الصفحة الرئيسية
أخبار
مقالات
مقابلات
تحقيقات
تحاليل
من نحن
اتصل بنا

  • في أزويرات: مشاكل مستعصية الحل وآثار فيضانات مؤثرة على السكان

    10 آب (أغسطس) 2009

    من مراسل صحيفة "البداية" في ولاية تيرس زمور:

    تواجه مدينة ازويرات عاصمة ولاية تيرس زمور هذه الأيام، عدة مشاكل، من أبرزها مشكل الماء، الذي يتسم في الولاية بصفة عامة بشوائب.

    مشكل الماء، الذي تواجهه مدينة ازويرات، يأتي رغم وجود عدة مصادر مائية، يتم إستغلالها لأغراض صناعية من طرف شركة "اسنيم"، وهي آبار لكريزة وتازادات وأمهودات. فيما توجد عدة مصادر أخرى للماء لكنها تبعد ثمانين كلم عن المدينة. ويرى بعض المختصين، أن مشكل الماء بالولاية، من بين أسبابه غياب شبكة مائية في ضواحي الولاية، حيث أن 90% من السكان يعتمدون في الحصول على الماء بواسطة الصهاريج.

    وصرح مصدر في بلدية أزويرات لصحيفة "البداية"، بالقول إن لدى البلدية صهريج واحد لتزويد المدينة بالماء، يتوصل بمعدل 40 إلى 50 طلب يومي. مضيفا أن البلدية سمحت للخواص، ببيع الماء بتسعيرتها.

    مدينة أزويرات تعاني من جيوب الفقر، ويمثل غياب طريق رابط بين الولاية والعاصمة نواكشوط معوقا كبيرا. فيما يتعلق بجلب المواد الأساسية إلى الولاية، حيث تعتبر الطريق إلى ازويرات طريقا صعبة مليئة بالمخاطر والصعوبات، إلا أن إستئناف الرحلات الجوية إليها قد ساعد في حل المشكل، وإن كان ذلك بالنسبة لأصحاب الدخل، بينما بقي المواطن العادي يواجه صعوبة الطريق بوسائله المتواضعة.

    كما تعاني المدينة مشكلة أخرى، تتمثل في مشكل العمال غير الرسميين، حيث عدم التساوي بين العمال بشكل عادل، فلا يتوفر هؤلاء على الزيادات التي يتلقاها زملاءهم. وعبر بعض هؤلاء في تصريحاتهم لنا، عن إستيائهم من إستغلالهم من طرف الوسطاء، فيتقاضون واحد على ستة من أجرة الموظف الرسمي، في الوقت الذي يقومون فيه بنفس العمل الذي يقوم به الرسميون، كما يعانون من غياب الضمانات الصحية والإعانات.

    كما تعاني مدينة ازويرات، كعموم ولاية تيرس زمور من ظاهرة التهريب، التي ماتزال السلطات عاجزة عن إيجاد حل عاجل ومنصف لها، وماتزال المدينة تعاني من آثار السيول التي تسببت في تحطيم العشرات من المنازل قبل أزيد من شهر، والتي أدت لبقاء ساكنتهم بدون مأوى، دون أية إجراءات ملموسة من طرف السلطات العمومية لإنقاذ هؤلاء السكان من تلك الآثار.

    مدينة ازويرات يوجد بها مركز صحي من درجة "أ"، لكن خدماته دون المستوى المطلوب، ولم يلاحظ عليه أي جديد، لا من حيث التجهيزات ولا العناية بالمرضى، بعد العشرة ملايين أوقية، التي تسلمتها إدارته، كمساعدة من ولد عبد العزيز خلال الحملة الإنتخابية.

  • صناعة الحصير في موريتانيا مهنة وهوية تستغيث

    5 آب (أغسطس) 2009

    - نقلا عن موقع الأخبار-

    يشير حجم هذا المحل إلى المعاناة التي تتكبدها هؤلاء النسوة، فضيقه يحتم عليهن إخراج البضاعة إلى الشارع صباحا على أن ترد إلى داخل المحل في المساء

    غرب سوق العاصمة المركزي بنواكشوط، تجلس "منة" ورفيقاتها أمام محل متواضع لبيع "الحصير"، وهن يتبادلن أطراف الحديث بعد منتصف يوم من العمل الشاق.

    فاطمة بنت بونعامة أم لـ8 أطفال، وهي إحدى العاملات في سوق الحصير، تبدأ رحلتها اليومية عندما تنبلج خيوط الفجر، فتغدو متجهة إلى السوق، حيث تجلس تحت أشعة الشمس الحارقة، وتظل تنسج الحصير طول النهار إلى أن تكون الشمس آيلة للغروب، تلملم فاطمة أمتعتها وتعود إلى المنزل وقد كسبت من هذا الجهد الشاق مبلغ 700أوقية لإعالة أسرتها.

    تحدثت إلى "الأخبار" وهي منشغلة في نسج والتطريز قائلة :"لقد سئمنا من هذه الصحف والمواقع ولم يعد لدينا وقت نخسره، ولم نجد حلا لمشاكلنا التى تزداد تفاقما يوما بعد يوم" .

    منة بنت بتاه، إحدى المالكات لمحل بيع الحصير، ترى أن طبيعة العمل داخل المحل تفرض استئجار أخريات يصل عددهن إلى عشرة، تتقاضى كل واحدة منهن مبلغا زهيدا قدره700 أوقية، وهو مبلغ تؤكد العاملات أنه غير كافٍ لإعالة أسرهنّ، ولكن صعوبة الحياة تفرض عليهن قبول هذا الراتب المتواضع.

    تمثل مهنة صناعة الحصير وتسويقها إحدى المهن التي ظلت حكراً على فئة من النساء الحرفيات اللواتي أرغمتهن قساوة الظروف وصعوبة الحياة أن يسلكن هذا الدرب وأن يمتهنّ هذه الحرفة لتحصيل ما يسدّ الرمق ويُغني عن مذلة السؤال، وهن يأملن في تلقّي الدعم والتشجيع للمُضيّ قُدماً في طريق الاحتراف الذي باتت الحاجة إليه ماسة في عصر المتغيرات والتقنيات. صمود رغم الصدود..!

    لا يزال الموريتانيون بحكم طبيعتهم البدوية متعلقون بكل ما له علاقة بتراثهم التقليدي، إذ لا يزالون يحلمون بتلك البيئة الصحراوية التي عاشوا فيها رغم انتقال المجتمع الموريتاني من التنقل تتبعا لمساقط المطر، وسكن غالبية الموريتانيين في المدن الكبيرة، ما تزال صناعة الحصير التقليدي تكافح من أجل البقاء وما زال منتوجها حاضرا في منازل الموريتانيين، زينة تارة، وفراشا تارة أخرى...

    صناعة الحصير هوية فئة.. واحتكار للمرأة

    حر الشمس يجبر النسوة على اللجوء إلى ظل المحلات المجاورة والحصائر المعروضة

    يرى الباحث الاجتماعي والكاتب الصحفي السيد أحمد ولد باه أن المجتمع لا يزال ينظر إلى عمالة النساء بنوع من الريبة والتحفظ.

    واعتبر ولد باه، أن عمل المرأة لكسب لقمة العيش هو أمر طبيعي، ولكن وفق شروط وضوابط نابعة من العرف الإجتماعى منتقداً عمل المرأة في بعض الإدارات، مؤكدا على ضررة النظر في ذلك لأنهن مجرد عبء على المؤسسة، ومجرد "بطالة مقنعة" في الوقت الذي تعج الساحة بالخريجين، والأولى أن يتم توظيفهم".

    مواد أوّليّة محليّة..

    تمر الجلود والعيدان بعدة مراحل قبل استخدامها في صورتها النهائية وفي الصورة قطع جلدة نقيعة

    تختزل البيئة الموريتانية المواد الأولية المستخدمة في صناعة هذه الحصائر، من أعواد وجلود، كما أن الأدوات المستخدمة في صناعتها من إنتاج محلي أيضاً.

    سكينة منت بتاه، إحدى المالكات لمحل بيع الحصير، قالت متحدثة لـ"لأخبار": "المواد الأولية التي تدخل في تركبة صنع الحصائر هي أعواد تسمى "تاشانت"، وهي أعواد تتميز بصلابتها واستقامتها، وتوجد بكثرة في منطقة "شمامة" بولاية اترارزه، وكذا الجلود التي نقوم بتقطيعها إلى سيور، ومن ثمّ نقوم بحياكة العيدان بها، وبعد الانتهاء من عملية الصناعة، نقوم بصباغتها وتطريزها".

    تنوع في المعروض واختلاف في الأسعار..

    يكتظ هذا المحل بحصائر من مختلف الأحجام والطرز

    تتعدد نوعيات الحصائر المعروضة، وتختلف جودتها وأسعارها بحسب النوعية، وتبرر إحدى العاملات في سوق الحصير، ذلك أن اختلاف الجودة عائد إلى نوعية الزركشة والتطريز، التي تؤدي أيضا إلى اختلاف الأسعار.

    تتراوح أسعار الحصائر مابين( 150.000)مائة وخمسون ألف أوقية للنوعية الأعلى جودة، وتدعى محليا "اللّجمة"، في حين يصل سعر النوعية الأقل جودة إلى ستة آلاف أوقية (6.000) للحصائر العادية".

    انتعاش في فصل الخريف..

    يمثل هذا الزقاق معرضا دائما لبضاعة آمنة وزميلاتها

    تختلف مواسم العام بالنسبة لصناعة الحصير في موريتانيا، حيث يُعدّ موسم الخريف فترة رواجها الأبرز بسبب الإقبال المتزايد للأسرة الموريتانية على الحصير الذي يُعدّ أبرز فراش يُستعمل في البادية.

