى هذا الشكل من الإرهاب على الصعد الاقتصادية و الجييو سياسية و الفكرية و العقائدية.

    - فعلى الصعيد الاقتصادي يتمثل على وجه الخصوص في: السيطرة المطلقة للشركات المتعددة الجنسيات العابرة للقارات على الاقتصاد العالمي وفي اللبرالية المتوحشة الجشعة وفي العولمة الساحقة و في المضاربات القمارية برؤوس أموال تبلغ أرقاما فلكية ، مما أدى في نهاية المطاف إلى غلاء فاحش لأسعار مصادر الطاقة، قاد بدوره إلى تردي مئات الملايين من البشر في غياهب ثقب أسود من الفقر و الحرمان والشقاء و اليأس.

    و هذا النظام القائم على الجشع المفرط و الشره اللا متناهي و الأنانية العمياء والذي يستنزف موارد الأرض بإفراط شديد حاكما على سواد البشرية الأعظم بالفاقة و الخصاصة و المرض و التخلف يعتبر في نظرنا ضربا من الإرهاب يمارس ضد الإنسانية و يهدد سلامة الكوكب الذي تعيش عليه و قابليته للبقاء.

    - و على الصعيد الثقافي و الفكري: فإن البوح بالكراهية تجاه حضارة معينة أو منظومة فكرية و روحية محددة ، و مناصبة العداء لمرجعية ثقافية بعينها ، و الإعراب عن ضرورة تفكيكها و إعادة تركيبها حسب منظور معين ووفق معايير و مثل خارجة عنها و مناقضة لجوهرها . بل إن العنجهية والصلف و الشطط في التمحور حول الذات و إرادة فرض مسلكيات و أنماط عيش معينة على شعوب و أمم لها منظوماتها الأخلاقية و الروحية و لها مقوماتها الثقافية و الحضارية، يعد في تصورنا صنفا من صنوف الإرهاب يستدعي الرفض و المقاومة.

    - و على الصعيد الروحي و العقائدي: فإن تسفيه أية ديانة مهما كانت و التحامل على معتقداتها و النيل من طقوسها و التعرض لأماكن عبادتها و المس بشعائرها و مقدساتها و محاولة تغويل معتنقيها و التضييق عليهم و سوء معاملتهم و الاستهزاء و التشهير بأقدس رموزهم بدافع الحقد و النكاية وبمحض الرغبة في الإثارة و الاستفزاز الغير مبررين، هذه المسلكيات و الأيديولوجية الكامنة خلفها هي في اعتقادنا أحد تجليات الإرهاب الذي يولد الرغبة العارمة في الرد و الانتقام.

    تلكم في تصورنا هي صنوف الإرهاب الممأسس و الممنهج المسكوت عنه. و هي تتكئ على رؤى فلسفية و منطلقات اديولوجية و نظريات جييو استراتيجية تتسم بالنرجسية المفرطة و التزمت الشديد و الكليانية التامة.

    و هذه الممارسات والمواقف وكذا الإطار النظري الذي تسترشد به و تستلهمه و الذي يعمل على شرعنتها و إعادة إنتاجها هي التي تشكل الأرضية الملائمة و البيئة المواتية لاستنبات نوع آخر من الإرهاب و تغذيته ومده بالطاقة و قوة الدفع التي يحتاجها للترعرع و الاستشراء و الاستفحال.

    وهذا النوع من الإرهاب هو ما يمكن تسميته ب:

    - الإرهاب المضاد

    ويتأتى عن ردة فعل متوقعة و طبيعية للإرهاب الاقتصادي و السياسي والفكري و الروحي الذي أومأنا إليه آنفا، وهو الذي يشكل اليوم أكثر من أي وقت مضى الهاجس المؤرق للدول العظمى المتنفذة و الراغبة في استمرارية سيطرتها و تأبيد نفوذها . كما يشكل مصدر قلق لبقية دول العالم و عامل تهديد لأمنها و سلامة أراضيها و استقرارها الاجتماعي و السياسي.

    وإذا كان الوعي بنتائج و تداعيات الإرهاب المسكوت عنه ما زال ضعيفا نتيجة للتعتيم الإعلامي الممنهج الذي تتوخاه و سائل الإعلام المسيطر عليها من قبل المؤسسات التي أفرزتها الليبرالية المتوحشة و القوى المتنفذة التي تحكم قبضتها على العالم، فإن الإرهاب المضاد و تجلياته و تداعياته هي الشغل الشاغل و الهاجس الأول لهذه القوى و من يدور في فلكها . بل و لبقية العالم بأسره.

    ولا ريب أن لهذا الهاجس ما يبرره ذلك أن الإرهاب المضاد ينطلق هو الآخر من مسلمة مفادها أن العنف الأهوج و التدمير ألعشوائيي و سياسة الأرض المحروقة و عدم التمييز بين الأخضر و اليابس عند استعمال العنف، هو الرد الملائم و الجزاء المناسب و السلوك المواتي لظلم و تعسف و جبروت قوى التسلط و الاستكبار وكل من يعتبر مناصرا أو ظهيرا لها.ففي منظور هكذا تفكير، فان من لم يعلن الحرب المقدسة ضد القوى المتنفذة التي أشرنا إليها سابقا و من لم يدخل في مواجهة مباشرة معها ومن لا يسعى بكل الوسائل إلى إقامة نمط الحكم الذي يعتبره البعض مثاليا بامتياز، فأمه هاوية و هو مارق و عدو لدود يجب وكزه للقضاء عليه و تطهير الأرض من رجسه !!

    كما يجب أن يعمل بنفس الصرامة و الإصرار على محاربة أصحاب الملل و المعتقدات و المرجعيات الأخرى باعتبارهم كفارا ليس لهم بصفتهم تلك أي حق في الوجود.

    وفي هذا الموقف و في الفلسفة الكامنة وراءه تطرف و غلو و شطط لا يتماشى أي منها مع ما ينبغي أن تتصف به الأديان السماوية من رحمة و رأفة و تسامح تستهدف هداية البشرية و طمأنينتها و إسعادها.

    والظاهر أن ثمة علاقة جدلية بين الإرهاب المسكوت عنه إعلاميا و الإرهاب المضاد المحمول عليه بشدة من طرف و سائل الإعلام المعولمة ، مع العلم أن هذين النوعين من الإرهاب يغذي كل منهما الآخر و يذكي ناره ، مشكلين بذلك دوامة آخذة في الاتساع و ديناميكية تستمد طاقتها من ذاتها.

    وقد أدى هذا الصراع الشرس بين الإرهاب التسلطي المتعدد الأبعاد المسكوت عنه و الإرهاب المضاد الأعمى المحمول عليه إعلاميا و عسكريا، أدى ذلك إلى اعتماد سياسات الخلط و الافتراء و المغالطة من طرف قيادات و مؤسسات و إعلام الدول المتنفذة الممارسة للإرهاب في كل أبعاده التي أومنا إليها فيما تقدم.

    فبرز نتيجة لهذه الإستراتيجية ما أسميناه ب:

    - الإرهاب الملفق

    وهذا الشكل من الإرهاب يتمثل في الصورة المشوهة القائمة على التمويه و المغالطة و الافتراء التي تعمل القوة المتنفذة بكل ما أوتيت من وسائل على إلصاقها بكل أشكال الممانعة و أنواع المقاومة و الدفاع عن الحق في الحياة و الذود عن الحرية و الكرامة و الذب عن المقومات الحضارية وعن الهوية و الخصوصية.

    وذلك قصد تلطيخ سمعة المقاومين و النيل من مصداقيتهم و تبخيس قضيتهم و الحيلولة دون حصولهم على التعاطف و المساندة و الدعم عبر العالم.

    فمن المفارقة أن توصف أعمال نضالية تقتضي تضحيات جساما و بطولات رائعة بأنها أعمال إرهابية من طرف الإعلام الغربي المعولم و الموجه من طرف مؤسسات القوى المهينمة على العالم في حين يتم التعتيم المطبق على الاحتلال العسكري و التطهير العرقي و العقاب الجماعي و الفصل العنصري والتهجير الجماعي و الحصار و التجويع و الإبادة الجماعية و تدمير المنشآت و حرق الأخضر و اليابس في بعض أجزاء العالم و في مقدمتها فلسطين المحتلة.

    بيد أن هذا التمويه وهذه المغالطة لم يعودا يخدعان أحدا و لم يعد بالإمكان إخفاء الحقائق الصارخة إلا بالقدر الذي يمكن به إخفاء الشمس بغربال. كما أن الخطاب الإعلامي المغالط قد فقد مصداقيته ولم يعد بمقدوره تسويق الطروحات المغلوطة و لا تسويغ السياسات التسلطية العدوانية. و من لم يفهم هذا فهو على جانب كبير من العمى و عدم التبصر. و أمام هذه الوضعية البالغة التعقيد، فما هي الحلو – إن كان ثمة حلول – التي يمكن اعتمادها لمواجهة هذه الوضعية المأزومة؟

    - الحلول الممكنة

    إن الإرهاب إشكالية معقدة و متعددة الأبعاد و من ثم فإن الحلول التي ينبغي أن تواجه بها لابد هي الأخرى أن تكون مركبة و شاملة كي تأخذ في الحسبان مختلف العوامل التي أدى تضافرها إلى قيام هته الإشكالية.

    و هكذا فانه بات من الضروري أن يصار في المديين القصير و المتوسط على مستوى كل قطر من الأقطار العربية و الإسلامية إلى القيام بإصلاحات و تعديلات و تغييرات جوهرية تلامس الأصعدة السياسية و لاقتصادية و الاجتماعية وهذه هي الدوافع الجوهرية الكامنة وراء الحراك ألعالميي المطالب بالتغيير و الذي كان أهم تجلياته الربيع العربي الذي هوفي طريقه إلى تغيير ملامح المنطقة العربية.

    فعلى الصعيد السياسي لا مناص من اعتماد الديمقراطية التعددية لما تكفله من حريات فردية و جماعية و لما تؤمنه من مساواة و عدالة و إشراك للجميع في اتخاذ القرار و صياغة المصير لما تضمنه من عدم تهميش أو إقصاء لأية من الفئات و الحساسيات و الفعاليات المتواجدة على الساحة الوطنية في كل بلد بعينه.

    وعلى الصعيد الاقتصادي فانه بات من الضروري اليوم أكثر من أي وقت مضى ترشيد استخدام الموارد و المقدرات الوطنية و اعتماد الشفافية في تسيير المال العام و مراعاة العدالة و تكافؤ الفرص في توزيع الموارد و إقامة آليات فعالة للمساءلة و مراقبة توظيف مقدرات البلاد، وصولا إلى القضاء على الفقر وعلى الشعور بالاقصاء و الحرمان الذي قد يدفع إلى انزلاقات كثيرة لا تحمد عقباها.

    وعلى الصعيد الاجتماعي فانه تجب المحافظة على انسجام و تماسك النسيج الاجتماعي عبر صيانة الأسرة و حماية الأطفال و الارتقاء بمستوى المرأة و الحفاظ على القيم الاجتماعية و الاحتراز من المسلكيات الدخيلة الهدامة التي تحبذ الانحراف و الجموح و الإباحية و التفسخ و كل أشكال الشذوذ و الانحدار الأخلاقي و ذلك سدا لكل ذريعة و اتقاء لكل انزلاق.

    وعلى الصعيد الفكري فانه يجب العمل الممنهج على محو الأمية بجميع أشكالها و نشر العلوم و انسياح المعارف من خلال إقامة منظومة تربوية فعالة و ناجعة و من خلال ترقية و إعادة امتلاك تراثنا التليد و بواسطة تشجيع و دفع البحث العلمي الأساسي و التطبيقي في كل الاختصاصات سعيا إلى تهيئة الموارد البشرية المؤهلة ووصولا إلى إقامة مجتمع المعرفة الآخذ بأسباب العصرنة و الارتقاء و المسلح ضد أخطار العولمة و مطباتها و الراسخ في قيمة الدينية و الحضارية و الرافض للظلامية و الماضوية و الفكر الخرافي.

    أما في المدى المتوسط و الطويل فانه من الضرورة بمكان أن يعمل على إقامة فضاءات إقليمية و شبه قارية متماسكة و مندمجة اقتصاديا و اجتماعيا، واعية بمصالحها، مستعدة للتضامن و التكاتف من أجل الدفاع عن تلك المصالح في وجه قوى الهيمنة وفي منظور استفحال اللبرالية المتوحشة المهلكة و العولمة الزاحفة. على أن تصبح هذه الفضاءات المندمجة و سيلة ضغط لإسماع كلمتها مستعملة لذلك الغرض مواردها الطبيعية كأداة إقناع بضرورة احترام خصائصها الحضارية و قيمها الاجتماعية الثقافية و مرجعيتها الروحية.

    ولعله قد بات من الضروري كذلك العمل على خلق ديناميكية جماعية تستهدف تحريك الحضارات الشرقية للدفاع الجماعي عما تشترك فيه كلها من قيم و مسلكيات و أساليب عيش للوقوف في وجه التغريب الكاسح الذي يمتطي العولمة و يتكئ على اللبرالية المتوحشة من أجل السعي الحثيث إلى صب العالم في قوالبه الخاصة ودمغه بطابعه المميز.

    وبعد تقوية الجبهة الداخلية في كل بلد عربي و إسلامي على حدة من خلال إشراك وتعبئة كافة قواه الحية و بعد تفعيل الفضاءات الإقليمية و شبة القارية لجعلها تدرك الأهمية القصوى لوقوفها في خندق واحد، عندئذ يصبح من المجدي أكثر من ذي قبل أن يصار إلى إقامة حوار مع القوى المتنفذة يعتمد مبدأ الندية و المعاملة بالمثل و يستعمل لغة المصالح.

    على أن يكون هذا الحوار رصينا، هادئا و مسئولا، وفي نفس الوقت حازما و ضاغطا و معتمدا لتقنيات التفاوض الحديثة و مرتكزا على الحجج و المقايضات المرتبطة بالمصالح الإستراتيجية التي يفهمها الغرب جيدا و لا يقيم وزنا لما سواها.

    وقد لا تقوّم هذه المقاربة السلمية و المسالمة اعوجاج الدول الغربية المتنفذة التي قد استمرأت السيطرة و رامت الهيمنة.

    وقد لا تحملها على العدول عن جموحها في المنظور القريب، لكن لا بد في نهاية المطاف أن يتغلب المنطق و تنتصر الحكمة خاصة إذا كان التفاوض من أجل ذلك يتم من موقع قوة ويرتكز على وحدة الصف و على الصرامة و الإصرار.

    وقد يساعد على بلوغ هذا الهدف و نيل ذلك المبتغى استصراخ القوى الخيرة في الغرب و الإستقواء بكل دعاة السلام و المؤمنين بترابط مصالح البشرية ووحدة مصيرها ، أنى وجدوا و حيثما كانوا.

  • نهاية مرحلة

    30 آذار (مارس) 2012

    سيد أعمر بن شيخنا

    حدد المفكر والأديب الأندلسي لسان الدين بن الخطيب (ت 1374م) في كتابه "رسالة في السياسة" الذي كتب فيه خلاصة أفكاره وملاحظاته السياسية حول تجارب دول الطوائف في الأندلس، أمورا خمسة كانت – ومازالت- تقود الحكام إلى الهلاك وهي : "الظلم ، الطمع في الاستيلاء على الأرض ، شهوات الملك ،الاستخفاف بالعلماء والفقهاء , سفك الدماء بدون ضرورة."، ومن المؤكد أن نظام الجنرال محمد ولد عبد العزيز أضحى متلبسا ببعض هذه المهلكات ، ترى هل سيكون مستعدا لجمعها من أطرافها ، وحده ولد عبدالعزيز من يملك الإجابة .

    في البدء كان ضد أحلامنا

    بنى ولد عبد العزيز نظامه السياسي بطريقة مصادمة للأحلام المشروعة للشعب الموريتاني في الحرية والكرامة وبناء نظام ديمقراطي مدني يحقق العدالة والتنمية ويؤسس للتناوب السلمي على السلطة ،كان ذلك عندما جير الرجل رغبة الشعب وقواه الحية المناضلة في التخلص من حكم الرئيس الأسبق ولد الطايع لصالح أجندته الخاصة ،كان ذلك - كما هو معروف - عندما تلاعب بالمرحلة الإنتقالية التي أعلن عنها بعد إنقلاب الثالث اغسطس 2005م ،من خلال استنزاف الرصيد المعنوي للجيش الموريتاني والتحكم في المراكز الحيوية داخل السلطة واستخدام أجهزة الدولة ومواردها لصالح التخطيط للبقاء في السلطة أطول فترة ممكنة ،وكانت الخطوة الأولى في ذلك المشروع هي اختيار ودعم المرشح الرئاسي سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله ليكون واجهة مدنية مزيفة للنفوذ السلطوي لولد عبدالعزيز ، وعندما نجح ولد الشيخ عبدالله وبدا رئيسا محترما يؤمن بالديمقراطية ويرفض سياسة الإملاءات ،ويوفر مناخا إيجابيا - نسبيا - لحل الإشكالات الرئيسية التي يواجهها البلد ، كان من ولد عبدالعزيز ما كان من تحدي سافر للتقاليد الديمقراطية واستهانة بمشاعر الموريتانيين وتلاعب بآمالهم في القطيعة النهائية مع عهد الأحكام الفردية الاستبدادية ،فبعد أن بارك العالم أجمع للموريتانيين الديمقراطية والحكم المدني والخروج من شرنقة الانقلابات ، عصفت بأحلامهم نزوات طائشة معيدة إنتاج واحدة من أسوء طبعات الحكم الفردي بمباركة أعداء حرية الشعوب في الداخل والخارج .