    آمنة بنت أبتاه، العاملة بسوق الحصير تشرح الأسباب قائلة: "إن الخريف هو الموسم الأبرز في الإقبال على السوق من لدن طالبي الحصير، وبالتالي يشهد السوق فيها ديناميكية وحيويّة كبيرة، وتزداد مبيعات الحصائر.. نبيع في الشهر الواحد 30 إلى 40 حصيراً رغم اختلاف النوع والجودة بناء على رغبة المشتري".

    عوائق في وجه صناعة الحصير..

    تخصص الحصائر ذات الطرز المتميزة بالمناسبات الخاصة ونادرا ما تستعمل في الوظائف العادية للحصير

    سُكينة، بائعة حصير أخرى بالسوق، تشرح الظروف التي تتم فيها صناعة الحصير، والعوائق التي تقف أمام العاملات، قائلة: "نعاني من ضيق في الأمكنة، بحيث نوجد في مكان غير مُريح، ولا يُناسب العرض والتسويق". وتضيف سُكينة: "نحن بحاجة إلى وجود أسواق تتيح لنا الفرصة لعرض منتوجاتنا، كما نطالب بأن تُولي الدولة عناية كبيرة لهذه الصناعة، وأن تقدم المعونات للنهوض بهذه الصناعة المحلية".

    وهكذا تطلق "منة" نداء استغاثة باسم رفيقاتها إلى الجهات الرسمية من أجل إعطاء عناية لهم، وتقديم معونات إلى هذه الصناعة المحلية التي باتت في أمسّ الحاجة إلى الدعم. هي هوية بالنسبة لصواحبها وهي مهنة عيش بالنسبة لكثيرات وهي من بعد ثقافة، أو جزء من ثقافة شعب تتحدى الضياع من دون مغيث.!!

  • الدار البيضاء ..أحلام الفقراء ووعود الساسة !!

    30 تموز (يوليو) 2009

    "فاضل" ليس الوحيد بالمنطقة لكنه الأكثر تعبيرا عن عمق المأساة التي يعيشها السكان بعد أن ساقته الأقدار إلي المنطقة وانقطعت به السبل بعد تسريحه مع آخرين خلال الأشهر الماضية بفعل الوضع الاقتصادي الصعب الناجم عن الأزمة السياسية التي عاشتها البلاد.

    كانت الشمس ساطعة بعد ليلة ماطرة عاش "فاضل" وغيره من فقراء العاصمة نواكشوط أغلب فصولها بعيدا عن دفء الدار وضوء الكهرباء، وكان الخباء يلوح من بعيد معلنا عن مأساة أسرة شاءت الأقدار أن تكون ضمن حيز جغرافي عشعش فيه النسيان وخيم وبات مهجورا منذ شهور.

    كانت الطريق الوعرة تحول دون الوصول إليهم، لكن الرغبة في الاقتراب من آهات من المستضعفين والحديث معهم بعيدا عن خصومات الساسة تدفعنا للتقدم والصبر على وعورة الطريق ووحشة المكان.

    الطريق الرابط بين منزل "فاضل" والدار البيضاء (لمشاهدة الصورة بشكل أفضل أضغط فوقها)

    بين أكبر ميناء في موريتانيا وأفقر حي بالعاصمة نواكشوط كانت الأوساخ تملأ الأفق، وكانت أثار عربات الحمير الدليل الوحيد الذي نعتمد عليه في تحركنا الخطر باتجاه "فاضل" وأسرته المتواضعة التي تتحدث للإعلام لأول مرة وتروي فصولا من المعاناة أراد لها الحاكمون والساسة أن تظل بعيدا عن الأضواء.

    الصورة تتحدث !!

    فاطمة تأمل من السلطات الجديدة أن تعيد النظر في سياسة الحكومة تجاه الفقراء (تصوير الأخبار)

    لا يريد "فاضل" الحديث كثيرا عن أحواله "فواقع الحال أبلغ من المقال"، وغير قادر عن الحديث بقوة عن مستقبله أو همومه لذلك كانت أول كلمة قالها لفريق "الأخبار" (ألا ترون الصورة الماثلة أمامكم ؟!!).

    صمت "فاضل" طويلا ونحن أمام الخباء ننتظر قبل أن يطلب من زوجته الخروج إلينا للحديث عن الوضع الذي تعيشه مع ابنتها الوحيدة والأمل الذي اختصرته في ما بعد في مساعدات تسد بها الرمق وطريق تؤمن لها وصول المياه!!.

    لم تكن السيدة "جاهزة" للحديث مع الإعلاميين –كما تقول- لكنها بادرت للملمة بعض الأغراض من أجل العثور علي ثياب ولو قديم يليق بالمناسبة قبل الخوض في تفاصيل الواقع الذي تعيشه منذ سنوات مع زوجها الخلوق!!!

    ابنة فاضل الصغيرة وهي منشغلة بما تسد به رمقها وسط آمال بتحسن الأوضاع الاقتصادية لذويها(تصوير الأخبار)

    تحدثت معنا السيدة "فاطمة" وكانت أكثر جرأة في طرح القضايا التي تعيشها الأسرة منتقدة التجاهل الذي تعيشه أغلب الأسر الفقيرة ومطالبة بتحرك عاجل من قبل السلطات الجديدة لوضع حد للإهمال الذي يعيشه سكان البلاد.

    تقول "فاطمة" إنها ثابرت خلال السنوات الماضية مع زوجها العامل بـ"منجرة " شعبية داخل مقاطعة "الميناء" من أجل الحصول علي قطعة أرضية متواضعة غرب حي "الدار البيضاء" لتأمين مستقبل لائق بأولادها الصغار بعد سنوات من التشرد مع أهلها في أحد الأحياء الشعبية القديمة .

    وبعد سنوات استطاع الزوجان تسديد ثمن القطعة الأرضية (350 ألف أوقية) لكن الأزمة السياسية التي عاشتها البلاد والوضع الاقتصادي الصعب كان بمثابة الضربة القاضية التي تلقتها الأسرة وهي في طور النشأة ولما تتمكن بعد من بناء منزل يقيها حر الشمس أو تساقط الأمطار.

    قرر الزوجان المقام في مسكنهم الجديد (كوخ وأخبية) وسط مجمع للقمامة غرب "حي الدار البيضاء" رغم صعوبة العيش وقساوة الظروف مكتفين بما تجود به أيدي بعض الأسر داخل المقاطعة علي الزوج الهادئ الوقور وخصوصا من جيرانه السابقين، أو ما يجلبه هو من نقود ثمن أعمال يدوية يقوم بها بين الفينة والأخرى لصالح بعض التجار والموسرين كنقل البضائع وحراسة الأمتعة في النهار.

    تنظر "فاطمة" بحسرة كبيرة إلي ابنتها الصغيرة (السالمه) وهي تحتسي كوبا من "الحساء" كان بمثابة وجبة الغذاء الوحيدة التي أعدتها الأسرة لليوم الماطر.. وتقول إن أكثر ما يؤرقها هو مستقبل ابنتها التي تجاوزت خمس سنين وتستعد الآن لدخول المدرسة وهو ما يعني بداية أزمة جديدة بسبب صعوبة النقل والمخاوف الأمنية التي تنتابها وهي تترك صغيرتها تغادر المنزل المتواضع – إن كتبت لها الحياة - إلى المدرسة التي تبعد 3 كيلومترات على الأقل ودونها أحراش ومكبات للنفايات.

    مخبأ فاضل الذي يعيش بداخله مع أفراد أسرته منذ فترة طويلة بعد أن عجز عن بناء بيت أو كوخ يقيه حر الصيف أو قر الشتاء (تصوير الأخبار)

    وتقول "فاطمة" وهي تستذكر الواقع البائس للدار البيضاء والواقع المؤلم لأسرتها المتواضعة "نأمل من الرئيس الجديد ولد عبد العزيز أن يعتني بنا وأن يهتم بشؤوننا وأن لا تنتهي القصة مع نهاية الانتخابات".

    وعن المطالب التي توجهها "فاطمة" للحكومة الجديدة تقول "كلما نريده هو توفير الغطاء الصحي وتعزيز الخدمات التعليمية وطرق تسمح لنا بالتحرك، أما المساعدات فقد سمعنا عنها وننتظر لعل الله يكتب لنا منها نصيب!!".

    ومع ذلك تراجع "فاطمة" نفسها وتقول "الحمد لله رغم ذلك نحن نعيش في نعمة كبيرة ولا مشاكل أمنية ولله الحمد، مرتاحون في مكاننا ونحن مؤمنين بقضاء الله وقدره والأرزاق بيد الله نسال الله أن لا يحرمنا في الدنيا والآخرة..

    نقلا عن موقع "الأخبار"

  • فقراء الحي الساكن: أحلام بسيطة كبساطة أنماط العيش

    27 تموز (يوليو) 2009

    - نقلا عن موقع الأخبار-

    يعيش محمود الله رفقة أسرته المكونة من 12 فرداً في كوخ وعريش قد أعياهما الزمن في منطقة الحي الساكن التي تُعدّ من أفقر أحياء الانتظار في العاصمة نواكشوط.

    أحلام محمود الله وجيرانه بسيطة تماما كبساطة أنماط العيش في حيهم الفقير وأهمها حلم الحصول على تشريع قطع الأرض التي يقيمون فيها منذ سنين عديدة، والتي لم يفلحوا في الحصول على تشريعها رغم تعاقب الرؤساء والحكام والولاة منذ أن نزحوا بسبب الجفاف من البادية إلى هذا الحي الفقير.

    الحق في السكن: حلم صعب المنال

    يقول محمود الله العائد لتوّه من عمله وسط العاصمة بصفته حمالاً للأثقال، وهو يتحدث بحرقة كبيرة، بسبب ما يسميه ظلما كبيرا وقع على حيّهم من قبل الدولة الموريتانية بسبب الفقر وانعدام الجاه عند ساكنته واللذين هما "الدينامو" المحرك لكل شيئ في هذا البلد للأسف الشديد - كما يرى -.

    "لقد جاءتنا اللجان التي تعمل على تشريع القطع الأرضية في الحي الساكن، لكنهم رفضوا أن يشرعوا لنا هذه القطعة الأرضية التي نقيم عليها منذ 1994 والتي عليها ولد ثمانية من أولادي، وبالتحديد هنا داخل هذا الكوخ المتهالك، بدعوى أن هذه المنطقة ستكون مساحة عمومية في المستقبل، ومن أدرانا نحن قبل 15 سنة أن هذه القطعة الأرضية التي اخترنا الإقامة عليها ستكون ساحة عمومية.. أيّ عدالة هذه !! وإذا افترضنا صحة هذا الذي يدعونه، فلماذا لا يعطونا قطعة أرض بديلة، في حين وزعت العديد من قطع هذا الحي على غير المقيمين فيه أصلا!!؟

    سيد ألمين ولد محمد فاضل، الذي يعمل على عربة يَجرّها حمار لبيع صهاريج المياه هو أحد جيران محمود الله، لا يعرف بالضبط السنة التي نزح فيها من البادية إلى الحي الساكن، لأنه لا يعرف السنوات والتواريخ كما يقول، لكنه يؤكد أن ذلك كان قبل المحاولة الانقلابية التي قام بها صالح ولد حننا.

    يؤكد سيد ألمين أن لجان ترسيم الحيّ تجاوزته، لأنه يسكن في كوخ واحد صغير متهمين له بأنه جديد على المنطقة، في حين يؤكد بعض جيرانه أنه يسكن في هذا الكوخ منذ سنوات.

    عندما سألنا سيد ألمين لماذا لا يشكو الأمر إلى السلطات الإدارية قال: لقد دخلت على الحاكم وعرضت عليه مشكلتي فلم يزد على أن قال لي: ماذا سأفعل لك أنا وأضاف بالحسانية:(ما شتكيت)، فماذا أفعل إذن سوى أن أشكو إلى الله.

    الكهرباء والتشغيل.. مطالب جوهرية

    خديجة وبعد أن شرعت لها الدولة قطعتها الارضية التي تقيم عليها منذ سنوات تحلم بتوفير الكهرباء والماء والتشغيل

    خديجة بنت إطول عمرو، التي تعمل كبائعة خضر بالتقسيط، وتعيل من هذا العمل البسيط أسرتها المكونة من سبعة أفراد، تؤكد أن الدولة شرعت لهم قطعتهم الأرضية التي يقيمون عليها منذ1997، وعندما سألناها عن مطالبها ابتسمت قليلا وقالت بعد أن تجاوزنا مشكل تشريع القطع الأرضية والذي كان الهاجس الأول بالنسبة لنا بدأنا بالطموح بأساسيات الحياة الأخرى وأكثرها إلحاحاً بالنسبة لنا هوالكهرباء حيث نعيش ظلاماً دامساً طوال ساعات الليل، في حين يُعدّ استخدام الهواتف والتلفزيون أمورا نادرة في هذا الحي بسبب حرمانه من الكهرباء. حفصة بنت امبارك التي تعمل كبائعة للكسكس بالتقسيط، تطرح مُشكل البطالة بصفته مشكلاً أساسياً لحيّهم الفقير، وتؤكد من جهتها أن سكان هذا الحي يعانون بطالة مزمنة، ومن يعمل منهم يعمل فقط في الأعمال اليدوية التي تُدرّ دخلا يوميا لايكفي لإعالة أُسرهم الفقيرة، فأغلبهم يعمل حمالاً أو على عربات المياه، ناهيك عن أن العديد من الأُسر التي تقطن في هذا الحي تعيلها نساء يعملن أساسا في بيع الكسكس، وبيع الخضروات بالتقسيط (أنجايَ).

    وعموماً، فأحلام المواطنين ومطالبهم في الحي الساكن تبقى في دائرة الولوج إلى الخدمات الضرورية أو الأساسية للإنسان كالسكن والبطالة والكهرباء والماء، ومن النادر أن تجد منهم من يهتم بالأمور السياسية أو الترفيهية.

  • الحريّات.. الشباب.. التنمية

    25 تموز (يوليو) 2009

    مرح البقاعي

    كيف يتداول جيل الشباب الحريات العامة، والخاصة منها، في وطأة الركود الاجتماعي والمعرفي والاقتصادي والسياسي؟ هل يتعامل الشباب اليوم مع الحريات "المقّننة حُكْما" بقدر من "المسؤولية" التي لا تكتمل وتثمر الحريةُ إلا بممارستها؟ وما هو دور الشباب، إذا ما امتلك أسباب حريته الواعية، في عملية الإصلاح والتطوير على صعد التنمية الوطنية كافة؟ تتحكم البنى السوسيوثقافية بتوجيه دفّة ميول الشباب في الدول بالعربية من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بشكل لافت، نظرا لتشابك الثقافي والاجتماعي في مجتمعات هي أصلا إسلامية "ثقافيا"، وعربية "مرجعيا"، وهذا التصنيف لا يبتعد كثيرا عن مظلة "السياسي" الذي يشكّل العامل الطاغي في إدارة دفّة الفعل الاجتماعي، والمنعكَس الثقافي، في آن. لكن هذه الفئة العمرية ـ أعني جيل الشباب ـ هي أصلا مرحلة تقوم على اكتشاف دائب للذات لتحديد أهوائها وسبر طبائعها النفسانية ومقوماتها الأنثروبولوجية، وكذا على تقصٍّ للمحيط الاجتماعي والسياسي لتحديد اتجاه إبرة البوصلة في المكان والزمان المعاشَين، وتشكيل للهوية فيما يقارب الفعل الذي يقوم على إرادات البحث عن مقومات "الأنا"، وانفرادها بخصوصياتها في حضرة "الآخر" المغاير، وعلاقة "الطرفين" في شبكة المعطى الثقافي والاجتماعي، ورسم المسار الحيوي على أساس التفاعل مع المحيط الأوسع لا الانفعال به وحسب.