    معا لوقف النزيف

    إن أزمات البلاد عديدة ومتنوعة ومنها ما يعود لعقود من الممارسات الخاطئة خلال الخمسين سنة الماضية من عمر الدولة الموريتانية ،وما تخللها من استبداد سياسي ،وتبديد لخيرات البلد ،وتبعية للأجنبي ،وفشل لمشاريع التنمية ،وتقاعس مريب عن التخطيط الواعي للنهوض بالبلد الذي ظل يتخبط في فقر مدقع رغم وفرة موارده وقلة سكانه،وهي نتيجة طبيعية لأنظمة أبوية مستبدة وفاسدة ،بدلت نعمة الله كفرا وأحلت قومها دار البوار. وبحسب الباحث المختص بالشؤون الإفريقية الدكتور حمدي عبد الرحمن فإن من أبرز سمات الأنظمة "الأبوية الجديدة" التي ظهرت في القارة خلال العقود الماضية والتي اكتوت بها بلادنا ولاتزال تتمثل في المظاهر التالية : 1-شخصنة السلطة ، حيث أضحت تدور حول شخص الحاكم . 2-شبكات من علاقات القائد والأتباع 3-الاعتماد على أجهزة القهر والقمع المادي المملوكة للدولة 4-القضاء على كل أشكال المعارضة للنظام الحاكم 5-تفشي الفساد على نطاق واسع .

    لقد كانت تجربة النظم الفردية المتعاقبة في بلادنا كارثية بكل المقاييس ،حيث الاستبداد والفساد وإعادة إنتاج الاستبداد والفساد ، ،لقد ظلت هذه النظم –رغم فضل ووطنية بعض الفاعلين فيها – مرتعا للجماعات النفعية وسماسرة القوى الأجنبية ،ترفض الإصلاح وتعبث بمستقبل الأجيال وتتحايل على الشعب وتمارس شتى أنواع الإقصاء والتهميش في حق المخلصين من أبناء البلد.وكان نصيب نظام الجنرال محمد ولد عبد العزيز من ذلك وافرا رغم حداثته ،وهو ما يؤشر لشر مستطير لايعصم منه إلا الاستعصام بالله ثم تعاون المخلصين من أبناء البلد مهما كانت مواقعهم وتوجهاتهم لاستخلاص البلد من براثن الحكم المافيوي غير المسبوق في تاريخ البلد ، حتى يتمكن الموريتانيون من التعاون على النهوض ببلدهم في أجواء تطبعها الحرية والكرامة والعدل والتنافس الإيجابي.

    في بريد نخبة النظام

    في كتابه الجديد "الأيام الأخيرة لنظام مبارك" يتحدث عبد اللطيف المناوي الصحفي المقرب من عائلة مبارك ومدير قطاع الأخبار في التلفزيون المصري أن المجموعة التي أدارت الأزمة بعد إنطلاق ثورة 25 يناير ومنهم صفوت الشريف وزكريا عزمي وعلي الدين هلال ومفيد شهاب وأحمد عز, وبالطبع جمال مبارك، راهنوا على ثلاثة أمور: الأول الاقتناع بتلك القوة الرادعة والمسيطرة لجهاز الأمن, الذي نقل دائمًا الإحساس بالثقة إلى كافة المستويات في الدولة, وعلى رأسها مبارك الأب نفسه, والثاني هو التجارب السابقة لتلك الجماعات المعارضة, من مظاهرات وإضرابات لم تسفر إلا عن أخبار صحفية وتلفزيونية, أما العامل الثالث الذي كان مستقرا في نفوس من أداروا الأزمة -ابتداءً من 25 يناير- فهو الإحساس, بل القناعة بأن المصريين لن يثوروا, وأنهم بطبيعتهم يرضون بما قسمه الله لهم, وتعاملوا مع الشعب باعتباره جثة هامدة!

  • المنسقية تحقن الخيول الخشبية

    26 كانون الثاني (يناير) 2012

    بقلم: الدكتور الشيخ المختار ولد حرمة ولد ببانا

    قبل الدخول في التفاصيل ارتأيت أن أصدر هذا المقال برسالتين تبصرة و ذكرى لكل عبد منيب ثم إبداء بعض الملاحظات الأولية: فالرسالة الأولى للرئيس و الزعيم أحمد ولد داداه. فإني أعجب لأمر هذا الرجل الطيب الأصل و المنبت الورع و المستقيم، حسن الطوية. و أعي ما أقول لأني عاشرته و شاهدت منه قولا و فعلا ما يستوجب شهادتي تزكية. فأقول و بالله التوفيق: لا يجرمنك أيها الصديق شنآن قوم يضيق بك ما يسعهم و يدنسك ما لا يدنسهم. فلهم مآرب ليست مآربك و مشارب ليست مشاربك و ترجو من الله ما لا يرجون. فمقامك أسمى و أعلى من أن تدنس لسانك الرطب بتلاوة القرءان و صحيفتك البيضاء إن شاء الله بخطابهم. و لك في رسول الله أسوة حسنة فكان إذا استوجب فرد أو قوم منه ردة فعل قال صلى الله عليه و سلم: “ما بال أقوام” دون أن يخص المعني باسمه مهما عظمت فعلته. ثم إنك تعلم حفظك الله أن الرجل يتكلم بكلمة من كلام السخط ما يلقي لها بالا فتهوي به في جهنم سبعين خريفا… و يقول الرجل كلاما ما يلقي له بالا، يحسبه هينا و هو عند الله عظيم، ناسيا أنه “ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد” و أنه “من كان يؤمن بالله و اليوم ألآخر فليقل خيرا أو ليصمت”. هذه الرسالة أوجهها لجنابك الموقر لمعرفتي بك و حسن الظن بك أنك ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ثم امتثالا لقوله تعالى “و ذكر بالقرآن من يخاف وعيدي” و قوله ” و ذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي و لا شفيع و إن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها”.

    أما الرسالة الثانية فإلى إخوتي و أصدقائي و رفاق الدرب و الكفاح في أحلك فترات تاريخ هذا البلد، أعني قادة حزب “تواصل” المحترمين. إن انتماءكم لمرجعية إسلامية يلزمكم أكثر من غيركم درجة عالية من الاستقامة في القول و العمل و مراقبة الحق سبحانه و تعالى في السر و العلانية “و إلا كان عليكم ما على الأريسيين”. و أنتم تعلمون أن الحسنة و السيئة تعظمان حسب الزمان و المكان و حسب مقترفهما، لذا يقال أن حسنات الأخيار سيئات الأبرار و أن الحسنة حسنة و هي في بيوت النبوة أحسن و السيئة سيئة و هي في بيوت النبوة أسوء: “يا نساء النبي من يأتي منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين و كان ذالك على الله يسيرا” (الأحزاب). ” فإذا أحصن (أي الإيماء) فإن آتين بفاحشة فعليهن بصف ما على المحصنات من العذاب” (النساء). ثم إنكم تعلمون كذلك أنه “ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد”، إما في كفة الخير و إما في كفة الشر و أن حصائد الألسنة و بال على المرء يوم القيامة حيث “و نضع الموازن القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا و إن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها و كفى بنا حاسبين” (الأنبياء). ففي أية الكفتين تضعون خطابكم الداعي للعنف و الفتنة و زعزعة الأوضاع الأمنية للبلد و انتزاع السلطة عنوة و قهرا؟ ففي أية الكفتين تضعون سب و شتم و قذف و تجريح أخ لكم في الإسلام ناهيك عن كونه حاكما وجبت شرعا طاعته في ما يرضي الله، و قد اعترفتم مبايعة بصحة و سلامة انتخابه و شرعية توليه سدة الحكم؟ فما الذي جرى فجعلكم في حل من عهدكم و بيعتكم و على أعقابكم تنكصون دون سابق إشارة؟

    عهدتكم قائمين بواجب العبودية و حقوق الربوبية، فرسان بالنهار رهبان بالليل و عهدت لخطابكم حلاوة و طلاوة بعبق الإيمان. أسأل الله لكم الثبات و أن لا يسلبكم شيئا من ذلك. و لا تنسوا أن الأمور بخواتمها و أن العاقبة للمتقين.

    أما الملاحظات فهي كالتالي:

    · يحار المرء اليوم وهو يتابع خطابات وتصريحات قادة منسقية المعارضة خلال جولتهم الماراتونية في الداخل..

    فمن حق قادة المعارضة الدعوة للإصلاح والتغيير، من حقهم الدعوة للثورة.. وكل ما تخوله الدعاية بظاهرها وباطنها ما لم يتناقض مع جوهر العمل السياسي في بعده الأخلاقي على الأقل..

    · زعماء المعارضة يجوبون ولايات البلاد في مواكب من أكثر سيارات العالم رفاهية، حيث لا ترى عليهم آثار السفر، ولم تفقد وجوههم نضرتها رغم عام الجفاف هذا، تستقبلهم موائد الملوك والسلاطين، يدخلون كل مدينة وقرية بسلام وأمان غير خائفين. لا سلطة تضايقهم ، ولا حتى أحزاب موالاة رفعت لافتة واحدة للتشويش على مهرجاناتهم. و فتحت كل الأبواب أمام زعماء المنسقية دون مضايقة من أي نوع، حتى من النوع المتعارف عليه في منافسات الأحزاب من حشد مضاد ودعاية مغايرة، بل ترك لهم المجال واسعا ليجربوا حظهم وليواجهوا الجمهور بخطابهم وبرنامجهم السياسي.

    · لكن المفاجأة هنا أن هذا البرنامج السياسي لا وجود له في إضبارات أحزاب منسقية المعارضة، فالبرنامج الوحيد الذي بات بحوزة زعماء المنسقية هو برنامج شتائم وتبشير بـ”مدرسة رعب” قائمة على الدعوة للفتنة والفوضى والشغب وإثارة النعرات والاضطرابات والعصيان المدني، وتثمين سكب الدماء البريئة، والتملص من الأخلاق السياسية العامة.. إنها الدعوة للعنف، والتغيير بالقوة وحتى للانقلابات العسكرية وفق مرحلة شعارها “أنا والطوفان من بعدي”.

    هذه هي “مدرسة الرعب” التي يروج زعماء المنسقية لبرنامجها.

    · إن قادة المنسقية لم ينتبهوا لحجم الفحشاء اللفظية التي تتحرك بها ألسنتهم، إذ أن المتتبع لخطاباتهم يشعر بالشفقة وهو يشاهد هؤلاء الزعماء ينزلون في خطاباتهم وصيغهم إلى رتبة كنا نجلهم عنها مهما كانت درجة الحقد و الكراهية الشخصية التي تملأ قلوبهم تجاه الرئيس محمد ولد عبد العزيز.

    · إن العبارات البذيئة التي تعاطاها بعض هؤلاء مؤخرا تدعو إلى الغثيان ليس لأنها تصف بعبارات سوقية ظالمة رجلا انتخبه الشعب الموريتاني رئيسا له ويمثل أمله في التطور والتنمية فحسب، بل لأنها تنبئ عن كارثة تتعلق بأخلاق شيوخ مسنين كان يفترض أن يكونوا قدوة في حسن الألفاظ وترفع الخطاب فإذا بهم يتهافتون على الشتائم والسباب والقذف في أعراض الناس.. وكأن مهمتهم باتت منحسرة في قلب الحقائق.. ولا شيء أمر وأدهى من أن يضع الرجل نفسه عدوا للحق..

    إنها محنة حقيقية.. فالرجال بأخلاقهم قبل كل شيء.. قبل علمهم ومالهم وطموحهم..

    وإذا كان الذين سمعناهم يوزعون الشتائم على قدر ألفاظهم وسلوكهم فقل على المعارضة السلام.. إنها انتحرت أخلاقيا و ها هي تحتضر لفظيا أمام الملأ.. تشيعهم نظرات الاستغراب في موسم انحطاط الأقوال وانعدام الأفعال. و كأن الهزيمة التي يشعر بها قادة المعارضة، على المستوى الميداني، والأخلاقي، بدأت تخرجهم عن كل حدود، وعن كل مألوف..

    · وإن تعجب فعجب أن ترى الشيوعيين و اللائكيين الموريتانيين يتوسلون إلى الله طلبا للتغيير…إنه حدث مهم جدا في التراث السياسي الموريتاني الذي نشاهد فيه اليوم الشيوعيين يصطفون في حلف التنظيم السلفي عندما يرددون كلمات تبرر استهداف بلدنا و قطع الرؤوس وسفك الدماء والاعتداء على الأموال والأنفس بشعار “حرب الوكالة” عن الصليبيين واليهود متناسين أن الرئيس محمد ولد عبد العزيز هو أول رئيس عربي يطرد سفارة إسرائيل من بلده. و لعل الله قال حينها: “لن يضر ولد عبد العزيز ما فعل بعد اليوم”. أن نرى دهاقنة الشيوعيين الموريتانيين يتهافتون على إصدار الفتاوى الشرعية بالخروج على الحاكم شيء يبعث على الدهشة.. ولم يكن أي مخرج مسرحي ليتصوره في المشهد المحلي، حيث رفاق لينين وماو ينقبون في “حواشي الطرر” و “الاحمرارات” بحثا عن نص طالما أنكروه وسخروا منه، و ولوه الدبر مستبدلينه بآياتهم الحمراء.

    قبل أن تذهب التحليلات بالبعض إلى تفسير هذا المقال تفسيرات سقيمة غير واردة، أود القول:

    أولا: إن قادة المنسقية يدركون قبل غيرهم أنهم فشلوا في استنساخ أي من مظاهر الثورة في موريتانيا، ولهذا نراهم اليوم يركزون على الجيش ودعوته للقيام بانقلاب عسكري، وذلك دليل دامغ على عجزهم عن تحريك الشارع.

    ولهذا أيضا نسمع كل تلك التهديدات بالإطاحة بالنظام. والتهديد سلاح الضعيف، كما يقال.. فالقوي لا يهدد وإنما ينفذ..

    وعلى قادة المعارضة أن يحددوا موقع الجيش.. هل هو في الأحزاب السياسية.. أم في “حرب الوكالة”.. الجيش الموريتاني اليوم يرابط على الثغور، ثغور العزة والكرامة، ويضرب أعداء الشعب والوطن خارج وداخل البلاد.. ولا تعول عليه موريتانيا وحدها، بل الدول الإقليمية العربية والإفريقية والغربية، التي يكفي هذه السنة حجم اجتماعات وزراء خارجيتها ووزراء دفاعها وقادة أركان جيوشها ومدراء مخابراتها في نواكشوط… إن موريتانيا الدولة الإقليمية حلم يتجسد وكم كان بعيدا..

    ثانيا: إن رفض قادة المنسقية للحوار الذي توصل لنتائج باهرة، ليس سوى تكتيك و ذر للرماد في العيون، لأن هذا الحوار وحزمة نتائجه هو لمصلحة الجميع بما في ذلك المعارضة المتطرفة و هو لمصلحة الديمقراطية والإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحقوقي، وهو أولا وأخيرا تحكيم لصندوق الاقتراع، الذي يدرك ألئك القادة في المنسقية أنه ليس لصالحهم في هذه الظرفية بفضل ما يراه الشعب الموريتاني يتحقق على أرض الواقع، وبفضل قرب الرئيس محمد ولد عبد العزيز من نبض شعبه، ولا أدل على ذلك من الحركة المطلبية الاجتماعية الواسعة التي هي ظاهرة صحية، خاصة مع ما تبذله الحكومة من جهود لتلبية مطالب تلك الحركة التي يقودها مواطنون ظلوا لفترة طويلة من الزمن يطحنهم الفقر والتهميش والنسيان، فإذا بهم اليوم يجدون في حائط القصر الرئاسي ما يسندون به ظهورهم تلبية للمطالب ورفعا للظلم ووعدا ببذل المزيد.

    ثالثا: بسبب عوامل متعددة منها الاستقرار، والتخطيط الاقتصادي، وحسن التسيير، تنبثق اليوم من الرمال الموريتانية تجربة تنموية لافتة، تطال البنية التحية والمشاريع الإنمائية التي لا غبار عليها أمام موجة مشاريع المياه، والكهرباء، والطرق، والإسكان، والتعليم، والصحة، والاستثمار، والتشغيل، والنقل، والتصنيع، والتخطيط…إلخ.

    رابعا: لا يوجد أي تضييق على الحريات العامة، والعمل السياسي، فالبلاد خالية من أي سجين رأي.. والمؤسسات الدستورية والإدارية تعمل بانتظام وفاعلية.. أنتجت في هذه الفترة الوجيزة أكبر إصلاح في تاريخ البلاد للمنظومة القانونية، وصممت أكثر المشاريع طموحا..

    إن هذه التجربة المتميزة هي في الحقيقة علامة فارقة في منهج تسيير شؤون البلاد،..

    إن الثورة تجري في موريتانيا بناءا وتحريرا، والفارق أنها تجري بدون ضحايا وبدون ضجيج، ولله الحمد.

    خامسا: إن من عدم واقعية قادة المعارضة الموريتانية المكابرة و إغماط كل الانجازات التي تحققت لموريتانيا في ظرف وجيز لا يتعدى سنتين كمن يريد حجب الشمس بغربال، في الوقت الذي تعترف الدول العربية والغربية (أمريكا، فرنسا.. الجزائر، المغرب…) بأهمية ما حققته موريتانيا في ثلاثة محاور: بناء الجيش وتسليحه والسيطرة على حدود البلاد، والمشاريع التنموية، ومحور تطوير التجربة الديمقراطية.

    سادسا: لم يعد لدى قادة المنسقية سوى ترويج تجارة بائرة تقوم على الادعاء والشحن السلبي، في محاولة خاسرة لتفقير المسلكيات والأخلاق.. ولكن لا ربح من زراعة الشوك، و ستذهب حقن السموم اللفظية جفاء.. ويبقى ما ينفع الناس.

    سابعا: كلما قيل لكم تعالوا إلى كلمة سواء قلتم لا.. كلما قيل لكم تعالوا نبني سويا وطننا قلتم لا… هذه “اللاءات الحدية” تمثل عقدة في سيكولوجية المنسقية..انتهت بقادتها إلى التفرغ لقدح شرارة الذم الأعمى، والتخبط اليائس أمام رفض الشارع الموريتاني لدعوة الفتنة والطيش.. اذهبوا فأنتم الطلقاء..فلن ينزعج الرئيس محمد ولد عبد العزيز من سبكم و شتائمكم و تهديداتكم بالإطاحة به… ولن يرفع الحصانة عن أي برلماني كما تروجون ذلك و ترجونه… و لن يعتقل أحد على خلفية خطابه مهما بلغ من الحدة… ولا طريق أمامكم سوى صندوق الاقتراع الذي تبغضونه… و عنده يجتمع الخصوم… و عنده يكرم المرء أو يهان… وما هي إلا أشهر معدودات ويقول الشعب الموريتاني كلمته.. ليركنكم مرة أخرى في زاوية ضيقة من حجم ما تسوقون.

    ثامنا: لقد اخترتم منذ هزيمتكم المدوية في الانتخابات الرئاسية 2009، أسلوب المرجفين في المدينة.. إرجاف المدن زمنه ولى.. نواكشوط، وكل مناطق البلاد، ورشة للتغيير والبناء والإصلاح والحوار والانفتاح والأمل والحلم… وقبل كل شيء الشجاعة والقدرة على الفعل الخلاق، والعزم الفولاذي الذي لا يلين في سبيل تحديث الدولة وبنائها، بعيدا عن سوق المساومات الضيق.

    في نواكشوط فارس لا يخضع للإرجاف.. واهم من يتصور أن “رجل لا للصهيونية.. لا للفقر.. لا للقاعدة..”.. يمكن أن يخذله الشعب الموريتاني الوفي الأبي..

    رجل مصحف شنقيط، ومسجد شنقيط.. وإذاعة القرآن.. وتكريم العلماء، رجل الانفتاح والحرية والتسامح والبناء.. فلا ترشقوا بسهامكم اللفظية وجه الشمس.. وإياكم والخيول الخشبية التي يزيـّن لكم الوهم ركوبها.. فهي لن تتحرك، ومهما حقنتم فيها من دماء الألفاظ المنحطة فهي لن تستطيع الوقوف… أما قطار الإصلاح فيواصل مسيرته المظفرة، لا يلوي على أحد…فلا يفوتنكم الركب، فلا تفوتنكم الفرصة… تخلوا عن شيطانكم و بادروا إلى مسيرة التحدي، مسيرة بناء الدولة الموريتانية… موريتانيا الجديدة… موريتانيا للجميع و بالجميع.

    و الله من وراء القصد و يعلم المفسد من المصلح. فإليه نضرع و نبتهل أن يذهب غيظ قلوبنا و أن يجمعنا على الحق حتى تضمحل موالاتنا و معارضتنا في ما فيه الخير و الفلاح للعباد و البلاد.

  • رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية لإنقاذ موريتانيا من الفتنة

    1 تشرين الأول (أكتوبر) 2011

    سيدي الرئيس

    إن أحداث الأيام الأخيرة تفرض علينا جميعا شعبا وقيادة واقعا موريتانيا يتعين أن نتعامل معه بأقصى قدر من الحكمة و الحرص على مصالح موريتانيا و أبناءها.

    سيدي الرئيس

    لا يفوتني أن هناك من القوى و الأيادي التي تتمسك بأجندات خاصة دون مراعاة الظرف الدقيق الراهن الذي يمتحن موريتانيا قيادة و شعبا ويكاد أن ينجرف بها وبهم إلى المجهول.

    سيدي الرئيس

    يتعرض الوطن لأحداث عصيبة و اختبارات قاسية بدأت بشباب و مواطنين مارسوا حقهم في التظاهر السلمي تعبيرا عن همومهم من إحصاء يشكون في استهدافه لهم، و سرعان ما أستغلهم من يسعى لإشاعة الفوضى و اللجوء إلى العنف و المواجهة. و تحولت تلك التظاهرات من مظهر راق و متحضر لممارسة حرية الرأي و التعبير إلى مواجهات مؤسفة استهدفت أمن الوطن و استقراره بأعمال إثارة و تحريض و سلب و نهب و إشعال الحرائق و قطع الطرقات و اعتداء على مرافق الدولة و الممتلكات العامة و الخاصة.

    مما جعلنا نعيش معا أياما مؤلمة و خوف ينتاب الأغلبية الساحقة من الموريتانيين داخل الوطن وخارجه، و ما يساورهم من انزعاج و قلق و هواجس حول ما سيأتي به الغد لهم ولذويهم و عائلاتهم و مستقبل و مصير بلدهم.

    سيدي الرئيس

    إنك تحمل الأمانة و المسؤولية لأولى في تبديد الشكوك حول كافة القضايا المثارة لإصلاح الحالة المدنية و تأمين الوثائق و ما يتطلبه من مراجعات و تعديلات تتجاوب و خصوصيات الشعب الموريتاني المتعدد الأعراق و الثقافات و المتداخل أسريا مع دول الجوار بحكم الجغرافيا و التاريخ المشترك وهي خصوصيات يشكل احترامها و التجاوب معها المدخل الأساسي لاستعادة الهدوء و الأمن و الاستقرار و التعايش السلمي المشترك.

    اللهم هل بلغت...اللهم أشهد اللهم أشهد اللهم أشهد

    أزويرات : 1 أكتوبر 2011

    سيدي عثمان ولد الشيخ الطالب أخيار

    عضو الهيئة التنفيذية

    الأمانة العامة للمنظمة العربية لحقوق الإنسان

    رئيس المؤسسة الوطنية لتنمية المواهب ـ مواهب

    الملحق بديوان وزارة الثقافة و الشباب

    سفير مؤسسة الفكر العربي ـ موريتانيا

  • كلمة توجيهية من الدكتورة فاطمة بنت عمر نصيف رئيسة الهيئة العالمية للإعجاز العلمي وتحفيظ القرآن والسنة-اللجنة النسائية-جدة

    25 أيلول (سبتمبر) 2011

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بناتي الحبيبات أرسل لكن هذه الكلمة ومعها دعائي بأن يحفظكن الله ويوفقكن لما يحبه ويرضاه.

    كم وددت أن أكون معكن في بلادكن العامرة بالعلم والإيمان وأن أحظى برؤية وجوهكن الطيبة وألقى أرواحكن النقية ولكن عزائي أن تحل كلماتي محل بدني . ومن القلب أخاطبكن :

    بناتي .. إن العالم اليوم يصخب بدعوى التحرر وصراخ العولمة.

    يقولون إن حضارة الأمم تقاس بمدى انصهارها وتمازجها مع الأمم الأخرى. يريدون بذلك تفريغ المجتمع الإسلامي وبخاصة المرأة صانعة أجياله، من عقيدتها، ومسخ هويتها, وتذويب عاداتها وقيمها, لتصبح نسخة مكررة من أذواق وعادات وقيم وعقائد شعوب بعينها. فيؤدي إلى استعباد عاداتها وتصرفاتها، ومن ثم سلخها من مفاهيمها الإسلامية، وبعدها يكون ارتقاء صهوة رغباتها وتوجيهها إلى الشر والفساد, حتى لا تميز بين الحق والباطل ,لأنها ترى: أن التقدم هو قبول كل فكر مستورد، فتفقد السلوك الواثق، وبالتالي يفقد المجتمع القدوة والمربية الفاضلة فيولد الجيل الهش الذي لا يتخذ قرارًا ولا يلتزم بثوابت دينه.المنهزم داخليًا، بل والجاهل مسؤوليته في عمل واجباته الأسرية والاجتماعية.

    هذي بناتي هي دعوى التحرر والعولمة ونتاجها، هذا هو السلاح الذي يشهره الغرب في وجوهنا و إلا وصمنا بالتخلف, وعيرونا بالرجعية.

    ولكن أنت التي سترفعين راية العزة الإسلامية، وتعلنين بكل شموخ وإباء عن هويتك ، وتدعين إلى عقيدتك وتذودين عنها.

    أنت التي ترفعين راية هويتك الإسلامية عاليًا، تبرزين جوانب عظمة هذا الدين بكل الوسائل المتاحة ، وسماحته ,والعدل الرباني في أحكامه وتشريعاته، والحلول العملية التي جاء بها كعلاج لمشكلات المجتمع الإنساني عمومًا.

    ابنتي : إن الحفاظ على هويتك الإسلامية ودفاعك عنها، هي خط الدفاع الأول عن الأمة وقيمها الحضارية تاريخا ولغة وثقافة.

    حبيباتي : إن التقدم الحقيقي لا يمكن إحرازه إلا بالجمع بين الأصالة والمعاصرة. أو بالأصح بين الأصالة الثابتة والأوضاع المتغيرة.

    فالثابتة: هي الدين والقيم والمبادئ واللغة والثقافة والتاريخ. و المتغيرة: هي الاكتشافات العلمية و التقنية المتقدمة و البرامج المتطورة، و يتم ذلك بفتح مجال التفاعل مع علوم العصر في مناخ ملائم للإبداع والابتكار والتجديد.

    فسيري يا ابنتي عنوانًا للأصالة على درب المعاصرة بنور من الهدي الرباني. ولك في نبيك صلى الله عليه وسلم القدوة. ولك في قرآنك النبراس المضيء لدربك. قال تعالى: ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ))

    رعاكن الله حماة لدينه و أعزكن بعزه و أيدكن بتوفيقه

  • أفكار حول الحوار \بقلم الدكتور الشيخ المختار ولد حرمة ولد بابانا

    11 أيلول (سبتمبر) 2011

    نواكشوط في 11 سبتمبر 2011

    يا من تخالفني برأي مرحــبـــا أنا لـست حـيـن أقـول رأيي مغـضـبـا

    الله علــم في الكـتـاب نبـيــه عند الحوار نهـاه أن يــتعــصــبــا

    يمكن أن تتراكم العثرات لدى الدول أو الأحزاب، أو الأفراد، لكن من لم يستطع إقامة مسند للنهوض من تراكم عثراته، فقد يكون أقل الناس حظا، وأندرهم حيلة، إن لم يكن أشدهم غباء.

    وفي بلدنا موريتانيا، ثمة تلال أو جبال من العثرات التي "روكمت" أو تراكمت لأسباب يدركها الكثيرون، حتى ولو لم يعملوا بمقتضى ذلك الإدراك، فواصلوا إصرارهم والتشبث بإغرائية السراب الذي يلوح في مخيلتهم. ألم يان لنا أن نجمع إدراكنا و قوانا لنفيق من غفلتنا وننهض من عثرتنا؟ لا شك أن مراجعة الذات في حوار وطني لا إقصائي و لا انتقائي أقوى مسند لذلك.

    منطقيا.. من يستطيع اليوم أن يرفض الحوار..؟ وبصيغة ذات دلالة مقاربة ولكن مختلفة: من لا يستطيع اليوم أن يرفض الحوار؟

    يمكن أن يرفضه رئيس منتخب لديه مأمورية محددة خوله الشعب الموريتاني إدارة شؤونه و ولاية أمره طيلة هذه المأمورية.

    وهذا الرئيس، الذي حاز شهادة الدول العظمى (أمريكا، فرنسا، بريطانيا...) ودول المنطقة على دوره الإقليمي في أمن منطقة الساحل العربي الإفريقي، وعلى حسن أداء جيشه في مواجهة الإرهاب وشبكات الجريمة والهجرة السرية، وعلى المستوى الذي وصله تسلح و جاهزية الجيش الموريتاني والأمن من خلال المعارك الميدانية المشهودة داخليا وخارجيا، هذا الرئيس الذي أوكل إليه الاتحاد الإفريقي، بدوله ال 52 دولة، رئاسة أخطر هيئات الاتحاد (السلم والأمن) في هذا الظرف الدقيق من حياة المنطقة والعالم، وكان محمد ولد عبد العزيز أول رئيس في العالم، تطأ قدماه العواصم الجديدة في دائرة النار والدم (ساحل العاج، طرابلس- بنغازي)، حيث جاء أخا محايدا بين الدم الليبي، والايفواري.. ولم يأتي ممثلا لغريزة "تسولية"، ولا باحثا عن وضع اسم نظامه أو دولته في لائحة الصدقات لهذا النظام الجديد أو ذاك في منبع النفط أو شح الكاكاو.. كما فعل آخرون.

    هذا الرئيس الذي بعد سنتين فقط من انتخابه، وصل احتياطي العملة الصعبة لدى البنك المركزي (وحده) أكثر من 500 مليون دولار (الأسبوع الأول من أغسطس الماضي)، أي بزيادة 400% عن ما كان عليه في أغسطس 2008، كما وصلت ودائع الخزينة العامة إلى 37 مليار أوقية بدل "حساب أحمر" ، أي أنه هنا حقق زيادة بنسبة فاقت 37 مليار%.

    هذا الرئيس، الذي يجوب المستشفيات والمستوصفات والمستنقعات (السبخة، سوكوجيم) والشركات الخدمية، ومؤسسات التعليم، والأحياء الشعبية، مدشنا، وموزعا، ومستطلعا، ومطمئنا مستلهما قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "والله لو أن بغلة عثرت بشط الفرات لكنت مسئولا عنها أمام الله، لماذا لم أعبد لها الطريق".

    هذا الرئيس الذي يفتح كل يوم قناة اتصال مع شعبه، والذي أمنه الله من عزلة القصور والركون إلى التقارير، هذا الرئيس، الذي يحول البلد بالفعل إلى ورشة عمل كبرى في قطاعات السكن و الطرق و الكهرباء و الماء و الزراعة و التنمية الحيوانية و الصحة و التعليم و الأمن و النقل و الاستثمار واستغلال الثروات الوطنية ..

    هذا الرئيس يمكن أن يرفض الحوار، خاصة وأنه أول رئيس عربي منتخب ديمقراطيا بشهادة العالم، ولا يشبه وضعه وضع الحكام "المسنين" (عمريا وقمعيا) الذين دخلوا إلى الحكم بالعنف و هم قد خرجوا به، يتعثرون على جثث مواطنيهم و يسبحون في برك دمائهم.. بينما كانت موريتانيا أول بلد عربي يطلق ثورة ربيعية بيضاء، خالية من أساليب العنف و إراقة الدماء، بفضل حركتي "أغسطسي" 2005 و 2008.. (تفاعل الشعب مع هاتين الحركتين و تلقاهما بفرحة عارمة، و أفضى الأمر إلى أول انتخابات شفافة ونموذجية في المنقطة – تقارير الأمم المتحدة، الاتحاد الاروبي، الاتحاد الإفريقي، الجامعة العربية ، المؤتمر الإسلامي).

    يمكن أن يرفض هذا الرئيس الحوار الذي لا ينص عليه دستور ولا قانون، ولا تمليه ضرورة ملحة و لا تقتضيه أزمة خانقة، فالاقتصاد الوطني قوي، وعملية البناء انطلقت ولن تتوقف بحول الله، والبلد في واحدة من أفضل فتراته عسكريا وأمنيا.. دون أن ننسى أن الذين حاولوا استزراع الثورة في البحر فشلوا في ذلك فشلا ذريعا.. لأن أغلبية الشعب الموريتاني لم تهضم بعد ربيعها الخاص الذي جددته يوم 18 يوليو 2009.