    في المجتمعات العلمانية التي تضع نفسها على مسافة واحدة من الأديان والمعتقدات كافة، والتي تعلي من شأن المواطنة والحريات الفردية، وتؤكّد على التنوع الثقافي في نسيجها الإثنيّ كون التعددية الثقافية والعرقية واللغوية في المجتمع الواحد إنما تشكّل إثراء لبنيته التحتية ثقافيا واجتماعيا وسياسيا، في هذه المجتمعات المفتوحة على التيارات والتغييرات العالمية، والداعمة للحريات كحق إنساني مطلق، يكون ـ عامة ـ طريق الشباب نيّرا باتجاه تقرير الخيارات الحياتية في الانتماء السياسي والديني والفكري، وتنفيذ الإرادات في التحصيل العلمي والالتحاق الوظيفي في ظل تنوع الفرص مقابل الكفاءات، وتحقيق التطلعات العاطفية في اختيار إراديّ لشريك الحياة. من الجائر أن نرجع عثرات الشباب اليوم إلى المدّ الأصولي وحده مقابل إغفال التراجع الإنمائي الذي يقع في الصلب من إشكالية التحديث وغياب الحريّات. فالبطالة وانعدام الفرص والقهر الأسري وتهميش المرأة والركود التعليمي والتوجّس من التعددية ـ ثقافية كانت أم سياسية ـ وغياب الشفافية وانعدام حس النقد وطغيان البيئة البطريركية الأبوية، إنما تعدّ مجتمعة أسبابا مباشرة لتغييب جيل الشباب. إن المدّ الأصولي، دينيا كان أو اجتماعيا أو سياسيا، إنما أضحى ملاذا هو أهون الشرّين للشباب القابع في دكان الحدّاد بين سندان العطالة الإرادية التي مردّها حالة الإحباط المعرفي في ما يقابل الهجمة المعلوماتية التي يجد نفسه في موقع المتلقي منها وحسب، وبين مطرقة التعطيل المنظّم الذي يعود إلى غياب خطط حكومية حقيقية لخلق الوظائف والفرص والمحفزّات وتوسيع المشاريع الخاصة الصغيرة وتشجيع الإبداع والإبتكار فيما يشكّل عماد التنمية الاقتصادية والبشرية. وصف تقرير منظمة العمل العربية الذي صدر في نهاية العام 2008 الوضع الحالي للبطالة في المنطقة بأنه الأسوأ بين جميع مناطق العالم من دون منازع، وأنه في طريقه لتجاوز كل الخطوط الحمراء. ويشير التقرير أن المنطقة العربية قد احتفظت بأعلى معدلات نسب البطالة بين الشباب على مستوى العالم بنسبة فاقت الـ 25%، على الرغم من تحقيق الدول العربية المصدرة للنفط فوائض مالية تقوم بضخها في مشاريع إنمائية للحد من تنامي معدلات البطالة. ويذكر التقرير أيضا أن مرجعية البطالة في البلدان العربية تكمن في تدنّي المستويات التعليمية للعاطلين عن العمل، وانتشارها بين فئات الشباب بخاصة، وضعف الخبرة المهنية المتوفرة لدى العاطلين، وغياب التدريب المهني الموجه لسوق العمل، بالإضافة إلى غياب التخطيط، وارتفاع نسبة الإناث العاطلات عن العمل. وقد اعتمد تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية العربية للعام 2009 هذه الوقائع، وأشار إلى أن 65 مليون عربي يعيشون في حالة فقر مؤكدا أن البطالة تعدّ من المصادر الرئيسية لانعدام الأمن الاقتصادي في معظم البلدان العربية. وجاء في التقرير الصادر في بيروت يوم الثلاثاء 21/7/2009 أن معدلات الفقر العام تتراوح بين "28.6 % و 30 % في لبنان وسوريا في حدها الأدنى ونحو 59.9 % في حدها الأعلى في اليمن ونحو 41 % في مصر". وأفاد التقرير أن البطالة تعد من "المصادر الرئيسية لانعدام الأمن الاقتصادي في معظم البلدان العربية. وحسب التقرير فإن معدلات البطالة المحلية تتفاوت بدرجة ملموسة بين بلد وآخر "إذ تتراوح بين 2% في قطر والكويت ونحو 22% في موريتانيا غير ان البطالة في أوساط الشباب تشكّل تحديا جديا مشتركا في العديد من البلدان العربية." وأضاف أنه "غالبا ما تنعكس البطالة بصورة غير متوازنة على الإناث فمعدلات البطالة بين النساء في البلدان العربية أعلى منها بين الرجال وهي من المعدلات الأعلى في العالم أجمع". إن تنامي بؤر التطرف الديني والانغلاق الطائفي إنما يتناسب عكسا مع تمكين الشباب، إناثا وذكورا، وتأمين انخراطهم في التيارات المعرفية على اختلاف مشاربها وإطلاق الحريات الفردية وإعادة صياغة العلاقة الجدلية بين المستهلك من جهة والمنتج من أخرى على كافة الصُعُد الإنتاجية، الفكرية منها والاقتصادية والسياسية، والخلوص إلى عقد اجتماعي جديد بين الأجيال الطامحة إلى التغيير. يقول الرئيس الفرنسي للجمهورية الفرنسية الخامسة وبطل المقاومة الفرنسية ضد الفاشية الهتلرية شارل ديغول: التاريخ لا تحكمه القدريّة.. هنالك لحظات يقوم فيها الأحرار بكسر طوق الحتميّة والانطلاق من جديد. إن فئة الشباب الخلاقّ في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا ـ والتي تشكل الشريحة البشرية الأعرض في مجتمعاتهاـ محملةً بالطاقة والإرادة على التغيير، عامرةٌ بالحرية، هي وحدها القادرة على مواجهة المشاريع الظلامية التي تتّخذ من الدين ذريعة، والشوفينية القومية أداة، من أجل جرّ تلك المجتمعات إلى كمائن التطرّف والعزلة والانغلاق، وإخراجها، مبنى ومعنى، خارج منظومة العصر. إنها الفئة القادرة على دفع عجلة التنمية، والعمل على استدامتها، على المستويين المعرفي والإجرائي، الفئة المؤهلة لإقامة الحوار مع شعوب العالم كافة، حوار متواصل ومؤسِّس طرفاه أفراد أحرار ومختارون، لا حكومات مترهّلة ذات مصالح سياسية تكتيكية، موقوتة، وعابرة.

  • تصحّر إبداعي يتهدّد بلد المليون شاعر

    25 تموز (يوليو) 2009

    - نقلا عن العرب اولاين-

    تسود مسحة سوداوية النظرة العربية العامة إلى الحياة الثقافية في موريتانيا، حيث تميل التحليلات إلى وجود أزمة إبداع في هذا البلد المعروف تاريخيا بأنه مركز حضاري وثقافي ومنارة علمية أهدت العروبة عشرات من أعلام الفكر والأدب تشهد على إبداعهم آلاف المخطوطات التي مايزال الكثير منها أسير المكتبات العائلية، فيما عجز جهد الأفراد عن إنقاذ الكثير منها من التلف بسبب زحف الرمال على المراكز العلمية التقليدية في موريتانيا، وغير ذلك من المخاطر والآفات التي أتت على جزء هام من تراث ذلك البلد الواقع جسرا بين العرب وباقي القارة الافريقية.

    ويدافع موريتانيون عن الحياة الإبداعية في بلدهم ويسعون إلى تنسيب النظرة المتشائمة إليها معتبرين أن بلدهم مازال رحما ولودا للإبداع لولا الظروف الحياتية القاسية التي طغت على ما سواها، وأن مشكل تسويق هو ما يجعل السواد الأعظم من النقاد العرب يحصرون الإبداع الموريتاني في بضعة مطربين وشعراء وكتاب ينشطون في منابر إعلامية عربية.

    وحديثا أعطت الانتخابات الموريتانية الأخيرة دليلا على ما للإبداع من مكانة في الحياة العامة للموريتانيين حيث تحولت الأغنية السياسية والقصائد الشعرية إلى سلاح دعائي بيد المرشحين للرئاسيات. فقد تم خوض الحملة الانتخابية على وقع الأغاني والأهازيج، وبرزت في المجال المطربة المشهورة الفنانة معلومة بنت الميداح بأغانيها السياسية ذات التوجه المعارض.

    غير أن ذلك لا يغير من نظرة المتشائمين إزاء المشهد الثقافي الموريتاني، والذين يحمّلون السياسات المتعاقبة للدولة الموريتانية القسط الأوفر من "تهميش الثقافة في البلد".

    وفي هذا السياق يتساءل أحد المدونين عن "الأهداف التي من أجلها أنشئت الجمعيات والروابط والأندية الثقافية، وماذا حققت أو أنجزت وزارة الثقافة الموريتانية خلال نصف القرن الماضي؟"، مجيبا "نحن نعيش ونصارع طفولة ثقافية معششة في أدمغة نخبتنا". ويصب ذات المدون جام غضبه على وزارة الثقافة الموريتانية واصفا إياها بـ"العجوز الشمطاء التي لم تعد -برأيه- قابلة للعلاج، لأن الرأس اشتعل شيبا، ولأن أجهزتها الداخلية متعطلة ومصابة بعطب خطير وداء مزمن وحاد".

    ولا ينسى أن يشمل بغضبه "المفكرين والمثقفين الموريتانيين لولاؤهم التام والمطلق للأحزاب السياسية التي ينتمون إليها وليس لموريتانيا".."وأغلب هؤلاء -في نظره- يعانون من انفصام في الشخصية والسبب يعود إلى ازدحام الهموم الوطنية وهموم البحث عن لقمة العيش في رؤوسهم ومخيلاتهم".

    وعلى ما تحمله هذه النظرة المغرقة في تشاؤمها من قسوة في الأحكام على الحياة الثقافية في موريتانيا، فإنها تعكس في جزء منها ما يقرّ به مثقفون موريتانيون من وجود أزمة في الثقافة والإبداع في موريتانيا تتناقض مع مكانة البلد الثقافية ورصيده السابق على الأقل في مجال العلوم الشرعية وفنون القول بالفصحى والدارجة على حد سواء.

    ويمثل ما تحويه موريتانيا من رصيد مخطوطات يعتبر الأضخم في العالم العربي، الشاهد الأبرز على رسوخ قدم أهل البلد ماضيا في ثقافة وعلوم عصورهم، كما يمثل ما يتهدد ذلك الكنز الفريد من مخاطر أفضل تعبير عن سطوة الظرف المادي على الثقافة والإبداع وأهلهما. وكتب الصحفي جمال مشاعل واصفا مكتبة تراثية بشنقيط بـ"دار سيدي محمد بن الحبت ذلك الرجل الذي عاش 120 سنة وفي مكتبته الباقية إلى اليوم تُصَفّ المخطوطات في الخزائن وخلف الزجاج" و"كان الحبت يشتري الكتب التي يجدها للبيع وقد اقتنى كتباً أثناء رحلة الحج سواء بالشراء أو بالمجان وجلبها واستمر اهتمامه بجمع المخطوطات حتى بلغت 1400 مخطوطة لاتزال في المكتبة وتدور هذه المخطوطات حول 12 فناً من مختلف فنون العلم والمعرفة كعلوم القرآن، الحديث، النحو، السيرة، اللغة الحساب، الأدب، علم الفلك، الطب وأقدم كتاب مخطوط فيها هو لأبي هلال العسكري ويعود إلى 480 هـ ويمكن للباحث أن يزور هذه المكتبة ويحصل على الصورة التي يريد لإحدى المخطوطات".

    ويذكر ذات الكاتب أن المشكلة هي أن "وسائل المحافظة على المخطوطات محدودة وتقتصر على مكافحة الحشرات وتأمين الجو المناسب لتبقى أطول فترة ممكنة".

    ويضيف "المخطوطات ليست في شنقيط فقط بل هي موزعة وبأعداد كبيرة تصل إلى 40 ألف مخطوط في مختلف أنحاء البلاد ولها قسم خاص أنشأه المعهد الموريتاني للبحث العلمي في نواكشوط وهذا القسم اهتم بجمعها منذ 1975 حتى وصل عددها اليوم إلى أكثر من 7000 مخطوط بعضها لابن سينا والرازي وبينها مروج الذهب للمسعودي وهو مكتوب على رق الغزال وهذه المخطوطة تعود إلى ما قبل القرن الخامس الهجري وبينها أيضاً "جامع ابن يونس" وهو من الكتب المهمة في فقه المذهب المالكي وقد تم حفظ 3500 مخطوطة بتصويرها على الميكروفيلم والميكروفيش، والإشراف مستمر على تعقيم المخطوطات وقتل الحشرات التي بينها والعمل دائم في ترميم المخطوطات الآيلة للتمزق".