    لكن هذا الرئيس الذي يربط نبضه بنبض وطنه ومواطنيه لا يمكن أن يرفض الحوار، بل لا يمكن إلا أن يكون أول الداعين له، كما فعل منذ الوهلة الأولى لانتخابه، لعلمه أن الحوار فضيلة و قيمة مضافة وقوة دافعة للبلد ومجتمعه و لكل التيارات والقوى الوطنية ومنطلقا قارا للعمل التشاركي من أجل التأسيس والبناء ضمن إطار المنظومات القيمية التي تسعى الشعوب والأمم بواسطتها إلى تدعيم أرضية للتوافق. و أنه ـ أي الحوارـ أفضل وسيلة للتفكير الجماعي في مستقبل أكثر أمنا ورفاهية واستقرارا. و أنه أيا كانت درجة وعي الشعوب والمجتمعات، يظل اعتماد آلية الحوار السبيل السالك و الطريق القاصد لبسط كبريات المشاكل الوطنية بحثا عن حلول توافقية تعصم من مغبة الانسداد و التفرد بالرأي حيث يتحمل كل طرف من أطراف الحوار جزء من مسؤولية القرار الصائب بإذن الله.

    بالمقابل، يحق للبعض أن يرفض هذا الحوار، لأن له حقا أبديا في الاختلاف والخلاف.

    لكن إذا كان لرئيس الجمهورية ـ كما بينا ـ أكثر من مبرر لرفض الحوار و لم يرفضه فما هي يا ترى المبررات التي يمكن أن "يسند" إليها هؤلاء الرافضة "عثرتهم" في هذه الحالة..؟!

    تعود بي الذاكرة إلى صيف 2005. النظام القائم تزعزعت أركانه و تصدع بنيانه بفعل الهزات العنيفة المتوالية التي يتعرض لها من طرف المعارضة و غير المعارضة... الأزمة اشتدت و استحكمت...النظام مرتبك و لا يمتلك لا الشجاعة و لا الرؤية الواضحة لاتخاذ القرارات الصائبة و المبادرات الموفقة ... في هذا الخضم إذا بالأستاذ أحمد ولد سيدي بابا يعرض بإيعاز من ولد الطايع مبادرة ما بات يعرف بحوار ولد سيدي بابا... الكثيرون ـ بما فيهم المعارضة ـ شاركوا في هذا الحوار (الانتقائي) دون قيد و لا شرط...من المفارقات الغريبة أن يكون هؤلاء أنفسهم هم من يضعون اليوم الشروط استفزازا أو تعجيزا للمشاركة في حوار الوطن.

    هذه المرة لا يوجد "حوار ولد سيدي بابه".. بل "حوار موريتانيا" الهادف إلى معالجة متأنية وجامعة لملفاتنا الوطنية، وليس حوارا لإنقاذ نظام يغرق. لأنه، وبكل بساطة، هذا النظام الحاكم المنتخب بدأ بمستلزمات الأمان، أي بالرابط الوثيق مع الشعب الحقيقي، لا الشعب الذي يختصره شيوخ القبائل ورجال الأعمال وعصابات النهب المنظم وباعة المهدئات السياسية، والمطبلون بثمن معلوم.

    في عز قوته داخليا وخارجيا، وعند المرحلة التي تدور فيها بسرعة قياسية عجلة تنفيذ برنامجه الانتخابي، يدعو الرئيس محمد ولد عبد العزيز لحوار بدون شرط ولا قيد، وفي كل الأمور، حتى أن الرئيس يعلن استعداده لمناقشة انتخابات رئاسية مبكرة رغم أنه لم يمض ثلث مأموريته.. وللذين لا يفهمون هذه الجرأة، فمعناها أن الرجل مستعد للانتخابات كل شهر (إذا شئتم) لأن ثقة الشعب هي الشيء الذي لا يخفى مكانه على أحد في هذا العالم.

    وفق هذه الرؤية يتاح لنا فهم حرص رئيس الجمهورية على التشاور، وتقديمه (أي التشاور) على ما سواه من محددات أخرى.

    وأعتقد أن أحدا لا يمكنه أن يماري في أن الرئيس عزيز، هو الرئيس الموريتاني الأكثر حرصا على التشاور وعلى الحوار، بدليل ما جرى حتى الآن من حوار وتشاور داخل مبنى الرئاسة الذي تحول إلى قاعة جلسات للاستماع لأراء الشباب و الطلاب و الأحزاب الموالية و الأحزاب المعارضة و الأطباء و العاطلين عن العمل، و المتقاعدين و العلماء و المواطنين البسطاء و الأطر الوطنيين، و كل الفسيفساء الوطنية.

    إن الحوار الوطني بالمعنى الجوهري، هو تجديد لشراكة الشركاء الوطنيين، وتفعيل أكثر للجانب الأخلاقي العرفي في العملية الديمقراطية، حيث يصبح ما هو غير ملزم أهم من الملزم أحيانا، وربما أينع نتائج. و لهذا على كل من يدعى أنه يميز "مصل الحقيقة" أن يكون سباقا لتثمين التجربة الجديدة التي تقبل عليها بلادنا اختيارا.

    من المهم القول إن الوطن أكثر من الجميع، وأن السفينة تتسع للركاب، لكن لا يمكنهم جميعا أن يديروا الدفة في الوقت ذاته، بالمقابل مطلوب من الجميع الاجتهاد في تحديد الوجهة الأسلم لسفينة لا غنى عنها في الرحلة نحو شاطئ الأمان.

    إلا أنه، في هذا السياق، من المهم جدا أن لا يعمد البعض إلى الادعاء بأن ما يقوم به هو تصحيح لرؤيته في الوقت الذي يمسح عينيه بالغبار.

    لا تفصلنا إلا أيام قلائل من انطلاقة عملية الحوار الوطني. و في خضم ما تشهده الساحة الوطنية من شد وجذب وتفاؤل الكثيرين بهذا الحدث مقابل تشاؤم أو تشكيك آخرين، وجدت من المناسب الإدلاء ببعض الخواطر بغية التنبيه إلى جملة من الملاحظات تلخص فهمي للحوار. أملي أن تشكل هذه الخواطر مساهمة ما في ما نحن بصدده.

    أولا: يوجد من يلتبس عليهم مفهوم الحوار الوطني فيشتبه عليهم جهلا أو تجاهلا الحوار الوطني و المفاوضة حول عريضة مطلبية و شتان ما بين الأمرين. فالحوار الوطني حسب ما هو متعارف عليه عملية وطنية لها دواعيها و منهجيتها، تناقش من خلالها نخبة المجتمع ومفكروه و ساسته ورجالاته وفق درجة الاختصاص والتضلع المعرفي القضايا الجوهرية و الخيارات المصيرية المفصلية التي تهم الأمة وتلك التي تلقى بظلالها على مسارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. أما من يريدون اختزال موضوع الحوار الوطني في قضايا مثل تأجيل الانتخابات أو المحاصصة في الوظائف الحكومية و الصفقات العمومية و فتح وسائل الإعلام أمام المعارضة فهذه الأمور لا تعدو كونها مطالب، منها ما هو خاضع لمسطرة قانونية و ترتيبات إجرائية مثل الصفقات العمومية، حق للمعارضة و غير المعارضة أن تطلب بإلحاح تطبيقها من أجل تكافئ الفرص بين المواطنين. و منها ما هو من صلاحيات رئيس الجمهورية مثل التعيينات في الوظائف السامية. أما بالنسبة لتأجيل الانتخابات التشريعية فإذا كانت السلطات قد عبرت عن موافقتها المبدئية فإن الأمر يبقى منوطا بقرار المجلس الدستوري حول مشروعية و قانونية التأجيل. و قد أقرت فتوى المجلس الدستوري الإعلان الحكومي للتأجيل.

    ثانيا: عبرت أطراف سياسية في الأغلبية والمعارضة على مدى الأسابيع الماضية عن ترحيبها بفكرة الحوار واستعدادها للمشاركة فيه وتفاوتت تبعا لذلك درجة هذا الاستعداد فذهبت بعض هذه الفعاليات السياسية إلى وضع اشتراطات معينة بينما لجئت أخرى إلى وضع شروط يرى الكثير من المراقبين أنها تعجيزية و أنها تنم بجلاء عن عدم صدق النية كمعطى أساسي لا غنى عنه في أي حوار يراد له النجاح.

    ثالثا: ينبغي على المتحاورين أن يتخذوا المرجعية الوطنية منطلقا لنقاش قضاياهم على مختلف المستويات وان يغلبوا المصلحة العامة على كل الاعتبارات وان يبتعدوا عن التدويل وإدخال الأجنبي في المسائل الوطنية الصرفة والخيارات العليا للبلد كما يلوح بذلك بعض السياسيين.

    رابعا: ينبغي أن يكون هدف الحوار هو الوصول إلى رؤية تشخيصية لحالنا و تصور واقعي لما علينا القيام به من مبادرات جسورة و شجاعة تذلل الصعاب و تحطم العقبات و المعوقات التي تعترض سبيل تنمية البلد و تقدمه بدل أن يكون معرضا للأفكار الرخيصة و الصراعات العقيمة و إسقاط الأحكام العدمية و الجزافية لمجرد الجدل وذر الرماد في العيون.

    انطلاقا مما سبق اعتقد جازما أن الحوار الوطني المرتقب يمثل فرصة نادرة لكافة الموريتانيين أغلبية ومعارضة للجلوس إلى مائدة النقاش في سابقة من نوعها مما يجعل نجاحه متوقفا على صدق النية والشعور بواجب الانتماء والغيرة على الوطن والإحساس بحجم التحديات التي تواجهه وتفادي إسقاط الأحكام المسبقة لأي طرف على الآخر والرقي بمستوى النقاش إلى كبريات القضايا المصيرية للبلد.

    كما أن نجاح الحوار يتوقف على مدى استعداد كل طرف للتنازل عما لا يخدم للحظة التاريخية من طروحات وخطابات رفعها أصحابها إلى مرتبة تنزيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وتبين في غير ما مرة تناقضها الصارخ مع المصلحة ودورانها وجودا وعدما مع أجندة "الآخر"على حساب القضايا الوطنية واستقرار البلد.

    لا أريد بهذا الطرح أن استبق الأحداث ولا أن أسمم الأجواء و لا أن أنال من أي كان لكن شفقتي على هذا البلد وغيرتي عليه جعلاني أعيش هاجس الفرح والخوف في آن واحد، الفرح لوصولنا إلى مستوى التحاور حول قضايانا والخوف من أن ينزلق هذا الحوار إلى غير ما رسم له وما نتوق له من تجاوز لماضي التعامل ورنو إلى تأسيس ثقافة جديدة في التعامل مع القضايا الجوهرية بحكمة وتعقل ورأي و رأي آخر.

    أملى كبير أن تتلاقى الإرادة الصادقة لرئيس الجمهورية ودعوته للحوار مع إرادة طبقتنا السياسية ومثقفينا وقادة رأينا حتى يخرج الحوار المرتقب بتصورات تقوم مسارنا وترقي بمستوى تعاملنا مع الشأن الوطني إلى ما يتوق إليه الشعب الموريتاني والله نسأل أن ينزل على المحاورين السكينة و أن يمن عليهم بالتوفيق وعليه التكلان وهو سبحانه الضامن (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما).

    في النهاية أهدي هذه الأبيات ذات الصلة بالحوار للمتحاورين و كلي أمل أن ينتفعوا و يهتدوا بها:

    يـا مـن تخالفـنـي برأي مـرحـبـا أنـا لسـت حيـن أقـول رأي مغضبـا

    الـرأي سعـي فـي الحقيقـة دائـب بالوعـي والإخـلاص سـيـق محبـبـا

    قد فزت بالأمـر الـذي أسعى لـه ونفعـتـني بـالـرأي فـيمـا اتـعـبــا

    فالفوز بالحق المبـيـن تطلعـي لا أن أفـوز لــدى الـحــوار واغـلـبـا

    وبـأينا ظهـر الصواب فـمرحبـا يكفـي ظهـور الـحـق فيـنـا مطلـبـا

    الله عـلم في الـكـتاب نـبـيه عـنـد الـحـوار نـهــاه أن يتـعـصـبـا

    إنـا وإياكـــم ســواء قــولنــا فـــي الــبحث حتى نستبين المذهبا

    فالدين بالفهم الصحيح قـوامـه إذ لـيـس إكـراهــا ولـيــس تـحـزبـا

    وتعصب الأقـوام للـموروث عـجز لا يـبـيـن لـفاعـليه مـعــيــبــا

    والـحجة الغراء صـبح كاشــف والغضـبـة العـمـيـاء غـي أو غـبــا

    فاعرض مقالك في سماحـة واثـق وانـشر دلـيـلـك بالـبـيـان مـهـذبـا

    واسمع لخصمك لا تقاطع قـولـه فـلربـما أهـداك رأيــــا مـعـجـبـا

    ولرب حجـة مـنكـر يـدلي بـها تدلـي إليـك بــردهــا مـتـوثـبــا

    والصبر فـي الإنصـات كـنـز وافــر ولجاجة التشويـش حجـة مـن كبـا

    فـإذا دفعـت لـجـاجــة بلـجاجـة فالعـقل عـنـد كليكـما قــد غيـبـا

    ما أعظـم الإنصاف عند ذوي الحجـا والحـــلم سيف في المعامـع مـا نبـا

    والبـحث ليس فـي المراء وإنـمـا هـو أن تـنـور بالـدلـيـل الغـيـهـبـا

    فاجعـل بيـان الحـق سعيـك دائمـا واجعـل حسـان القـول عنـه معربـا

    وابذل لخصمك مثلمـا ترضـى وكـن مهمـا علمـت عـن الصـواب منقـبـا

    أتسبني بـاسـم الـحوار وترتـجي مـني قـبـولا !! ما أضـل واكـذبــا

    مـن يمتلك صدق الدليل فعرضـه بالـرفـق يمتـلـك الـقـلـوب محـبـبـا

    لو كـل مـن شـاءوا الحوار تهذبـوا بهـدي الكتـاب لكـان شيـئـا طيـبـا

    يا رب ألهمنا الهدايـة واكـفنـا حـب الظـهور وأن نـضل ونـكـذبـا

  • لأي سبب وفي أية ظروف تأجلت الانتخابات؟

    6 أيلول (سبتمبر) 2011

    لوكورمو عبدول أستاذ القانون الدولي والقيادي في اتحاد قوي التقدم

    لقد وضع إعلان وزير الداخلية قرار تأجيل الانتخابات التشريعية والبلدية إلى موعد لاحق, حدا لانتظار وهمي استمر منذ أن حددت نفس الوزارة آجال تلك الاستحقاقات. فقد كان الجميع على دراية بان تنظيم تلك الانتخابات في المواعيد المعلنة مستحيل بفعل غياب الحد الأدنى من الشروط الضرورية لعقد انتخابات طبيعية وهو ما دأبت على التذكير به طيلة الأسابيع بل الأشهر الماضية أحزاب المعارضة الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني والعديد من الشخصيات المستقلة بل إن عددا من الأحزاب والشخصيات المحسوبة على الأغلبية مافتئوا يتساءلون عن إمكانية إجراء هذه الانتخابات.

    غير أن الارتياح الذي سببه هذا القرار لا ينبغي أن يحجب عنا تساؤلا يفرض نفسه بشان نمط سير نظامنا السياسي الحالي ومظهره الديمقراطي.

    ذلك أن تأجيل الانتخابات عن موعدها الدستوري ولأجل معروف سلفا يعتبر تصرفا خطيرا من الناحية القانونية ومسؤولية سياسية جسيمة تفتح الباب واسعا أمام أشكال مختلفة من التلاعب بمؤسسات الجمهورية في الظرف الراهن كما في المستقبل.

    ونتذكر أن رئيس الجمهورية نفسه كان قد أعلن انه لا يستطيع اتخاذ قرار التأجيل نظرا لما سينجم عنه من "جدل قانوني"...

    وعلى كل حال فمن المعروف أن اللجوء لتأجيل الانتخابات لا يكون مقبولا إلا لأسباب وجيهة وعلى اثر توافق حقيقي بين الفر قاء السياسيين وطبقا لروح الدستور. أما هذا التأجيل فلم يستوف تلك الشروط وعليه فانه قد يسبب من الجدل والضبابية أكثر مما قد يجلبه لنا من مساعدة على الخروج من الأزمة السياسية والمؤسسية الراهنة.

    وكما تكرر ذلك أحزاب المعارضة فان الموضوع المطروح لم يكن طلب تأجيل الانتخابات بل المطالبة بتوفير الضمانات القانونية لتنظيمها بطريقة شفافة كى تفضي المنافسة المقررة إلى تطبيع الحياة السياسية والمؤسسية في البلاد بعد انقلاب الجنرالات.

    وقد كان تعنت السلطة الحاكمة فى عدم مواصلة تنفيذ المسلسل الذي انطلق في إطار إجماع دكار السبب المباشر للأزمة الراهنة على الرغم من الوعود والنيات المعلنة لهذه السلطة .

    فقد شرع النظام المتمسك بمنطق القوة وفرض الأمر الواقع و بإرادته الأحادية في فرض أجندته الخاصة على المشهد السياسي، دون أي تشاور حول تنفيذ "إصلاحات" جعلت من المستحيل، من حيث طبيعتها وحجمها وظروف انجازها، تنظيم أي انتخابات ذات مصداقية، أي انتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة.

    وقد بات النظام يتخبط في أوحال ارتجاليته وعدم تبصره .

    ويعتبر الوضع الكارثي للحالة المدنية والإنحارافات المتكررة التي تتخلل عمليات التسجيل أبلغ تجسيد لذلك التخبط ،فالواقع أنه لم تعد هنالك حالة مدنية بكل بساطة ،رغم أن الهدف المعلن لهذا الإصلاح تمثل رسميا في تزويد البلاد بهذه الأداة السحرية لإثبات الهوية الموريتانية الأصيلة .

    إن الحكومة عاجزة في الوقت الحالي عن تنظيم أي اقتراع دون إقصاء لوائح انتخابية وعشرات بل مئات الآلاف من الموريتانيين الذين لا يمكن التشكيك في هويتهم ومن بينهم آلاف الشباب الذين بلغوا سن التصويت ولكنهم بقوا عاجزين حتى عن الحصول على بطاقات ولد الطائع غير القابلة للتزوير في انتظار ظهور بطاقات أخرى ستكون بدون شك غير قابلة للتزوير . فلماذا هذا إذن ؟بكل بساطة لأن اعتبارات إيديولوجية غير مقبولة ومتجاوزة وصداقات خاصة طغت على الروح الجمهورية ومتطلبات الوجاهة والكفاءة في اختيار الإجراءات والأشخاص المكلفين بالحالة المدنية ونتيجة لذلك تبقى الجمهورية الإسلامية الموريتانية (وربما الصومال ) البلد الوحيد في العالم الذي بات من شبه المستحيل تحديد حالته المدنية من الناحية القانونية.ومن ثم وبغض النظر عن التلاعب والشوائب العالقة باللوائح الانتخابية خلال الرئاسيات الأخيرة ،فإن المشكل المطروح يكمن أساسا في دقة التسجيلات التي يفترض انطلاقها إضافة إلى الغياب التام للترتيبات الأخرى والإجراءات الضرورية لشفافية الاقتراع مثل تعيين لجنة مستقلة للانتخابات تكون موضع إجماع و إشراك ممثلي الأحزاب .السياسية فى مختلف مراحل المسلسل الانتقالي الخ ....... هذا علاوة على مواصلة بل وتعميم سياسة الإقصاء والقمع في حق الأحزاب السياسية المعارضة ومناصريها من حيث إقصائهم من وسائل الإعلام العمومية واحتجاز مخصصاتهم المالية وممارسة التمييز والاكتتاب في الصفقات العمومية وهو ما يجعل أحزاب المعارضة عاجزة عن ممارسة أنشطتها الاعتيادية أحرى عن المشاركة في منافسات انتخابية طبيعية . وهكذا يتبين لنا أن هنالك العديد من الأسباب التي تبرر تأجيل هذه الانتخابات إلا أن الدافع الحقيقي للسلطة ليس هو نفسه بالنسبة للمعارضة .فبالنسبة للسلطة التي تمسك بجميع الأوراق بما في ذلك حواسيب الحالة المدنية والقدرة على تقسيم المعارضة ،فإن هذا التأجيل لم تمله سوى الاعتبارات السياسوية والحسابات التي تتأتى من قصر النظر بعيدا عن أي اعتبار للقانون أو حرص على التوصل لحل وسط مع الفاعلين السياسيين الآخرين . وبالتالي فإن الذريعة التي يبرر بها هذا التأجيل وهي" الطلب المزعوم الصادر عن أغلبية "أحزاب المعرضة "تعكس بجلاء إرادة النظام في الإنفراد بقواعد اللعبة وبالتوقيت للأحداث السياسية ، ذلك أنه رغم الوزن السياسي للرئيسيين مسعود ولد بلخير وبيجل ولد هميد في الساحة الوطنية فإن حزبيهما لا يشكلان لا أغلبية المنسقية (كتجمع سياسي من عشرة أحزاب )ولا أغلبية المعارضة الديمقراطية الشرعية المؤسسية (مؤسسة المعارضة الديمقراطية ).

    وقد قرر الحزبان المذكوران لأسباب تخصهما كسر الإجماع القائم من خلال خارطة الطريق التي سلمها كل من مسعود ولد بلخير ومحفوظ ولد بتاح باسم جميع أعضاء منسقية المعارضة الديمقراطية لرئيس الجمهورية قبل أسبوعين والتي لم تجد ردا رسميا حتى الآن، وتحدد الورقة المذكورة إطار وشكل الحوار وشروطه الأساسية والشكلية (التي لا تعني سوى التنفيذ الفوري للتشريع المعمول به في مجال مشاركة الأحزاب والمواطنين في حياة سياسية طبيعية ريثما يفضي الحوار المرتقب للتعديلات المؤسسية والقانونية الضرورية من اجل الخروج من الأزمة الناجمة عن الانقلابات المتتالية التي أنهكت البلاد منذ أزيد من ثلاثين سنة).

    وقد تفاجئنا برئيس الجمهورية يقرر إيقاف المسلسل التشاوري المباشر بينه وبين منسقية المعارضة الديمقراطية من خلال اللقاءات المنسقة من طرف السيد مسعود ولد بلخير من اجل فرض شكل جديد للحوار ينسلخ بموجبه الرئيس تاركا مكانه للوزير الأول الذى ليس في الواقع الزعيم الفعلي للأغلبية والذي يدرك الجميع حدود صلاحياته السياسية والدستورية .

    بعد ذلك ظهرت "خارطة طريق" جديدة إلا أنها مسلمة هذه المرة من طرف الوزير الأول لتحل محل ورقة رئيس الجمهورية التي كانت موضع رد واضح ومحدد من طرف المنسقية عن طريق كل من مسعود و بتاح .

    والظاهر أن "خارطة طريق" الوزير الأول لم تكن تهدف إلا لتمرير فكرة تأجيل الاستحقاقات الانتخابية بناءا على إجماع مزعوم بين المعارضة والأغلبية وهو التأجيل الذي تم إخراجه بوصفه شرطا من شروط المعارضة قبلت به السلطة انطلاقا من روح التوافق كما قبلت بفتح الإعلام العمومي أمام المعارضة .

    من هنا يتبين أن الدافع كان سياسيا محضا وليس قرارا مشتركا وموضع تشاور أو نابع من اعتبارات ذات صلة بالمصلحة العامة، ضف إلى ذلك أن الغائب الأبرز في كل هذا الصخب السياسي والقانوني هو بالتحديد الهيأة التي كان يفترض أن تكون في الواجهة وهي المجلس الدستوري وإن كانت تشكيلته وظروف عمله الحالية تجعل النتيجة محسومة سلفا إلا أنه على الأقل كان من شأن رأيه السابق لقرار التأجيل (قبل المرسوم الصادر عن وزير الداخلية) أن يصون ماء الوجه ويعطي انطباعا لاحترام الدستور وتحسيس الرأي العام حول السلامة الشكلية للقرار المذكور .

    أما اليوم فبدل أن يكون انطلاقة لحوار صريح ومثمر جاء تعديل الرزنامة الانتخابية ليعمق الهوة والانقسام السياسي في البلد على أساس مشبوه . فقد سبب الارتباك للجميع في صفوف المعارضة كما في الموالاة بفعل غياب التشاور من جهة وسيل الإجراءات الأحادية التي تهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي للبلد بكامله ، وتقوض مجمل الترسانة القانونية والمؤسسية التي تحكم الحياة العامة في بلادنا ومن ثم توازناته الاقتصادية من جهة أخرى .

    إن انعدام الثقة بين الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين يدخل في صميم الأزمة الراهنة ومن ثم فإن الخروج من هذه الأزمة بوصفه الطريق الأوحد الذي يفتح الباب أمام حوار جاد وصريح يمر حتما باعتماد جملة من الإجراءات الكفيلة ببناء الثقة. ولكن هذا المخرج مرهون بشكل مطلق بإرادة رئيس الجمهورية وليس من الحكمة أن يفتح هذا الباب أمام البعض ويسد أمام الآخرين.

    إن بإمكان تأجيل الانتخابات اليوم أن يشكل منطلقا للحوار الجاد الذي يتطلع إليه جميع الموريتانيين على اختلاف مشاربهم إلا أن شرطه الوحيد هو أن تتحلى السلطة بإرادة جادة وتتخلى عن روح المناورة وقصر النظر وأن تفتح المجال واسعا أمام إجماع وطني حول الإصلاحات الديمقراطية الأصيلة التي يتطلع لها الجميع وإلا فإن الأزمة ستستمر وتستمر معها ضبابية آفاق المستقبل.

    ترجمة موقع:اتحاد قوى التقدم

  • فصول من المواجهات الساخنة بين نظام ولد الطائع والإسلاميين

    27 تموز (يوليو) 2011

    الأستاذ إسماعيل بن موسى بن الشيخ سيديا

    في ظروف دولية ظللتها أحداث 11 سبتمبر الشهيرة، وفى ظرف داخلي شديد الحساسية أقدم نظام معاوية ولد سيد أحمد ولد الطائع على حملة اعتقالات واسعة فى صفوف التيار الإسلامي كانت هي الأعنف من نوعها بعد اعتقالات سبتمبر 1994.

    هذه الاعتقالات كانت البداية الأولى لها يوم الأحد 4 مايو 2003 الساعة السابعة مساء حيث تم اٌقتياد الأستاذ محمد جميل بن منصور من مقر حزب تكتل القوى الديمقراطية وهو حينئذ عمدة منتخب لبلدية عرفات، وفى مساء الاثنين 5 مايو 2003 على تمام الساعة الواحدة ليلا تم اعتقال فضيلة الشيخ محمد الحسن ولد الددو حيث كان وقتها فى انواذيبو في إطار رحلة دعوية، ثم تصاعدت الأحداث بعد ذلك في اتجاهات مختلفة ومثيرة سنحاول تسليط الأضواء عليها بإذن الله تعالى.

    بيد أن حملات الاعتقال والملاحقة الأمنية للتيار الإسلامي ورموزه ومؤسساته تواصلت على مراحل متقطعة طيلة السنوات الثلاث الأخيرة من حكم ولد الطائع، فبعد الإفراج عن المعتقلين يوم 25أغشت 2003.

    تم فى يوم الأحد 10 أكتوبر 2004 اعتقال كل من فضيلة الشيخ محمد الحسن ولد الددو والأستاذ محمد جميل بن منصور والسفير المختار ولد محمد موسى لمدة ستة أيام بتهمة أن شبابا يدورون في فلكهم الروحي لهم علاقة بالمحاولة الانقلابية التي قادها الرائد صالح ولد حننا.

    وبعد أقل من شهر وبالتحديد يوم 2 نوفمبر 2004 تم من جديد اعتقال المشايخ الثلاثة، ولم يفرج عنهم إلا بعد عدة أشهر قضوها بين مفوضية الميناء والسجن المدني فكان قرار الإفراج تحديدا يوم الأحد 13 فبراير 2005 وذلك بعد 6 ساعات من إعلان المعتقلين في بيان موجه للرأي العام عن دخولهم فى إضراب مفتوح عن الطعام حتى تصحح وضعيتهم التي شرحوها بالتفصيل في البيان المذكور.

    وبعد أقل من ثلاثة أشهر وبالتحديد يوم الاثنين 25 إبريل 2005 شن النظام حملة اعتقالات أخرى طالت شخصيات دعوية وعلمية ، ولم يفرج عن المعتقلين الذين كان من ضمنهم أيضا فضيلة الشيخ محمد الحسن بن الددو إلا بعد الإطاحة بنظام معاوية ولد سيد أحمد ولد الطائع في الانقلاب الذي وقع فجر يوم الأربعاء 3 أغشت 2005.

    وقد أصدر الإسلاميون بيانا يوم الأربعاء 27 إبريل 2005 شرحوا فيه رؤيتهم لدوافع تلك الاعتقالات الأخيرة فى عهد ولد الطائع قالوا فيه: (...أقدمت الشرطة السياسية على حملة اعتقالات واسعة، استهدفت علماء وشخصيات إسلامية بارزة، يتصدرها الشيخ محمد الحسن ولد الددو والسفير المختار ولد محمد موسى واقتادتهم إلى مكان مجهول، وحسب هذه الشرطة فإن الأمر يتعلق بتنظيم إرهابي تم تفكيكه واعتقال زعمائه بناء على إبلاغ، على نحو يذكرنا بتلفيقات سابقة من كتيبة مصعب إلى معاداة الإمام مالك إلى دعم الانقلابات العسكرية إلى نشر الصور التي تنشر الخلاعة وتنافى القيم الإسلامية والإنسانية، وتأتى هذه الاعتقالات بعد أقل من ثلاثة أشهر على إطلاق سراح الشيخ محمد الحسن وإخوانه بحرية مؤقتة لتؤكد من جديد أن السلطة مصرة على السير بالبلاد في نفق القمع والظلم والتنكر لكل الثوابت، فقبل أيام استبدل الجمعة عيد المسلمين الأسبوعي بالأحد ليعزز النظام بذالك تسبيته (اتخاذ السبت عطلة) الذي قرره منذ فترة ويستعد النظام الآن لاستقبال وزير الخارجية الصهيوني شالوم، وقبل هذا وذاك يستمر الوضع الاقتصادي والاجتماعي في تدهور يعكسه ارتفاع الأسعار والتلاعب بالمال العام وغياب سياسات جادة تخفف وطأة الفقر والبؤس والمعاناة عن المواطنين...).

    وقد ميز موجات الاعتقالات تلك ومسلسل المواجهات الذي تلاها، أنها كانت محاولة حقيقية وأخيرة من النظام لاستئصال التيار الإسلامي ووضع حد نهائي لنشاطاته وتحركاته التي أثمرت صحوة إسلامية حقيقية في ربوع موريتانيا، وكانت التجربة التونسية في هذا المضمار (سياسة تجفيف المنابع) هي فلسفة النظام وإستراتجيته في التحرك.

    وقد تجلت هذه الفلسفة واضحة من خلال التقرير الإجمالي عن نتيجة التحقيق المنجز بشأن النشطاء (المتطرفين) الذي بعث به مدير أمن الدولة المفوض الرئيس دداه ولد محمد إلى وكيل الجمهورية بتاريخ: 3 يونيو 2003 حيث جاء فيه: (...وأظهر ما أنجز من مباحث حتى الآن، وبصورة لا تقبل الشك أن الساحة الوطنية بما تحويه من توجهات تقليدية وثقافية تم اختراقها من طرف تيار متطرف جد قوي يطبعه من جهة الاختلاف والتعارض العميقان مع القيم التقليدية السائدة بينما يكتسي من جهة أخرى طابعا فوضويا لا يقيم وزنا لأي شكل من أشكال الشرعية أو أي من القوانين المعمول بها، بما فيها النظام الدستوري نفسه الذى يعمل زعماء هذه الحركة على إقامة دولة تثيوقراطية لهم محله، ذات فكرة يحفها الغموض، وتبدوا حسب ما يسمحون بذكره من مظاهرها شديدة التصلب، شديدة التطرف، فائقة الشذوذ).

    ومساهمة في توضيح الصورة للرأي العام وتأريخا لتلك الأحداث بالغة الأهمية التي استمرت متقطعة على مدى السنوات الثلاث الأخيرة من حكم ولد الطائع سنحاول تسليط الأضواء عليها من جوانب مختلفة عبرة وذكرى:

    أولا: تسلسل الأحداث:
    - إبريل 2003 وزير الثقافة والتوجيه الإسلامي يلتقي على مدى أسابيع بعشرات الأئمة ويقول لهم بالحرف كما ورد في العدد: 114 من جريدة الراية الصادر الثلاثاء 29/4/ 2003 (إن وزارته ستقوم بتحويل أي مسجد ينحرف عن مساره إلى مخبزة وأن الإمام ينبغى أن يكون عين السلطان فيبلغ الوزارة عن أي مشاكل تقع، كما حذر الوزير الأئمة من ما أسماه إفساد أفكار الناس وطلب منهم أن يضبطوا الكلام في المساجد وأن يتعرفوا على هوية أي شخص يريد أن يتكلم، ومضمون الخطاب الذي يريد قوله، وأضاف الوزير أن الحديث عن فقه السلطان والجهاد وتطبيق الشريعة نوع من التشهير والتحريض، لذالك يجب تجنبه والابتعاد عنه، واتهم الوزير الأئمة بأنهم طيبون إن لم أقل ساذجين، حين تستغلهم بعض الأيادي الخفية لأغراضها الخاصة...