    ويمضي مذكرا بأن "المخطوطات واحدة من دعائم الثقافة التي تعرف بها موريتانيا ولعل الدعامة الأخرى هي "المحاظر" والمحاظر شكل من أشكال التدريس لا يوجد إلا في موريتانيا وقد فرضتها حياة الحل والترحال حتى أن بعض المحاظر كانت تنتقل بطلابها على ظهور الإبل والمحظرة مدرسة لكنها بطابع خاص يشبه طابع الكتاتيب في الدول الأخرى ولكنها من حيث مناهجها وأساتذتها ليست مجرد كتاتيب وإنما هي مدارس وجامعات لها أساتذتها المختصون في الواقع ويطلق على الواحد منهم "شيخ المحظرة".

    ويعرج الصحفي مشاعل على ماضي شنقيط العلمي الثقافي المجيد مذكرا بأنها عرفت "بعلمائها الكبار أمثال أحمد البشير وولد المختار والشاعر ولد رزقه والفقيه ولد بلعمش. ولا تزال في شنقيط محاظر تعلم مختلف العلوم، ولقد قدمت شنقيط الحضارة الثقافية الموريتانية للعالم في فترة ما واليوم الدولة الموريتانية تقدم شنقيط وحضارتها وذاكرتها التاريخية للعالم من خلال إعلانها تراثاً إنسانياً محمياً من طرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو" وتقيم لها الدولة بالتعاون مع المنظمات العربية والإسلامية والعالمية مؤسسة وطنية تعنى بها وبأخواتها من الحواضر الصحراوية الموريتانية التاريخية تيشيت، ولاته، وادان.

    وتتولى هذه المؤسسة تنفيذ الخطط الإنمائية المتكاملة المعدّة خصيصاً لإنقاذ هذه المدن، والمعهد الموريتاني للبحث العلمي بدوره مكلف بجمع وتصنيف ونشر وتوزيع الكنوز التراثية المكتوبة والمخطوطة والمسموعة والشفهية التي تزخر بها هذه المدن.. التي أكملت رحلة امتدت قروناً سبعة يتهددها خطر الاندثار تحت الرمال بعدما تحولت الطرق التجارية عنها وبعدما تحولت المراكز المهمة إلى مدن أخرى تضاءل الاهتمام بها وتضاءل أيضاً بذلك ازدهارها ولحقت بها فترات الجفاف الطويلة والأوبئة والمجاعات فرحل عنها عدد كبير من سكانها هرباً من زحف التلال الرملية الذي يسوق معه الهلاك، هذه المدن تصرخ وهي تستغيث بمن ينقذها ويعيد إليها الحياة وهذا يحتاج إلى جهود كبيرة جداً".

    وإذا كان من ميزة ثقافية لموريتانيا فهي تبحّر أهلها في فنون القول حتى سميت ببلاد "المليون شاعر"، ويذكر د.عبد العزيز بن عبد الله السنبل من شعرائها شاعر شنقيط وعلاَّمتها الكبير المختار بن بون الجكني "ت 1805 م" مستذكرا بيتين له: "ونحن ركب من الأشراف منتظم/أجل ذي العصر قدرا دون أدنانـا" ،"قد اتخذنا ظهور العيس مدرسـة/بهــــــا نبيـّن ديـــن الـلـه تبيانـا"، معتبرا إياهما أصدق تعبير عن حال "بني قومه من الشناقطة الموريتانيين الذين حملوا راية الإسلام واللغة العربية في أبهى صورهما في ذلك الجزء القصي من الغرب الإسلامي".

    ويضيف د.السنبل "استطاع الشناقطة الموريتانيون أن يشكلوا معاقل ثقافية سامقة وهم القوم الرحل دوما بحثا عن مواطن الماء والكلأ، مخالفين بذلك ما عرف من النظرية الخلدونية المعروفة والقائلة : "بأن الثقافة هي سليلة العمران". والواقع أن هذا الاستثناء الذي شكله الموريتانيون بثقافتهم الواسعة، وعلمهم الواسع، وأدبهم الجم، جدير بالدراسة الاجتماعية الرصينة التي تمكن من معرفة الأسباب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي ساهمت في قيام النهضة الثقافية الكبيرة التي عرفتها هذه البلاد في القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر الميلادية، بالرغم من عدم وجود مواطن عمرانية قارة أو مدن كبيرة وعامرة قد يؤدي وجودها بالضرورة إلى قيام هذه النهضة الثقافية. مما جعل طبيعة الأوضاع الاجتماعية المعيشة آنذاك والتي يغلب عليها طابع البداوة وقلة الاستقرار في مقابل وجود هذه النهضة الثقافية، يغدو أمرا أقل ما يوصف به أنه بدع من الناس والزمان والمكان الأمر الذي يشكل استثناء انتربولوجيا جديرا بالدراسة".

    ويميل دارسون إلى أن مشكل الثقافة الموريتانية كان دائما مشكل تسويق وشهرة بالدرجة الأولى فلأحقاب ظل الشرق العربي هو نقطة الجذب والاستقطاب الذي كان لا يتجه إلا من الغرب إلى الشرق وليس العكس.

    وإذا كان الموريتانيون يشتركون مع أمتهم العربية في فنون القول الفصيح فإن لهم ميزتهم متمثلة في أدبهم الشعبي الحساني وشعرهم الذي يعرفونه بمصطلح "لغن"الذي تعود بداياته بحسب الباحث لمرابط ولد دياه "إلى القرن 17 ميلاديا في إمارة أولاد امبارك، ثم لم يزل ينمو وينضج حتى استوى على سوقه خاصة عند أسرة أهل هدار"، مضيفا أن الأدب الحساني "ظل يعيش جنبا إلى جنب مع الأدب الفصيح، بل إنه ألقى بظلاله على هذا الأدب فظهر ما يعرف بالاتجاه الشعبي في الأدب الفصيح الذي عرف شعراء كبار كالمختار ولد لفظيل الذي كان أول من عرف باستخدام اللهجة الحسانية وأساليبها".

    إن الاهتمام الشديد لدى جل الدارسين بالحياة الأدبية الموريتانية وقصرهم جهودهم عليها يوحي بأن البلد خال من كل مظاهر الإبداع الأخرى والحال أن موريتانيا لا تخلو من حركة فنية تشمل مختلف الفنون وإن كانت تعيقها الوسائل المادية، وتعوزها وسائل الانتشار.

    وعلى سبيل التمثيل لا الحصر يكاد يغيب في وسائل الإعلام العربية ذكر الحركة المسرحية في موريتانيا رغم أنها حركة موجودة منذ عقود على علاتها وعنها يقول الكاتب بون ولد أميده "لا جدال في أن البدايات الأولى للإرهاصات المسرحية على التراب الموريتاني تعود في الأساس إلى فرقة "الكيكوطية" لهمام أفال والتي ظهرت لأول مرة في العام 1958 ، وكذا الحراك "المسرحي" عن طريق الحركات الثقافية الفرنسية التي كانت تقوم بجولات داخل البلاد ، وقد كانت أولى الممارسات الموريتانية للمسرح عن طريق المرحوم "همام فال" الذي مثل تعاطيه وممارسته لهذا الفن البدايات الفعلية الأولى لظهور المسرح على الخريطة الثقافية للبلاد، حيث ظهرت سهرات "الكيكوطية" التي استطاعت أن تفرض نفسها علي جميع المستويات، الرسمي منها والشعبي".

    ويضيف "ظهر جيل يمكن أن يطلق عليه جيل الرواد للحركة المسرحية في موريتانيا من أمثال محمد ولد ممين، والكاتب محمد فال ولد عبد الرحمن، ومحمد ولد مسعود. وقد كانت هذه البدايات تعتمد أساسا على تمثيل النص دون مراعاة للحركة، وهو أمر يعزى إلى عدم وجود متخصصين حينها وعدم إيفاد الدولة الموريتانية لبعض هؤلاء للخارج لتلقي دورات تكوينية والاستزادة بمعلومات أكثر عن هذا الفن".

    ويمضي مؤرخا للمسرح الموريتاني "بعد ذلك ظهر على مسرح الحياة الثقافية ما اصطلح على تسميته بالجيل الثاني بقيادة محمد الأمين ولد عداهي ، وقد امتازت فترة هذا الجيل باعتماد النصوص المسرحية الوطنية لأول مرة وتميزت كذلك بتقديم النص المسرحي على أسس علمية عكس ما كان سائدا في السابق "حركات محسوبة، ديكور، إكسسوار، إضاءة، موسيقي..".

    ومن ابرز الجمعيات والروابط التي كانت ناشطة إبان الفترة الزمنية لذلك الجيل: جمعيات؛ غرناطة، المرابطون، الرسالة،شنقيط ،إحدى كبريات الجمعيات المسرحية الموريتانية وأكثرها صيتا وعطاء، إضافة إلى فرق الخلاص،والمسرح الطلائعي، والأصابع والمرآة ..".

    وفي منتصف الثمانينيات شكلت هذه المجموعة ما عرف حينها بـ"الاتحاد الوطني لمسرح الهواة" وقد كان هذا الاتحاد مركز القوة في تاريخ المسرح الموريتاني بأعماله داخل البلاد؛ وامتد عطاؤه ليشارك في مهرجانات دولية وإقليمية كمهرجان قرطاج ومهرجان المنستير؛ مهرجان أبي رقاق، ومهرجان المسرح الفرانكفوني في أبدجان , ومهرجان يوم الطالب الليبي"..