    كما وزعت الوزارة خلال نفس الفترة استمارة تشمل أسئلة تفصيلية عن الإمام ونائبه والمسجد وملكيته وعلاقته بمحيطه وقد رفض عدد من الأئمة ملأ الاستمارة قائلين إنها استمارة استخباراتية تهدف إلى تدجين المساجد وتطويعها).

    - الخميس 24 إبريل 2003 فضيلة الشيخ محمد الحسن ولد الددو يلقى محاضرة هامة بعنوان: رسالة المسجد استعرض فيها حشدا من الأدلة الشرعية والوقائع التاريخية التى تؤكد على عظم مكانة المسجد ووجوب احترامه.

    - مساء الجمعة 25 إبريل الأستاذ الداعية محمد ولد سيد يحي يلقى درسا في مسجد أبى طلحة بالرابع والعشرين يتحدث فيه بأسلوبه المعهود الذي يجمع بين الجرأة والإمتاع قائلا: إن الذى يعرف فى النصوص الفقهية المتداولة لدى الموريتانيين أن شرط الإمام ذكر مكلف، وأنه لا يعرف أن شرط الإمام مخبز، واعتبر ولد سيد يحي أن الدور الجديد الذى يبدو أن الوزارة تريد من الأئمة أن يقوموا به هو دور الشرطة وليس دور الأئمة.

    - الجمعة 25 إبريل 2003: كان يوما ساخنا تولى فيه عدد من الأئمة الرد المباشر على الوزير وعلى توجهات وزارة الثقافة والتوجيه الإسلامي، وكان أبرز الخطباء فى هذا اليوم الشيخ محمد غلام ولد الحاج الشيخ نائب رئيس حزب تواصل الآن الذى أم الناس فى مسجد التوفيق بكرفور وقدم فى خطبته نماذج من الحالات التى نهى فيها بعض الأئمة السلطان عن بعض المنكرات كما حصل مع المنذر بن سعيد البلوخي قاض الأندلس وإمامها فى أيام عبد الرحمن الداخل الذى انتقد تشييد السلطان لقصر الزهراء بأموال باهظة من أقوات الناس ومؤنهم، وبدأ خطبته بقول الله عز وجل (أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين) فأنصت له الخليفة ولم يعزله وإنما اعتزل المسجد وحين طلب منه بعض المنافقين أن يعزل الإمام ويعود إلى مسجده أجاب: كلا، وإنما علي أن أكفر عن يميني فأعود إلى الصلاة مع سعيد فالناس بحاجة إلى علمه وورعه.

    - أما عبد الرحمن بن الصبار إمام مسجد أسامة بن زيد فى لكصر وأحد أبرز تلامذة الإمام بداه بن البصيري فافتتح خطبته بالتنبيه إلى أن المساجد لله أضافها لنفسه إضافة ملك وتشريف (وأن المساجد لله) ووظيفة هذه المساجد جزء منها ومن قدسيتها وليس لأي احد أيا كان وصفه أن يتعرض لها ، واستعرض عبد الرحمن مجموعة من النصوص الشرعية الدالة على رسالة المسجد، كما قدم نقولا من كتب بعض العلماء والفقهاء مثل القرطبي وابن عبد البر، والنووي ومحمد مولود بن أحمد فال وسيد عبد الله ولد الحاج إبراهيم، وتابع بن الصبار قائلا: إن الحرية التي في المساجد حرية أعطاها الشرع وليس لأحد كان منعها ولا المن بها، كما ليس لأحد تسخيرها لحزب أيا كان فالمساجد وأئمتها ليسوا بتابعين لحزب معارض ولا لحزب حاكم، ولا ينبغي لهم أن يكونوا كذلك فهم من الجميع وللجميع تعليما وإرشادا ومحاربة للجور والفساد والرذائل ونشرا للعدل والإصلاح والفضائل وتثبيتا للاستقرار وبثا لروح التآخي بين كل الموريتانيين.

    - إمام آخر قال: إنه إذا كان المسجد قد هان على الوزير إلى هذا الحد فإن المسجد لدى بقية المسلمين شيء عظيم.. ولن يسمحوا لأحد بتحويله إلى مخبزة إلا على آخر جثة من جثثهم.

    - وتساءل بعض الأئمة عن العلاقة بين المسجد والمخبزة والتى جعلت الوزير يقوم بهذا الربط بينهما.

    - فيما دعا آخرون إلى تحويل دور البغاء التى تعج بها نواكشوط وكبريات المدن الموريتانية إلى مخابز إن كانت لدى الوزارة أزمة قطع أرضية صالحة للمخابز.

    - الثلاثاء 29 إبريل 2003 وزارة الثقافة والتوجيه الإسلامي ترد بقوة على الأئمة في وثيقة تحمل عنوان: بيان من وزير الثقافة والتوجيه الإسلامي يقول في مقدمتها: (راجت خلال الأسبوع الماضي شائعات مغرضة نسب فيها بعض المتطفلين على المساجد وأدعياء الدعوة افتراءات شنيعة لي كوزير للثقافة والتوجيه الإسلامي.

    ورغبة في إحقاق الحق ودحض الباطل أود توضيح الأمور التالية.. إلى أن يقول: قلت إن المسجد الذى يقوم الخطباء فيه بما يوجب تفريق الأمة وتضعيفها وإثارة الفتن بينها وخذلان جماعة المسلمين وإضعاف وحدتهم يعتبر مسجد ضرار لا يسكت فقط بل تجب إزالته من الخريطة وهدمه وتحريقه كما فعل صلى الله عليه وسلم بمسجد الضرار فى المدينة المنورة الذى نزل فيه قوله تعالى (الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين) إلى قوله تعالى: (لا تقم فيه أبدا) وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم هدم هذا المسجد، وحرقه، لأنه فرق بين المؤمنين، وأمر أن يكون محله موقعا لرمي الأوساخ والجيف.

    وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إمام هذا المسجد من أن يكون إماما في خلافته، ويدل قوله تعالى (لا يزال بنيانهم الذى بنوا ريبة فى قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم) على أن الخبث لن يخرج من قلوبهم ما دامت لم تقطع.

    هذا هو ما قلته أنا أمام قرابة ثلاثمائة من علماء المسلمين وأئمتهم، خلافا لما ادعاه وأشاعه المرجفون الكاذبون الذين يستخدمون المساجد للشائعات وقول الزور، ويسعون بالنميمة والخيانة بين جماعات المسلمين، حملتهم على ذلك طموحات شخصية ودوافع غير شرعية وأطماع خائبة، يعتلون المنابر – مستغلين قدسيتها وحريتها للتعليم والدعوة متلاعبين بمشاعر المسلمين يملؤون المساجد ضجيجا والمنابر شتما وهجرا، ويمنعون المصلين من الخشوع والتائبين من الدعاء، يؤذون الناس ليلا نهارا لا يفترون، ينهشون أعراض الناس ويبثون بينهم الحقد والضغينة – سبحانك هذا بهتان عظيم.

    هذا هو الحق الذي لا شيء غيره ، والله على ما أقول شهيد. وهو أعلم بالمفسد من المصلح، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله).

    ...بعد ذالك تتوالى الأحداث ويتم اقتياد عدد من الأئمة والدعاة إلى السجون (مدرسة الشرطة وبعض مفوضيات العاصمة).

    - الأربعاء 7 مايو 2003 وكيل الجمهورية يؤكد أخبار الاعتقالات ويقول في تصريح صحفي إنه تم اعتقال (مجموعة تعمل على تحريض الشباب على العنف وإحداث فتنة في الدين داخل المساجد، مما يشكل خروجا هو الآخر على القانون، منتهكة حرمة المسجد وقداسته، وعليه فإن السيادة يجب أن تكون للقانون داخل دولة القانون.

    لهذا فإن هذا التوقيف وقع تحت رعاية القضاء وبإشراف منه، ولن ينتهك أي حق يحميه القانون لأي مواطن).

    - الاثنين 12 مايو 2003 جاء في رسالة مفتوحة موجهة إلى مدير الأمن الوطني من زوجات المعتقلين ما يلي: (إننا نحن الموقعات أسفله نرفع إلى علمكم الكريم ما يلي: من منازلهم ومكاتبهم وحتى من الشارع العام وفى أوقات متفرقة أغلبها ساعات متأخرة من الليل قامت عناصر يرجح أنها من الشرطة باعتقال المفقودين أو اختطافهم على الأصح، وقد انقطع الاتصال هاتفيا مع المفقودين ولا نعرف شيئا عن مكان احتجازهم ولاعن ظروف عيشهم فى مكان الاحتجاز ولا المعاملة التى يلقونها فيه، الأمر الذي يجعلنا نقلق عليهم ويشتد الحزن كلما طالت مدة انعدام أخبارهم...).

    وتضيف الرسالة المفتوحة: (ونظرا إلى أننا حضرنا إلى إدارة الأمن الوطني فى مرات عديدة للبحث عن أخبار المعتقلين فكان الجواب من حراس الإدارة هو التهديد والضرب والاعتقال. ونظرا إلى القلق المتزايد على صحة المعتقلين والحالة المعنوية لأبناء وبنات وأمهات وآباء وكافة أفراد أسرهم وأقاربهم فإننا نطلب منكم القيام بكل ما هو لازم ومفيد من إجراءات لمعرفة أحوال المفقودين وإطلاق سراحهم ومحاسبة المسؤولين عن احتجازهم ظلما).

    - الأحد 18 مايو 2003 في أول تعليق حكومي على الاعتقالات الوزير الأول وفى أعقاب زيارة لدار الكتاب بلكصر يدلى بتصريح للصحافة يقول فيه: (...في الوقت الذي تشهد فيه بلادنا نهضة شاملة في شتى المجالات، وتعيش في جو من الاستقرار والسكينة في ظل دولة القانون، يطالعنا خطر داهم من جهة لم نكن نتوقعه منها، والغريب أن هذا الخطر يرتدى ثوب الإسلام... ففي الآونة الأخيرة شهدت بلادنا بعض المسلكيات الشاذة التى لم تكن معروفة فى بلدنا المعروف بالتسامح والحرص على قيمه المبنية على الاعتدال والوسطية والبعيدة كل البعد عن التطرف.

    ولقد تمثلت هذه المسلكيات الشاذة فى سب وتكفير وترهيب علمائنا وأئمتنا ومشايخنا بوصفهم المرجعية للمفاهيم الصحيحة لديننا الحنيف.

    كما تمثلت فى محاولة تضليل المواطنين وتحريض الشباب على أعمال العنف، ودفع النساء للنزول إلى الشوارع فى زي غريب على تقاليدنا وعاداتنا الإسلامية.

    إن هذه التصرفات والأساليب هي من صنع حركات تدعى أنها إسلامية وهي حركات متطرفة وتتلقى أوامرها في الحقيقة من الخارج، ويرى الكثير من المفكرين أنها زرعت فى البلدان الإسلامية وجندت من قبل أعداء للإسلام، وقد أصبحت منبوذة من طرف كل الشعوب التي أدركت خطورتها).

    ويضيف الوزير الأول قائلا: (لقد تم في الآونة الأخيرة توقيف عناصر من هذه الحركات المشبوهة على ذمة التحقيق وفور اكتمال هذا التحقيق سيتم –بحول الله – الإفراج عن العناصر البريئة وإحالة العناصر المتورطة إلى العدالة.

    ويجب أن لا ينخدع المواطنون بأن أساليب العنف والخطاب المتطرف بدأ يتراجع، فهذه العناصر ما لم تتلق تعليماتها من أسيادها فى الخارج ستظل تسلك نفس النهج وتتمسك بنفس الأسلوب).

    ...وقد كان خطاب الوزير الأول إيذانا بموجة جديدة من الحملات الإعلامية الشرسة ضد التيار الإسلامي ورموزه ومؤسساته، وتولت الوكالة الموريتانية للإنباء قيادة تلك الحملات ، وكان للإذاعة والتلفزيون دورهما المشهود أيضا.

    من أولى الافتتاحيات تلك التى وردت فى عدد جريدة الشعب رقم: 7662 بتاريخ: الجمعة 16مايو 2003 تعليقا على تفجيرات الدار البيضاء وتلميحا إلى السياق الذى يسعى النظام لوضع الاعتقالات في إطاره تقول الافتتاحية: (... وما من شك فيه أن الدماء الغزيرة والجثث المتفحمة والأشلاء المتناثرة التى تنقل إلينا صورها يوميا من هذه البقعة أو تلك مثيرة لمشاعر التقزز، وتدعو إلى كل أشكال الشجب والإدانة والاستنكار.

    والأدهى والأمر أن هذه الأعمال الهمجية ترتكب باسم الدين والشريعة ويسعى مرتكبوها ومدبروها إلى تسويغها من خلال فتاوى تجيز لهم ارتكاب مثل هذه الجرائم الفظيعة المنافية لتعليم ديننا السمحاء... والأخطر من هذا كله أن يتعاطف معها البعض مستغلا المنابر للتصفيق لها وتسويقها).

    وفى افتتاحية أخرى لوكالة الأنباء الموريتانية بتاريخ الاثنين 18 يوليو 2005 أي قبل 17 يوما فقط من الإطاحة بنظام ولد الطائع ورد ما يلي: (...إن موريتانيا اليوم المتصالحة مع ذاتها تواصل حمل لواء الإسلام، جاعلة منه بمقتضى دستور الـ20 يوليو دين الدولة والشعب ومصدر التشريع، متشبثة بتعاليم الإسلام السني المالكي الأشعري، منهجها الذي تعض عليه بالنواجذ ويتشبث به مجتمعنا رافضا التلاعب بعقول أبنائه والتشويش على خيارات دولته الوطنية كما أكد على ذلك رئيس الجمهورية السيد معاوية ولد سيد أحمد الطايع.

    من هنا يأتي حث سيادته خلال اجتماع مجلس الوزراء الأخير على ضرورة يقظة شعبنا وانتباه الآباء والأمهات على وجه الخصوص لهذا الخطر الكبير الذي يتهدد شبابنا، لاستباق المخاطر المحدقة الناجمة عن تفشى ظاهرة الإرهاب المنبوذة والمدانة.

    ومن الغريب أن نرى اليوم بعضا من سليمي النفوس يتركون أبناءهم، فلذات أكبادهم، ثمرتهم في الحياة عرضة لما تبثه جماعات الخوارج من زيغ وفساد.

    إن على هؤلاء الطيبين أن لا يغتروا بمظهر أولئك البغاة أحرى أن يسمحوا لهم بالوصول إلى أغراضهم الدنيئة).

    تلك نماذج يسيرة من تلك الحملات المغرضة التي شنها الإعلام الرسمي وجند لها فقهاء وعامة، وهو ما حدى بلفيف من المحامين الموريتانيين المشهورين (محفوظ ولد بتاح، محمدن ولد اشدو، محمدن ولد السفاح، مولود فال ولد السيد، الإمام ولد الشيخ، الشيخ ولد منيرة، الشيخ ولد أحمد محمود) إلى رفع شكوى إلى وكيل الجمهورية من مديري المؤسسات الإعلامية الرسمية الثلاث (الوكالة، الإذاعة، التلفزيون) بتاريخ: 7 أغشت 2003، باسم أحد المعتقلين من الأئمة ومن ما جاء في تلك الشكوى: (أن وسائل الإعلام المذكورة أعلاه المرئية منها والمسموعة والمكتوبة تشن حملة دعائية مغرضة تصفه تعريضا (أي موكلهم) بشتى الصفات البذيئة، وتلصق به أبشع وأفظع التهم، وترميه بالجهل والخروج والفساد، وإثارة الفتن إلى غير ذلك، وقد تجسدت تلك الحملة في الافتتاحيات والبيانات والندوات والمقابلات، وظلت الوكالة الموريتانية للأنباء وجريدتا الشعب و horizons والإذاعة الموريتانية والتلفزة الموريتانية هي الأدوات التي ارتكبت عن طريقها تلك الجريمة على مرأى ومسمع من الجميع، وبصفة مستمرة ومتكررة... إلخ).

    ثم سارت الأحداث متصاعدة بعد ذلك:

    - الأحد 25 مايو 2003: تم إغلاق جمعية الحكمة للأصالة وإحياء التراث وهي جمعية ثقافية دعوية.
    - الثلاثاء 27 مايو 2003: تم اعتقال جميع أساتذة المعهد السعودي.
    - الخميس 29 مايو 2005: تم حظر جريدة الراية، وهو قرار استهجنته الصحافة الحرة بقوة.
    - يوم الثلاثاء 3 يونيو 2005 إحالة المعتقلين إلى وكيل الجمهورية، الذي قرر إيداعهم على ذمة التحقيق في سجن بيله، وأصدر مذكرات توقيف فى حق كل من الأستاذ خطرى ولد حامد، الداعية محمد غلام ولد الحاج الشيخ، الأستاذ محمد محمود ولد سييدى.
    - الأحد 8 يونيو 2003 المحاولة الانقلابية الشهيرة التى قادها الرائد صالح ولد حننا، وهزت أركان النظام.

    وقد خروج المعتقلون الإسلاميون من سجن بيله، بعد حالة الفوضى التي سببتها المحاولة الانقلابية.

    لكن بعد أن استتبت الأوضاع للنظام سلم الأئمة والدعاة أنفسهم وبشكل طوعي للسلطات إلا الأستاذ محمد جميل بن منصور الذى فضل البقاء خارج أسوار السجن، وحصل فيما بعد على حق اللجوء السياسي هو واثنين من المطلوبين آنذاك وهما:
    - الأستاذ محمد محمود ولد سييدى.
    - الأستاذ أحمدو ولد وديعة.

    ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقررة في: السابع من نوفمبر 2003. بدأ الضغط الشعبي يشتد على النظام، والمطالبات بالإفراج عن الأئمة والدعاة تتعالى، وكان رسل الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي يواجهون بها أينما حلوا.

    وهو ما جعل السلطة تتخذ قرار مفاجئا بالإفراج عن المعتقلين الإسلاميين بحرية مؤقتة؛ قرار الإفراج كان يوم 25 أغشت 2003، وكان يوما مشهودا فى العاصمة نواكشوط، حيث انطلقت مسيرات الفرح في أبرز شوارع العاصمة.

    أما موجات الاعتقال الأخرى التى أشرنا إليها فى بداية هذا المقال فقد سارت على نفس المنوال (حملات إعلامية) رسمية شرسة تسخر من الدعاة وتشهر بهم وتسعى لإحداث شرخ عميق بينهم والمجتمع، وتضييق شديد على المساجد وانتهاك حرمتها، وإطلاق الرصاص الحي فيها وترويع المصلين وإطلاق مسيلات الدموع عليهم، وحملات التفتيش والمداهمة التى لم تسلم منها حتى مغاسل الموتى.

    ثانيا: المقاومة وردود الفعل: غير أن روح المقاومة كانت أشد وأكثر ثراء وتنوعا ...لقد كان التضامن الشعبي مع الأئمة والدعاة كبيرا ونوعيا، وتم التعبير عنه بشتى الوسائل فأصدرت أبرز الأحزاب الوطنية ومنظمات المجتمع المدني بيانات تعبر فيها عن قلقها من ما يحدث وكتبت عشرات المقالات الصحفية التي تدافع عن الأئمة والدعاة وتنافست القبائل في التعبير عن التضامن مع المعتقلين. ولأخذ صورة عن الموضوع نتوقف سريعا عند:

    1- المقالات والمعالجات: إن الذي يراجع المواقع الالكترونية، والصحافة المستقلة يجد كتابا وشعراء ومثقفين عبروا بقوة عن رفضهم للإشاعات المغرضة ضد الإسلاميين، وكتبوا يدافعون عنهم رغم الظروف السياسية والأمنية الصعبة التي كانت سائدة في ذالك الوقت العصيب.

    ومن المقالات الشائعة والتي تم تداولها على نطاق واسع فى تلك الفترة مقالات: محمد ولد المختار الشنقيطي، ومحمد محمود ولد أبو المعالى، وسيدى محمد ولد يونس، وأحمدو ولد وديعة، ومحمد المهدي ولد محمد البشير، وحبيب الله ولد أحمد، والسالك ولد سيد محمود، ومحمد ولد عبد الرحمن، والشيخ محمد الأمين ولد مزيد، ومحمد جميل بن منصور، وأم المؤمنين بنت اللهاه، وأحمد ولد أبو المعالي، وأحمد فال ولد الدين... وغيرهم وغيرهم من من لا يتسع المقام هنا لذكرهم.

    أما عناوين مقالات أولئك القوم فنذكر منها:
    - التسخين والترويع وثمن التطبيع.
    - موريتانيا... صراع الشرعية وظلال 11 سبتمبر.
    - على رسلك يا صاحب المعالي.
    - إنهم يخنقون صوت بلال.
    - رسالة إلى شيخنا السجين بظلم.. وهي مقالات للمفكر محمد ولد المختار الشنقيطي.

    - الاعتقال التعسفي اللانمطي.
    - إلى الشيخ الددو.. سجين الاعتدال، وهما مقالان للكاتب الصحفي محمد محمود ولد أبو المعالي.

    - كلمة حق ردا على تصريح الوزير الأول. للكاتب الصحفي سيد محمد بن يونس.

    - في خضم دعاية النظام الإرهابية... الإسلاميون في موريتانيا حقائق ومواقف.
    - لا لن تجعلوا منا إرهابيين.
    - صدق العلماء وكذب النظام.
    - الذين تولوا كبرها. وهي مقالات شهيرة للأستاذ أحمدو ولد وديعة .

    - حول القانون غير المشروع.
    - تعليق متأخر على حديث مكرر.

    للأستاذ محمد جميل بن منصور، والذي أصدر بعد ذلك كتابه المعروف (موسم الافتراء) والذي يحمل أهم الردود على افتراءات النظام على الإسلاميين.

    - القانون الجديد تفريغ لرسالة المسجد من محتواها. لمحمد المهدي ولد محمد البشير، وكانت للأستاذ محمد المهدي ولد محمد البشير مقالات أخرى ذائعة الصيت خلال الأزمة.

    - دروس في المقاومة، وهي مقالات رائعة كتبها على حلقات الشيخ محمد الأمين ولد الشيخ مزيد، فضلا عن سلسلة مقالات أخرى هامة منها:
    - قانون المغادرة فورا.
    - خطيب الشيطان.
    - الإخوان المسلمون من النشأة إلى الحل.

    - مفاجآت خطاب ازويرات.

    للسالك ولد سيد محمود، وكانت للأستاذ السالك صولات وجولات ومقابلات وتصريحات صحفية.

    - مع الشيخ الددو. للكاتب الصحفي المعروف حبيب الله ولد أحمد.

    - هل نستحق الشيخ الددو. للكاتب الصحفي المعروف أحمد فال ولد الدين.

    - هذه هي حقيقة الشيخ محمد الحسن ولد الددو. للصحفي المعروف يحي ولد الحمد.

    - قف في المربع الصحيح، أم المؤمنين بنت اللهاه.

    - الطاولة الرسمية ورسالة المسجد، أحمد ولد أبو المعالي.

    2- البيانات والعرائض: أحزاب سياسية كثيرة ومنظمات دولية أصدرت بيانات تندد بالاعتقالات وترفض دعايات النظام ومنها:
    - حزب التحالف الشعبي التقدمي.
    - حزب تكتل القوى الديمقراطية.
    - حزب اتحاد قوى التقدم.
    - الجبهة الشعبية.
    - حزب الصواب.
    - حزب الوحدوي الديمقراطي.
    - حركة تطوير الديمقراطية.
    - الحزب الموريتاني للتجديد والوئام.
    - الرباط الوطني لمقاومة الاختراق الصهيوني وللدفاع عن القدس.
    - نواب وعمد اتحاد قوى التقدم.
    - مستشارو بلدية عرفات.
    - النقابة المستقلة لأساتذة التعليم الثانوي.
    - منظمة العفو الدولية.
    - مجموعة الأزمات الدولية.
    - المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان. ينضاف إلى ذلك تلك التزكية الهامة التى وقع عليها مشاهير علماء البلد وأئمته وعلى رأسهم: العلامة محمد سالم ولد عدود، والشيخ محمد فال (أباه) ولد عبد الله، والأستاذ محمد ولد سيد يحي، والإمام محمد الأمين ولد الحسن، والإمام محمد محمود ولد أحمد يوره، والشيخ محمد سعيد ولد ابياه، والشيخ محمد يحي ولد الإمام، وغيرهم وغيرهم.

    ومن ما جاء فيها: (أفيد من يهمهم الأمر أن العالم الداعية الشيخ محمد الحسن ابن الددو وإخوانه الذين معه من علماء ودعاة وأئمة من أبرز علماء ودعاة هذا البلد المتشبثين بسيرة العلماء الشناقطة من تعليم الناس الخير، ودعوتهم إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتى هي أحسن وبذل الخير والنصح والإرشاد لهم، والحرص على وحدة صف المسلمين وتقوية أواصر الأخوة والمودة في ما بينهم...

    وجاء في نهاية تلك التزكية التاريخية ما يلي: (...ولم يدعوا يوما إلى العنف ولا إلى التطرف ولا إلى ما فيه إخلال بأمن المجتمع بل العكس هو الصحيح، كما نفيد بتزكية كل من ينهج هذا النهج من علماء هذا البلد ودعاته، ولا نزكى على أحدا).

    وقد حرص كل من وقع على هذه التزكية من كبار العلماء أن يكتب شهادته وتزكيته بخط يده حيث توجد الآن تلك التزكية محلاة بتلك الشهادات النادرة.

    وقبل ذلك في سنة 2003 صدرت تزكية بالغة الأهمية كان على رأس الموقعين عليها فضيلة الإمام الأكبر بداه ولد البوصيري الذى كتب بخط يده ما يلي: (ما شهد به العلامة فوق هو الذي عندي) ويعنى هنا العلامة الشيخ محمد سالم ولد عدود، وقد وقع على هذه التزكية: 275 شخصا ما بين أئمة ودعاة وأساتذة معروفين، ومن ما جاء في تلك التزكية (...وإنا لنحسب أن الشيخ محمد الحسن بن الددو من خيرة علماء هذا البلد العاملين بمقتضى علمهم الذابين عن الحق المعلمين الخلق، وقد وضع الله له القبول بين الناس والمحبة فى قلوبهم فأقبلوا عليه يغترفون من زلال علمه ويستشفون ببركة دعائه حتى كأنه المقصود بقول القائل:

    يزدحم الناس على بابه والمنهل العذب كثير الزحام

    وقد اشتهر عنه كما اشتهر عن الموقوفين معه السعي لإصلاح المجتمع والحض على أسباب الاستقرار وحفظ الأمن والتحذير من الفتن وسفك الدماء وتميز خطابهم بالوسطية والاعتدال ونبذ العنف والكراهية، والدعوة للتسامح والتغافر والتصالح فلا يلتفت إلى دعوى خلاف ذلك بل يؤدب صاحبها كما نص على ذلك خليل في مختصره (وأدب كمدعيه على صالح) وبناء على ذلك فإننا نطالب بالإفراج عن الشيخ وإخوانه ومعاملتهم بما هم أهله من الاحترام والتكريم).

    ومن داخل السجن أصدر فضيلة الشيخ محمد الحسن بن الددو فتوى بتاريخ: 31 أغشت 2003 تفيد ببطلان الدعوى على الأئمة والدعاة، ومن ما جاء فيها: (الحمد لله وحده، أما بعد: فإن الدعوى على الأئمة والدعاة المعروفين بالاستقامة أنهم يتآمرون على النظام الدستوري، وأنهم يهددون الأمن الداخلي والخارجي، وأنهم ينتمون لجمعيات غير مرخص لها. من التهم الباطلة شرعا التي لا يحل للقاضي سماعها، ويجب عليه تأديب من يدعيها، فهي أعظم بكثير من دعوى الغصب، وقد قال خليل رحمه الله فى الغصب: (وأدب المميز كمدعيه على صالح) وقال شارحه الزرقاني رحمه الله: (..وأدب) وجوبا باجتهاد الحاكم غاصب (مميز) بعد أن يأخذ منه ما غصب بل ولو عفا عنه المغصوب منه، لحق الله لا للتحريم بل لدفع الفساد في الأرض واستصلاح حاله، كضرب الدابة لذالك. (كمدعيه) أي كأدب مدعى الغصب (على صالح) وهو من لا يتهم به. أو من هو من أهل الخير والدين تفسيران وليس المراد الصالح العرفي)، وقد جاء النص على هذه المسألة فى آخر كتاب السرقة من المدونة.

    ومثل هذه الدعوى في كل ما ذكر الادعاء على الأئمة والدعاة بأنهم إرهابيون أو تكفيريون أو يطعنون فى الأئمة الأعلام أو ينتحلون نحلة الخوارج، وأعظم منها قذفهم بالكفر كالبهائية والهندوسية والبوذية، والتشهير بذلك في وسائل الإعلام...). إلى آخر تلك الفتوى الهامة.

    - أيضا وفى نفس سياق المقاومة شهدت أسواق العاصمة نواكشوط سلسلة متواصلة من الاحتجاجات حيث أغلقت بعض الأسواق أبوابها عدة مرات للتعبير عن رفضها القاطع لاعتقال الأئمة والعلماء، كما شهدت مناطق متعددة من نواكشوط اعتصامات فى كل من البرلمان ووزارة العدل وإدارة الأمن ووزارة الداخلية، والسجن المدني، وسجن بيلا، وكانت تلك الاعتصامات تفرق أحيانا بالقوة المفرطة من طرف البوليس.

    - من جهة أخري أصر العاملون للإسلام على أن تستمر الدعوة العرفية في المساجد مهما كلف الثمن، وتحدوا قانون المساجد الذي تم تمريره من خلال البرلمان الذي كان يسيطر عليه الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي، وكان ثمن ذلك اعتقال الأئمة وعشرات الشبان من على منابر المساجد، وفى إحدى المرات أعيد اعتقال أحد الأئمة المعرفين بعد إنهائه لخطبة الجمعة وقبل أن يصلى بالناس.

    - وفى يوم 8 مايو 2005 أصدر عشرات من الشخصيات الفاعلة من مختلف التوجهات السياسية والفكرية (عريضة وطنية) استنكروا فيها حملة الاعتقالات التى استهدفت العلماء والشخصيات الوطنية، وطالبوا فيها بإطلاق سراحهم.

    وضمت لائحة الموقعين جل قادة الأحزاب السياسية المعارضة إضافة إلى برلمانيين وعمدا وصحافة واقتصاديين ورجال أعمال وأساتذة وتجار وحتى ربات بيوت.

    ولم يقتصر الأمر على المستوى الوطني فقد صدرت مناشدات عالمية غير مسبوقة تناشد الحكومة الموريتانية وتطالبها بإطلاق سراح فضيلة الشيخ محمد الحسن ولد الددو وإخوانه، وقد صدرت تلك المناشدات والمطالبات والمواقف النبيلة من أبرز القيادات الإسلامية عبر العلم نذكر منها:

    - بيان من علماء ودعاة الأمة يطالب بالإفراج عن العلامة الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي، وقد وقع على البيان ثلاثون عالما من مشاهير علماء الأمة من بينهم الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ راشد الغنوشي والدكتور جاسم بن مهلهل الياسين والشيخ محمد أحمد الراشد.

    - نداء للإفراج عن العالم الجليل الشيخ محمد الحسن ولد الددو من الشيخ يوسف القرضاوي.

    - رسالة من المرشد العام للإخوان المسلمين محمد مهدى عاكف إلى الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطائع.

    - بيان من حركة النهضة التونسية.

    - رسالة من الأمين العام لجبهة العمل الإسلامي فى الأردن إلى الرئيس الموريتاني.

    - نداء من الشيخ فهد سلمان العودة إلى الرئيس الموريتاني.

    - مناشدة من الشيخ قاضى حسين أحمد أمير الجماعة الإسلامية في باكستان.

    - بيان تنديد واستنكار من حركة الإصلاح الوطني الجزائرية.

    - مناشدة من الدكتور محمد عياش الكبيسي ممثل هيئة علماء المسلمين فى العراق.

    - بيان من الدكتور عزام التميمي مدير معهد الفكر السياسي الإسلامي بلندن.

    - نداء من الشيخ فيصل مولوي الأمين العام للجماعة الإسلامية بلبنان.

    - نداء من الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان المغربية.

    - بيان من أمير جماعة عباد الرحمن في السنغال الأستاذ أحمد جاه.

    وفى يوم 10 يونيو 2005 أصدرت هيئة الدفاع عن المعتقلين الإسلاميين بيانا تحدثت فيه عن الأوضاع السيئة التي يعيشها المعتقلون، وذكر البيان بالاسم ثلاثة منهم وكان من ضمنهم كما جاء في البيان الصحفي بالحرف: (الشيخ محمد الحسن ولد الددو الذي يظل معزولا.. فى زنزانة لا سقف لها بمحاذاة مرحاض معرض لحر الشمس ولتقلبات الطقس وتلوث الهواء يمنع من العلاج الفعلي رغم حالته الصحية العامة وإصابته بالقرح المعدوي ومن نوبات متلاحقة من حمى الملاريا.

    - محمد الأمين ولد الحسن إمام مسجد الشرفاء المصاب بارتفاع شديد في الضغط ويعانى كذالك من السكري المزمن ومن الصداع النصفي، والذي هو الآخر لم يراع المانع القانوني أمام اعتقاله وإيداعه السجن وهو المانع المتمثل في تقدم سنه).