    ويضيف ولد أميده "شهد العام 1996 منعرجا حقيقيا في تاريخ الظاهرة المسرحية مع دخول عدد من المواهب الشابة والواعدة فضاءات المسرح الموريتاني وإن لم تكن آن إذن قد تكونت لديها خبرة كافية لملء الفراغ الكبير الذي خلفه رحيل جيل الثمانينات ومن أبرز هذه المواهب ما كان، يوم إذن يعمل من الهواة في هذا المجال قبل أن يؤسس "رابطة التواصل" التي يعود لها الفضل في التأسيس لعدد كبير من المجموعات المسرحية مثل"المخضرمين ، والنجوم، والتضامن،والهلال، والمعرفة، والتوعية، والمسرح الجديد الذي قاده المخرجان بابا ولد ميني والتقي ولد عبد الحي، وقدما من خلاله العديد من الأعمال المسرحية التي اعتمدت على خبرات الاثنين في التأسيس لعالم مسرحي جديد يعتمد "الحرفنة" ويستند على حصيلة سنوات من دراسة".

    ويعدد بون ولد أميده العوائق في طريق "مَوْقَعَة المسرح الموريتاني ضمن إطاره المتقدم الذي يفترض أن يكون فيه بوصفه الفن الشامل بل وأب الفنون أجمعها" ومن هذه العوائق في نظره: "عدم وجود الإطار التنظيمي الرسمي وغياب مصلحة أو إدارة فنية خاصة للمسرح في وزارة الثقافة، عدم وجود الفنيين المتخصصين في وزارة الثقافة، عدم وجود منح دراسية وتكوينية في هذا المجال، عدم وجود أماكن عرض مسرحية متخصصة لا في نواكشوط ولا في الداخل، احتجاب وسائل الإعلام عن دورها في تثقيف المجتمع بدور المسرح وذلك لعدم معرفتها هي به"..

  • جلسات الموسيقا في موريتانيا طرب وذكرى وحماسة

    16 تموز (يوليو) 2009

    الخليج- نواكشوط المختار السالم:

    الموريتانيون بطبيعتهم شعب يعشق الموسيقا، ويطرب الكبير والصغير منهم، في جلسات الغناء التقليدية.ومن المعتاد أن تستضيف الاسر الفنية الموريتانية في المدن والأرياف بين الفينة والأخرى مجالس طرب مفتوحة لمتذوقي الفن ومنتجي الأدب، وتبدأ “الحكاية”، كما يسمي الموريتانيون جلسة الطرب من أول مقامات السلم التقليدي الموسيقي الموريتاني المتوارث عبر القرون، بمقام “كر”، الذي يختص بالشعر المديحي، وفيه تأخذ الاحبال الصوتية للمطرب الموريتاني دقائق من هدوء النبرة. بعدها يدخل الفنان مقام الحماسة المعروف محليا باسم “فاغ”، الذي يتطلب انشادا خاصا، فيه ترتفع نبرة المطرب، وتحكي نغمات “الأردين” و”التيدينيت” الآلتين التقليديتين الموريتانيتين كر وفر الفرسان في حومة الوغى، حتى تكاد تسمع حمحمات الخيول في المعارك.

    حينها يستبد الطرب بالموريتاني المعجب رغما عنه بالبطولة والأبطال.ولعل من الطريف أن الموريتانيين القدماء كانوا يخوضون المعارك وبصحبتهم الفنانون الذين يحضون المقاتلين من الطرفين على الإقدام، فقديما كان الفنانون الموريتانيون يلعبون دور المراسلين الحربيين، لكن مع فارق أن المراسلين عادة ما يكونون محايدين ينقلون الخبر كما هو، ما لم يكونوا من إحدى الدول التي تخوض الحرب، ويهمهم في الغالب نقل صورة من الميدان، غير أن الفنانين الموريتانيين دخلوا الحروب، ووقفوا في أرض المعركة ولا يعلو على صوتهم إلا صوت ألحانهم، بل إن بعض الحروب نشبت بسبب فنان.

    بعد الحماسة يدخل على الخط مقام “لكحال” أو “السواد”، وله مواويله الخاصة به المنتقلة أحيانا بين الشعرين الفصيح والشعبي، وله ذواقته “المسالمون” الذين لا تستهويهم ملاحم المعارك ولا يستخفهم صليل السيوف الآتي من الماضي السحيق. يأتي دور مقام “لبياظ” أو (البياض) وهو مقام كسابقه يراوح بين الشدة واللين، ترتفع فيه النغمة أحيانا، ويتسارع الإيقاع الناظم لجملة المطرب والآلة، قبل أن يتباطأ، وهكذا دواليك.

    بيت القصيد أن تقف “التيدينيت” على مقام المسمى “لبتيت”، مخزن الشجن الموريتاني الجميل، ومستودع المقطوعات الرائعة التي جادت بها قرائح الموريتانيين، بكاء على أطلال المنازل الصحراوية، وأزمنة الصفاء بين ربوع البادية، وتذكارا للزمن الجميل، الذي هو في لا شعور أي شخص موريتاني حنين لا إرادي إليه. حينها تستخف الموعظة بسامع رنات العود، وتلهج الألسن بعبارات التوحيد، وتسليم الأمور لله عز وجل البارئ ومدبر الأكوان، ولا غرابة إذا ما سالت عبرة من جفن رجل تذكر أزمانا قديمة، وانبرى في لحظة خشوع دامعة راجعا إلى المولى الكريم.. فهذا لا يغير من جو جلسة الطرب الموريتانية.

    تغص مجالس الطرب الموريتانية المفتوحة بالجميع، ومن المعتاد أن تشهد ميلاد قطع أدبية طازجة، يغني المطرب أو المطربة غالبا أشطرها الأولى قبل أن تولد الأخيرة، ولا عجب فالموريتانيون يملكون في الغالب طبيعة الارتجال، خصوصا في مواقف المسابقات التي تعد جلسة السماع من أمهاتها.

    والكثير من علية القوم يفضلون أن “تركب” (العبارة من القاموس المحلي وتعني بدء جلسة الطرب) لهم “التيدينيت” في جلسات خاصة، عادة ما تكون خارج المدينة، أو الحي البدوي، وبعيدا عن صخبها وضوضائها وفضولية الجمهور الذي يدخل بلا استئذان مجالس الطرب المفتوحة.

    وينطلق الموريتانيون في ذلك من أبعاد تمليها عليهم تقاليدهم التي تمنع الصغير من الطرب للموسيقا بحضرة الكبير، ففي ذلك تجاوز للآداب وخروج عن قوانين الاحترام المجتمعية. وبنفس المنطق فإنه يعد من عدم الاحترام استماع الكبير للموسيقا بحضور من هو أصغر منه، لأن أدبيات الاحترام متبادلة في المجتمع الموريتاني.

    وتعد الموسيقا التقليدية من لوازم الضيافة في البروتوكول الرئاسي الموريتاني، فلا بد من إقامة سهرة فنية لأي ضيف يزور البلاد، تستعرض فيها الأسر الفنية عضلاتها لإسماع الضيوف لونا موسيقيا لم يألفوه ويشكل بالنسبة لهم سياحة موسيقية. كما أن الموسيقا من أساسيات الحملات الانتخابية، وهي موسم نموذجي للفنانين الذين يتسابق إليهم السياسيون حينها، ولا ينتشر الالتزام السياسي في الفنانين، إذ يعتبرون أنفسهم ملكا للجميع، غير أن الفنانة الشيخة المعلومة بنت الميداح عرفت بالتزامها السياسي مع حزب تكتل القوى الديمقراطية المعارض.

    جلسات الطرب الموريتاني أصبحت موضة للجميع، وأصبحت “جلسة السعادة” بلوازمها الثلاث: الطرب والشاي والمشوي.. هذا “المثلث” الذي بات “شعار رجال ونساء البرجوازية الموريتانية، المولودة للتو على الرمال. وإن كانت جلسة الطرب والشاي والمشوي قديمة ومعروفة منذ قرون.

    هذه الجلسات باتت بالنسبة للبعض من رجال الأعمال والسياسية ورجال الأدب وحتى الطبقة المتوسطة “تقليداً” متبعاً حسب ما يسمح به الوقت، فهناك من يحرص على حضور جلسة موسيقية أسبوعية، والآخر جلسة شهرية، أما الجلسة السنوية فلا أقل منها بحسب أحد هواة الطرب.

    وتقول النجمة الغنائية الموريتانية الشهيرة لبابة بنت الميداح في هذا المجال “هناك نوعان لهذه الجلسات، إما أن يقوم الضيوف هواة الطرب بزيارة الفنان في بيته، وفي هذه الحالة فهم ضيوف عليه يقدم لهم الطعام ويقوم بالغناء لهم مجانا، وإما أن يقوم البعض بدعوة الفنان إلى بيته أو إلى مكان يختاره للاستمتاع بالغناء والموسيقا، وفي هذه الحالة فالفنان لا يحدد أي سعر مقابل خدماته بل يترك الأمر لكرم مضيفيه”.

    وتبدأ جلسات الطرب عندما يقوم أحد القوم باختيار مجموعة من الأصدقاء والذهاب إلى فنانه المفضل أو استدعائه، على أن البعض يفضل أن يكون الجلسة الطربية خاصة بشخصه حتى لا يعكر أحد صفوه فهو يريد أن يسمع مباشرة ومن دون شهود حتى “يصقل وذنيه”، أي يغسل أذنيه مما علق بهما من ضوضاء الحياة وأصواتها النشاز.

    ضد الكآبة

    الموسيقا تحضر في ظروف الحياة العادية في موريتانيا بكل صورها، وحتى أن بعض الأدباء الموريتانيين يصفونها لبعض مرضاهم الذين يعانون الكآبة.