    لكن هذه النداءات والاستغاثات والمناشدات ضرب بها النظام الموريتاني عرض الحائط ولم يلقى لها بالا.. واستمر في تطاوله على الأئمة والدعاة... حتى تهاوت أركانه... وتداعى في الانقلاب الشهير الذي وقع فجر يوم الأربعاء 3 أغشت عام 2005.. وقام به أقرب المقربين من ولد الطائع كما وصفهم هو بذلك في مقابلته المثيرة مع قناة العربية أياما قليلة بعيد الإطاحة به.

    ومن المفارقات العجيبة أن شهر مايو الذي شهد بداية تلك الضربات القاسية التي واجهها التيار الإسلامي، كان بعد سنوات من تلك الأحداث شهر تحولات ومكاسب كبيرة للصحوة الإسلامية في هذا البلد.

    فخلال شهر مايو سنة 2010 شهد نواكشوط زيارة تاريخية لفضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين قام خلالها بنشاطات نوعية في العاصمة نواكشوط.

    وفى شهر مايو سنة 2011 احتضن نواكشوط مهرجانا كبيرا للشعر والأنشودة الإسلامية استضاف فرقا إنشادية إسلامية عريقة وشخصيات ثقافية وعلمية بارزة.

  • هستيريا المدمنين على السفارات

    24 تموز (يوليو) 2011

    محمد الأمين ولد أبتي

    leminebety@yahoo.fr

    أكثر من أسبوع مضى على إقدام المستشار الأول بالسفارة الموريتانية بتونس على الاعتداء الجسدي على معالي وزير الشؤون الخارجية و التعاون بفندق إقامته بتونس، بعد الاعتداء معنويا بكلمات جارحة على السفير الذي يعتبر الممثل الشخصي لرئيس الجمهورية في بلد الإبتعاث، خلال اجتماعهما مع الوزير بمكاتب السفارة، في واقعة سابقة في تاريخ وزارتنا، ربما ذهبت أبعد للقول إنها كذلك في تاريخ الدبلوماسية العالمية.

    هذه الواقعة هي اليوم بين يدي الجهات المختصة في الإدارة و القضاء، و هي الجهات التي أخذت تتكفل فعلا بالقضية و بدأت تتخذ الإجراءات المناسبة وفقا للوائح الإدارية و مواد القانون الجنائي الموريتاني، و أنا أضم صوتي إلى الأصوات الكثيرة المرتفعة من هنا و هناك مطالبة بالصرامة في تطبيق مقتضيات القواعد النظامية و المساطر القضائية. لكنني أضيف بأنه ما دام الأمر يتعلق بخرجة سافرة على هذا النحو النادر لواحد من المنتمين ـ على ما يبدو ـ إلى فئة الذين يعتبرون أنفسهم فوق القانون و فوق السلطة العمومية المكلفة بتنفيذه، فإن رد الفعل المناسب ينبغي أن يحمل أعلى درجات التعبير عن قوة السلطة العمومية و صرامة الجهاز القضائي.

    و أتوقف عند هذا الحد متجنبا التجاوز على صلاحيات الإدارة و القضاء، لأعبر نحو المركزي في المساهمة التي أردت تقديمها حول هذه القضية، و هو ما يرتبط تحديدا بدلالة هذه القضية و ما يفترض أن يكون لها من نتائج و انعكاسات علينا نحن أشخاص الدبلوماسية الموريتانية و على قطاعنا، في وقت بدأنا نتجاوز فيه لحظة الصدمة العاطفية بخروج وزيرنا بحمد الله سليما و معافى من هذه التجربة ليصبح بمقدور العمل العقلاني التحليلي أن يجد له مكانا، و بعد أن بدأت هذه الحادثة المؤسفة تتحرر شيئا فشيئا من الأعمدة المركزية لصحافة الإثارة الإخبارية و تنتقل من قضية رأي عام غير مستنير على نحو كاف حول قضايا الدبلوماسية الموريتانية إلى قضية مهنية للتفكير داخل الحقل الدبلوماسي، و موضوع لجدل خافت أو عال في مكاتب وزارة الشؤون الخارجية و التعاون و بعثاتنا الدبلوماسية في الخارج.

    و أمسك القلم اليوم للكتابة مجددا عن همومنا في الوزارة ـ بعد أن كنت قد نذرت الصوم عنها ـ في ظل غياب التعليق الرسمي من الوزارة، و إمساك الدبلوماسيين المهنيين و مجموع موظفي الوزارة على نحو غير مبرر عن القيام بأية مبادرة لإدانة هذا التصرف المشين و المسيء إلى سمعة القطاع و موظفيه، بل و إلى سمعة البلد ككل، تاركين المجال للصحفيين و لغير المنتمين للقطاع لتوظيف الحادثة في حملة دعائية ضد موظفي الوزارة و طاقمها القيادي و على رأسه معالي الوزير، ضمن مواصلة لا أدري كيف يمكن تبريرها هذه المرة لما سميته "نهج الدبلوماسية الخرساء" (راجع الدراسة التي نشرناها منتصف ابريل 2010 بعنوان "الكتاب الأبيض حول التعيينات الدبلوماسية ليوم 12 ابريل").

    و أبدأ هنا من حيث انتهى البعض في تعليقاتهم الشفهية و المكتوبة، لأقول لهم بـأن تعاملهم مع هذا السلوك المنحرف كتعبير عن المستوى المتدني للدبلوماسيين الموريتانيين و عن النقص في التجربة الإدارية لدى الوزير و الأمين العام، إنما يعود إلى قياس حاضرنا الدبلوماسي بأمس قريب قطعنا معه بحمد الله. سادتي زوروا موقع الحكومة الموريتانية لتتعلموا أن وزير الشؤون الخارجية و التعاون الحالي كان يشغل منصبا إداريا عام 1968 عندما دخلت أنا و الوزيرة السابقة عالم الأحياء، و أعتقد أن ذلك كاف للبرهنة على أصالة و رسوخ التجربة المهنية للرجل. تعلموا أيضا أن الأمين العام الحالي للوزارة هو دبلوماسي مهني تخرج من شعبة الدبلوماسية بالمدرسة الوطنية للإدارة عام 1984، و قد التحق بالدرس الدبلوماسي قادما من منصب حاكم مقاطعة، و هو اليوم يحظى برتبة وزير مفوض و هي أعلى رتبة في سلك الدبلوماسيين المهنيين.

    أما بخصوص أشخاص الدبلوماسية الموريتانية فما عليكم سوى أن تفتحوا صفحة الأخبار بالمواقع الالكترونية التي تكتبون فيها لتجدوا أن وزارتنا استقبلت 59 دبلوماسيا مهنيا متخرجين من المدرسة الوطنية للإدارة، سلم الوزير الأول للأول منهم الجائزة التقديرية لحصوله على درجة الامتياز الأولى بين ال 500 خريج من مختلف الأسلاك الإدارية.

    وهذه الدفعة تنضم إلى كوكبة النخبة الرواد من خريجي شعبة الدبلوماسية في ثمانينيات القرن ال 20 و على رأسهم دفعة 1984، و بعدها تأتي مجموعة ال 15 مستشارا للشؤون الخارجية المكتتبة بعد المسابقة الداخلية لعام 2007 و مجموع أفرادها دخلوا سلك الوظيفة العمومية قبل نهاية عام 1991.لتلحق بهم مجموعة ال 20 مستشارا للشؤون الخارجية المتخرجين من المدرسة الوطنية للإدارة عام 2009.

    و وفقا لهذا التفصيل يمكن القول إن الدبلوماسيين المهنيين ـ من غير المتقاعدين ـ قد وصل عددهم إلى أزيد من 150. فإذا أضفت إليهم العدد المعتبر من الكوادر التي تستعين بها الوزارة من خارج منسوبي السلك الدبلوماسي يمكننا القول بأن أزمة الدبلوماسية الموريتانية ليست أزمة أشخاص بمقدورهم القيام بالمسؤولية الدبلوماسية على أحسن وجه. أشخاص لديهم ما يقدمونه للبلد و دبلوماسيته في حلبة التنافس الحضاري و الفكري في الملتقيات العالمية و منتديات التبادل الدولي، بعيدا عن حلبات الملاكمة و العنف الجرمي.

    على رسلكم إخوتي فليس هذا السلوك الشاذ العينة المعبرة عن إنائنا ـ نحن الدبلوماسيين الموريتانيين ـ و ما يمكن أن ينضح به هذا الإناء، و ما عليكم سوى المبادرة إلى تحقيقات صحفية جادة تتعاطى معها وزارتنا بثقة و بعيدا عن تحمل أخطاء الآخرين و الخوف من القطيعة مع ممارسات الفساد الإداري للطواقم السابقة، لتتحققوا مما قلته لكم. ذلك خطابنا الموجه للاستهلاك الخارجي و في مواجهة هؤلاء الذين يريدون اعتبار هذه الحادثة ماركة عامة لأشخاص هذا القطاع المليء بالكفاءات المتميزة معرفة و خبرة و خلقا. أما حديث الذات و الداخل الذي يخصنا نحن في الوزارة، فهو ذو شجون، و كم أنا حزين لكوننا لا نجد أي إطار لتبادل الحديث و التحليل في هذه الوزارة يمنعنا من اللجوء إلى وسائل الإعلام التي يعاني أبناء هذه الوزارة من عقدة تجاهها، رغم أنها و سائل اتصال لا غبار عليها في ظل دولة ديمقراطية تنتمي إلى عصر القرية الكونية، حيث تسلط عليك ـ شئت أم أبيت ـ الأقمار الصناعية و شبكات الانترنت. دولة لا أستطيع أن أتصور أن تكون فيها وزارة الخارجية بكماء و صماء إزاء ما يقال داخلها و حولها، بينما يكون لرئيس الجمهورية ذاته كما لوزيره الأول صفحات للتواصل على شبكة الفيسبوك. لم لا نقول إنه في اللحظة التي تخرج فيها كلمات السباب ليتبعها العنف اللفظي فلابد أن فضاءات التواصل و الحوار و مقارعة الحجة بالحجة ليست متوفرة قدر الكفاية.

    سيدي الوزير أقدم لكم الاعتذار نيابة عن الدبلوماسيين المهنيين الذين لم و لن يقوموا يوما بمثل هذا السلوك المشين، و أفيدكم ـ و أنا المعروف بين أهل هذا الربع بقلة التزلف لذوي السلطان ـ بأن صاحب هذا الاعتداء لم يقصدكم شخصيا و الكل يعرف أن لا وجود لمشكلة خاصة بينكم و بينه. سيدي الوزير عندما تتاح لي الفرصة سأثبت لكم بأن هنالك فئة كاملة من موظفي هذه الوزارة أدمنوا منذ زمن بعيد المناصب السامية و الألقاب التفخيمية دون أن تستطيع ـ مهما بذلت من جهد تحقيقي ـ أن تجد مبررا نظاميا لولوجهم إلى السلك الدبلوماسي فأحرى للتعيينات السامية و الامتيازات العالية التي يحظون بها.

    هذه الفئة هي التي قالت لنا الوزيرة السابقة بخصوصها ـ ضمن تبريراتها غير الموفقة لمذكرة تعيينات 12 ابريل 2010 ـ أنها لا تستطيع تطبيق مبدأ التناوب الدبلوماسي في حقها خوفا من القوى الحامية لهم، و لذلك أكتفت بنقلهم من سفارة إلى أخرى حتى يتعلموا بأن بإمكان الدولة تحريكهم و عندها سيكون بالإمكان إعادتهم ذات يوم إلى نواكشوط. هل كانت منت مكناس تعرف أن هؤلاء جاهزون لاستخدام القوة العضلية ضد وزير الخارجية إذا ما تم تطبيق مبدأ التناوب الدبلوماسي في حقهم؟

    لا أعرف و لكن المصادر أفادتنا بأن هذه "العملية التربوية" في نقل الدبلوماسيين المدمنين للخارج من سفارة إلى أخرى كلفت الخزينة يومها أزيد من 150 مليون أوقية. و يوم أن قررت الوزيرة أن تطبق في التعيينات ما ترى هي أنه العدالة لم تزد على أن ضمت إلي المحظيين بالتعيين في البعثات الدبلوماسية رغم أنف القوانين و الأعراف الإدارية رفاقهم من المدعوين "دبلوماسيين" ظلما للوظيفة العمومية و للمهمة الدبلوماسية ممن تسللوا في سنوات "البيات القانوني" و في زمن الشهادات و السير الذاتية المزورة إلى قيادة المصالح في الإدارة المركزية.

    سيدي الوزير أفيدكم بأن الوزيرة السابقة استهدفت مجموعة ال 35 دبلوماسيا مهنيا أمام البرلمان، واصفة إياهم بأنهم لا يصلحون لتمثيل البلد بعد أن أقصتهم من مذكرة ال 57 تعيينا التي عينت فيها كل من هب و دب، و رغم ذلك لم يحدث أي احتجاج حقيقي من طرف المجموعة. و إن دل هذا على شيء فإنما هو على هذه الوزارة هي محمية غير معلنة خارج القوانين الإدارية للبلد، و الحق فيها و الاحتجاج و المطالبة لحد الحد استخدام العضلات هي لمن يتميز بكونه قادما إليها بطرية غير مشروعة.

    سيدي الوزير هذا التحدي الجرمي لهيبة الدولة التي يمثل فيها رئيس الجمهورية الإرادة العامة للشعب و تمثلون أنتم و سفراؤكم بقوة الثقة التي منحها لكم الرئيس ذات الإرادة العامة أمام أشخاص القانون الدولي ـ هذا التحدي ـ فرصتكم لتصفية مافيا كاملة تمثل العقبة الأهم أمام نجاح الدبلوماسية الموريتانية، و البديل من الدبلوماسيين المهنيين المتشبعين بالمعارف و الخبرات و التجارب المطلوبة موجودون و ملفاتهم ناصعة لا غبار عليها.

    سيدي الوزير قضية المعايير و التناوب الدبلوماسي و الاعتراف للدبلوماسيين المهنيين بحق الأسبقية في وزارتهم قضية آن لها أن تجد الحل. و للتذكير فهي موضوع مساءلتين برلمانيتين، و موضوع رسالتين وجههما المعنيون إلى رئيس الجمهورية، أولاهما بتاريخ 18/01/2010 و هي موقعة من 35 مستشارا للشؤون الخارجية.

    و المطلب البسيط الذي تتضمنه كل هذه المراسلات، و الذي أكدت عليه أنا لشهور طيلة العام الماضي هو إعداد جدول تفصيلي مع قاعدة بيانات واضحة عن مجموع موظفي الوزارة بإشراك ممثلين للدبلوماسيين و الاعتماد على ذلك كأساس في التعيينات. و يعرف الجميع أن هذا المنهج عندما يتم اعتماده فإن الوزارة ستتحرر من جحيم الغموض و اللاعقلانية و اللانظامية الذي تتخبط فيه، و تنضم إلى الدائرة الطبيعية للدبلوماسيات في شبه المنطقة و العالم، حيث يقول لك السفير و المستشار يوم وصوله متى سيغادر عائدا إلى بلده و متى سيغادر بعد ذلك في مهمة دبلوماسية جديدة.

    و سنخرج من هذه الحالة التي نحن فيها، حيث يقال لك أن لكل سفير أو مدير قبرا أو صالحا أو ساحرا يحمي له امتيازاته، و الآخرون يحرسهم الوسطاء و الوسيطات. حالة هي وحدها ما يفسر العدد المرتفع من مجانين مذكرات التعيين في السفارات و الاستدعاء منها، و ما يفسر أن القاعدة الذهبية التي يواجهك بها الوزير و الأمين العام دون أية تورية، بعد أن يكون البواب و "مدير كاسات الشاي" كما مدير القطاع الدبلوماسي الذي ألحقت به قد أحفظوكها حفظ فاتحة الكتاب ـ تلك القاعدة الذهبية ـ تقول: "كل شيء مباح هنا و كل الأحلام مشروعة مقابل خط أحمر واحد هو الحديث عن معايير التعيين أو قوانين و قواعد تسيير الأشخاص".

    سيدي الوزير عندما لا تبادرون إلى تحرير وزارتكم من هذه الحالة فلا تستغربوا أن تذهب مافيا الفاسدين المدمنين على إمتيازات التعيين في البعثات الدبلوماسية في هيستيريا و هلوسات جنونها أبعد من ذلك. و تعرفون سيدي الوزير و يعرف أمينكم العام أن مسألة التعيينات هذه لا تترك لكم فرصة للعمل بهدوء، حيث هنالك في كل دقيقة أشخاص يدخلون المكتب ب"عضلات و جاهة" مفتولة (نواب، شيوخ، ضباط سامون، رجال أعمال ...)، و في ذات الوقت توجد على الهاتف مجموعة أخرى، و الجميع مهمتهم واحدة هي الاعتداء على نزاهة و شفافية و عدالة التعيينات التي تقومون بها، لأشخاص أوكل إليكم قانون البلد تسييرهم و فق ضوابط أنتم لوحدكم المسؤولون عنها,

... | 10 | 20 | 30 | 40 | 50 | 60 | 70 | 80 | 90 |...