    ومن طريف الأمر أن الكثيرين ينتهزون الفرصة عندما يعلمون أن فنانا ما سيقيم جلسة أو سهرة غنائية على شرف شخص استثنائي، فيتوجهون إلى المكان المعلوم ويستمتعون مجانا بما رنمته الأوتار والحناجر وما حملته الموائد.

    آلات دخيلة

    يرى عدد من محبي الطرب الموريتاني الأصيل في اتجاه غالبية الفنانين إلى تسريع النمط الغنائي واستخدام آلات دخيلة تهديدا للموروث الموسيقي الموريتاني الصافي، الذي يرون أنه يجب أن يبقى كما كان وفاء لذكرى أزمنة “إمارة أولاد مبارك” التي شهدت فيها الموسيقا الموريتانية عصرها الذهبي.

    وفي المقابل، يدافع الشباب من متذوقي الطرب الموريتاني عن إدخال الآلات والأنماط الوافدة في الموسيقا على أنه من ضرورات العصر وتجاوب مع مقتضياته، فلم يعد البلد قرية معزولة، حسبهم رأيهم، لا يعيش فيها الإنسان التأثر والتأثير.

    وبين الرأيين تبقى الموسيقا بطبعتيها في موريتانيا سيدة الموقف، والشاهد على الأفراح ومخلدة الأمجاد، ومذكرة الأحفاد بخصال الأجداد.

  • هجروا قسرا وباتوا يقطنون العراء/ سبعون أسرة تعيش مأساة

    5 تموز (يوليو) 2009

    نواكشوط - بون ولد أميده-نقلا عن "ونا"

    maidabouna@yahoo.fr

    بداية المأساة..

    في الثمانينات من القرن المنصرم تنقلت مجموعات من المواطنين إلى هذا المكان واستوطنت صحاريه التي كانت تموج بهوج العواصف وأحيت هذه الأسر هذا المكان الموحش وتزايدت مع مرور الزمن حتى وصل تعدادها إلى أكثر من 70 أسرة وفي تسعينيات القرن الماضي قامت السلطات بتخطيط هذا الحي ومكنت هذه الأسر من الحصول على قطع أرضية فيه، وبإمكاناتهم القليلة واصل هؤلاء بناء مساكن خاصة بهم وعلى قدر ما يملك كل شخص منهم كان بنائه فمن أوتي خيرا كثيرا شيد بناء حسنا، ومنهم بين ذلك قواما صنعوا أعرشة وخياما وعاشوا في طمأنينة حتى كان 23 من مايو من العام 2009 حيث فوجئ هؤلاء المواطنون بقرار من حاكم دار النعيم بموجبه أعطي أوامره للسلطات بطرد هذه الأسر من أماكنها في قضية لم يستوعبها الكثير من هؤلاء بحجة أن قطعهم الأرضية ستكون مأوي لمن نقلوا من الحي الساكن وهو الأمر الذي اعتبره هؤلاء إضرارا بمصالحهم وعملا غير مقبول لكن حاكم المقاطعة رفض التماهي مع هؤلاء أو الاستجابة لمطالبهم مكتفيا بالقول أن المرحلين إلى هذا المكان أحق من هذه المجموعات ما مثل صدمة لهذه الساكنة التي اعتبرت أنها الخاسر الأول والأخير في هذه العملية. أخبار انواكشوط في الحي..

    على قسمات وجوه ساكنة هذا الحي يتبدي الوجوم يتكشف القارئ لسحنات الوجوه سيتهجى بصمة المعاناة ، والحسرة والألم لأن مردها ما تعيشه ذي الأسر من مأساة زاد منها رفض السلطات المعنية في مقاطعة دار النعيم التجاوب مع هذه المجموعات التي وجدت نفسها محرومة ومشردة دون سبب وبلا أي مبرر..

    كأنهم من الأجداث سراعا لحظة لقائنا خارجون يحكي هؤلاء كيف أرغموا على مغادرة منازلهم تحت تهديد السلطات ووعيدها ، ويضيف هؤلاء أنهم خسروا من الأموال الكثير في تشييد مساكنهم لتقوم السلطات المعنية في المقاطعة بتحطيمها دون سابق إنذار ودون أن تقدم أي تعويض لهؤلاء مكتفية بالقول أن وراء هذا التصرف حل لمشكلة ساكنة أخرى.

    السلطات سلمت هؤلاء أوصالا لا تحمل طابعا رسميا فيها إفادة بان شخصا ما كان يقطن في قطعة أرضية ما....

    محمد سالم ولد شمق الذي كان يقطن في منزل من ثلاثة غرف وجد نفسه في العراء واضطر لإرسال زوجته إلى أهلها وبناء كوخ أو شبيه كوخ مما تبقي من بقايا منزله مؤكدا أنه لن يبرح مكانه قبل تدخل السلطات بعاجل حل ينقذه من هذه المأساة ، وصغيرة العالية بنت الشيباني كانت هي الأخرى تتمشى الهوينا بين أنقاض منازل كانت ذات يوم مرابع صباها وجغرافية مكانها.

    المواطنون يتطلعون إلى أن تأخذ السلطات بعين الاعتبار معاناتهم وتتدخل في قادم الأيام رأفتا بهؤلاء واحتراما لظروفهم التي تدمي القلب وتبكي العين، السبعون أسرة هذه تتمني أن لا تبخل السلطات بحل يحق الحق ويمكن هؤلاء المظلومين من الحصول على حقهم في تعويض منازلهم وتمكينهم من الحصول على قطع أرضية والتعهد لهم بعدم تعريضهم لمثل هذا النوع من عمليات الظلم والتشريد التي لا مبرر لها.

  • االمطبعة ضرورة ديموقراطية

    30 حزيران (يونيو) 2009

    منصات

    كأي بلد في العالم لايمكن الحديث عن ديمقراطية دون صحافة مستقلة،كما لايمكن الحديث عن أي حرية للصحافة دون ديمقراطية. وقد ارتبطت الصحف المستقلة في موريتانيا بالإعلان الديمقراطي سنة 1992 ،وقبل هذا التاريخ لم تكن في موريتانيا غير صحيفة واحدة هي "الشعب" ناطقة باسم الحكومة والأنظمة السياسية المتعاقبة. أما الآن فلا يوجد سوى مطبعة واحدة لصحف كثيرة. محمد سالم

    حالة المطبعة اليوم تمهد لاختفاء أغلب اليوميات وعودة الصحافة الأسبوعية

    يعاني من الأزمة التي تعانيها المطبعة الرسمية في موريتانيا الجميع من عمال وصحف وقراء وحتى أن لها انعكاسات على المسار الديمقراطي في البلد في الظروف الراهنة.

    الأستاذ محمد ولد محمد امبارك الأمين العام لحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية يؤكد أن "دور الصحافة الموريتانية في تكريس الديمقراطية دور مشهود. مؤكدا أن مؤشر الحرية والانفتاح في موريتانيا ظل مرتبطا بحجم الحريات التي تنالها الصحافة" مضيفا "لقد أسهمت وسائل الإعلام في تحفيز المسار الديمقراطي والدفع به إلى الواجهة من خلال السماح لكافة القوى السياسية بنشر مواقفها والدفاع عنها ومن خلال مستوى من المهنية سمح بعرض هذه المواقف بشكل واضح للناس جميعا".

    أما الأستاذ محمد ولد الخطاط رئيس تحرير يومية "نواكشوط أينفو" الصادرة بالفرنسية فيشيد بدور المطبعة الوطنية في نشر الثقافة ودعم الصحف الوطنية مؤكدا أنها "كمؤسسة تابعة للدولة تقوم بعمل جبار في ترسيخ الديمقراطية وذلك بطباعة الصحف الحرة بأسعار مخفّضة، باعتبار الصحافة الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الديمقراطية وبالتالي فالمطبعة واكبت الحياة الديمقراطية بدون توقف رغم كل الصعوبات".

    ويأسف ولد الخطاط للوضعية المالية للمطبعة الوطنية التي جاءت في ظرف سياسي مضطرب يتتطلب حراكا إعلاميا وسياسيا من أجل ترسيخ ثقافة الديمقراطية. ويقول ولد الخطاط في تصريح لمنصّات "في هذه الفترة التي تتميز بعدم الاستقرار السياسي وتسود فيها أجواء العقوبات الإقتصادية يؤسفنا أن تظهر المطبعة العجز شبه التام والمتمثل في توقف ثلاث طابعات في آن واحد وتشغيل طابعة واحدة في بعض الأحيان لكل المطبوعات ليظهر بذلك عجزها عن لعب الدور المنوط بها".

    وقال ولد محمد امبارك ’’ تجربتنا في المعارضة ومقاومة الديكتاتورية جعلتنا نعتقد أن الصحافة المستقلة ركيزة أساسية من أجل ترسيخ ثقافة الديمقراطية والحريات،ونضالنا ضد ديكتاتورية العسكر لم يجد من يحمله إلى قطاعات واسعة من الموريتانيين غير الصحافة التي جعلت المجتمع يستمع إلى وجهة نظرنا في الوقت الذي تفرض عليه أحادية العسكر أن يستمع إلى نغمة واحدة ورؤية واحدة فقط من خلال مؤسسات الإعلام الرسمي ومشتقاته من الإذاعة والتلفزة والوكالة الرسمية للأنباء".

    الصحف مرآة للانقسام السياسي

    أما الدكتور محمد ولد اجدود نائب رئيس تحرير يومية السراج العربية فيرى أن الصحافة الموريتانية تمثل جزء من المشهد الديمقراطي في البلد ويقول في تصريح لمنصات "الصحف والمؤسسات الموجودة في البلاد عكست المذهبية السياسية بشكل واضح. هنالك صحف يشاع على نطاق واسع أنها قريبة من التيار اليساري في موريتانيا. وهنالك أخرى يشاع أيضا قربها من التيار الإسلامي وأيضا هنالك صحف محسوبة على المؤسسة الرسمية الحاكمة وعلى قطاعات نفوذ مالي واجتماعي".

    ويؤكد ولد اجدود أن’" المواطن لم يعد يهتم أبدا بالإعلام الرسمي لأنه ينطق بلسان واحد والناس جبلوا على الاختلاف ولابد منه لضمان الديمقراطية".

    أما عن حالة المطبعة اليوم فيرى ولد اجدود أنها تمهد لاختفاء أغلب اليوميات وعودة الصحافة الأسبوعية، مؤكدا أن الصحف باتت تعاني أزمة شديدة. يقول ولد اجدود "لقد تغير كل شيء في نظام عملنا الطبيعي. فبعد أن كنا نجتمع صباحا لنعد برنامج عملنا اليومي أصبحنا نعقد اجتماع التحرير مرتين يوميا، في الصباح وفي المساء لنبحث عن مواضيع العدد الذي سيصدر بعد غد".

    ويؤكد ولد اجدود أن أي انهيار لمؤسسة المطبعة الوطنية سيؤدي وبشكل كارثي إلى انهيار الصحافة المستقلة ولكن سيؤدي أيضا إلى بطالة المئات من الشباب الذين يستفيدون بشكل أو بآخر من الصحافة بدأً بالمحررين والإداريين والفنيين وليس انتهاء بالموزعين وباعة الصحف المتجولين".

    من المسؤول عن مشكلة المطبعة الوطنية؟

    بحسب مسؤولين في المطبعة وفي الصحافة العمومية فإن المسؤول الأول والأخير عن الأزمة المالية للمطبعة هي الحكومة التي لم تأخذ في الحسبان أن اتخاذ قرارات غير مبنية على مرجعية واضحة ستؤدي إلى إفلاس شركات كبيرة.

    ويؤكد هؤلاء "أن هنالك مؤسسات قائمة وتخسر لكن الدولة تقدم لها العون وتتحمل خسارتها لأنها تقدم خدمة للمواطنين وعندما تتراجع الدولة بفعل العجز أو سوء التسيير أو حتى الارتجالية فإن هذه المؤسسات سوف تنهار".

    ويضيف المصدر "لم تكن المطبعة الوطنية تشكو مشكلات كبيرة وكانت مواردها تغطي احتياجاتها بشكل كامل. لكن توجه الحكومة إلى الانفتاح على الصحافة دون أن تقدم تعويضا للمطبعة، بلّ تقليص المساعدات التي تقدم لها، هو ماتسبب في الأزمة الحالية".

    ويعتقد المراقبون أن الأزمة الحالية هي نتيجة لمخالفات الانقلاب العسكري الذي أدى إلى اختلال كبير في النفقات وفي إدارة الموارد ومداخيل الدولة وتوزيعها بعدالة على المؤسسات العمومية.

    الصحافيون والباعة وخوف المصير المشترك

    باعة الصحف الموريتانية عالم متضارب الأمواج يمنح فرص عمل ومداخيل زهيدة لقطاع عريض يمتد منتسبوه بين أعمار 12-70 سنة. ويؤكد الشيخ بن محمد أحد موزعي الصحف أن أغلب الصحف باتت تستعيد يوميا أعدادها السابقة بسبب صدورها في وقت متأخر وبالتالي لاتجد وقتا للتسويق. ويؤكد باعة الصحف أن مداخيلهم تراجعت بشكل كبير جدا نظرا لتأخر صدور أغلب الصحف ولكثرتها أيضا ولكون أغلبها بات نسخا مكررة من بعض. يؤكد هؤلاء أن توجه عدد كبير من الصحف باتجاه عالم الانترنت قلّص عدد مشتري الصحف، لكن تأخر صدور الصحافة ومستقبل المطبعة الوطنية يهدد بالقضاء عليها بشكل كامل.

    ولا يعي أغلب باعة الصحف أزمة المطبعة الوطنية لكنهم يؤكدون أن أي انهيار للصحافة الوطنية سيؤدي إلى تشرد عشرات الأسر وبطالة عشرات الشباب الذين يجدون في بيع الصحافة رزق يوم سيطول جدا ويصبح أكثر قساوة إذا اختفت الصحافة من الشارع. ناهيك عن الأثار الفكرية والثقافية لذلك.

    أن شريان الحياة الوحيد بالنسبة للصحافة الوطنية الموريتانية هو المطبعة الوطنية رغم ما تعانيه من مشاكل كبيرة كما يؤكد ولد اجدود لمنصات. هي إذا دوامة مغلقة من القلق والانتظار. الصحافيون يجزمون بأن انهيار المطبعة الوطنية سيؤدي إلى انهيار الصحافة، والباعة يؤكدون أن انهيار الصحافة المستقلة سيؤدي إلى انهيار قطاع بيع الصحف بأكمله.

    فهل سيأتي اليوم الذي تختفي فيه الصحف الورقية من أكشاك نواكشوط ..الجميع هنا يردد لا قدر الله

  • بورصـــــــــــــــــــة أعلي ولد محمد فــــــــال

    30 حزيران (يونيو) 2009

    ملف / صحيفة مال وأعمال

    مدخرات عشرين عاما من إدارة المؤسسة الأمنية وعشرين شهرا من قيادة المرحلة الانتقالية تستخدم لشراء كرسي الرئاسة في شبه مزاد علني،

    تتحدث مصادر عديدة ومتطابقة أن هناك جهودا حثيثة يبذلها العقيد اعلي ولد محمد فال لعودته إلى كرسي الرئاسة الذي جلس عليه ذات يوم مستغلا أحسن استغلال – كما هي عادته في مثل هذه الاحوال – فرصة لا تقدر بثمن قدمها له القائد الحقيقي لحركة الثالث من أغشت 2005 العقيد – آنذاك – محمد ولد عبد العزيز.

    السيء في الأمر حسب نفس المصادر هو أن العقيد ولد محمد فال لا يستخدم في هذا الحلم المجنون – كما يصفه البعض – الوسائل الشرعية المعهودة في كل نشاط دعائي لأية ممارسة سياسية مماثلة، وإنما عمد إلى استثمار جزء من ثورته الخرافية التي بدأ يكسبها منذ وضع يده على ميزانية جهاز الأمن الوطني طيلة عقدين من الزمن تعززت بعشرين شهرا أخرى على رأس الدولة إبان المرحلة الانتقالية في شراء الأنصار والمؤيدين والتقدم للانتخابات الرئاسية رغم أنه لا يتوفر على أي مشروع دولة او نظام حكم، والأقرب للتصديق هو أنه يطمح أو – لنقل – يطمع في مواصلة ما عهده طوال حياته المهنية..

    بورصة أعلي..

    المعلومات التي حصلت عليها "مال وأعمال" في إطار هذا الملف تشير إلى أن العقيد ولد محمد فال خصص لخطة "عودته" غطاءا ماليا يقدره البعض بأكثر من عشرة مليارات أوقية، والمعروف أن هذا المبلغ الرهيب لا يمكن استخدامه ببساطة في أية حملة دعائية لمشروع سياسي حتى في إطار أعرق التجارب الديمقراطية في العالم بأسره، والأقرب للتصور هو أن هذه الأموال الخيالية ستستخدم بشكل رئيسي في شراء الأصوات عن طريق السماسرة والوسطاء أصحاب الباع الطويل في هذا المضمار.

    وتتحدث مصادرنا عن أن العقيد قد أجر المقر المركزي لحملته بمبلغ ضخم في حدود الأربعة ملايين أوقية شهريا، وبما أن الحملة الدعائية لم تنطلق بعد رسميا فقد بدأ هذا المقر ومن يديره في لعب دور السوق أو "مرصت التبتابة" التي يباع فيها الغالي بالرخيص حيث يعرف هذا المكان حاليا حركة نشطة تلقى خلالها الولاءات والضمائر والذمم رواجا واسعا، مما حدا بالبعض أن يطلق عليه اسم "بورصة أعلي".

    هذه البورصة – حسب المفهوم الموريتاني للبورصة – تختزل نشاطاتها في شخص معمم يأتي حاملا مجموعة من بطاقات الناخب أو بطاقات التعريف الوطنية يعرضها للبيع بعد أن مر – دون شك – بأماكن أخرى عرض فيها بضاعته فيما يشبه المزاد العلني، وبما ان المتواجدين بهذا المقر متفرغون حاليا لهذه المهمة بالذات أو هذا الهدف بالتحديد – حسب نفس المصادر – فإن البضاعة المعروضة هي أغلى بل هي الوحيدة التي يبحثون عنها، ولا يتبقى بعد ذلك سوى مرحلتا المساومة والبيع في النهاية...

    البعض يرى في هذه العملية السيئة نوعا من "الموضوعية" حيث أن حظوظ هذا العقيد - الخالي من أي وهج أو بريق أو كاريزما سياسية – تكاد تكون منعدمة في الحصول ولو على نسبة مشرفة في الاستحقاقات المرتقبة خصوصا وأن هناك وعيا متزايدا بأن رجل المرحلة الذي تحتاجه موريتانيا هو شخص آخر أثبتت التجربة القريبة أنه وحده المؤهل لقيادة سفينة البلاد في خضم هذا البحر متلاطم الأمواج نحو بر النور والأمان، وبالتالي فإن العقيد فاحش الثراء على استعداد لبذل الكثير - الذي مهما بلغ سيبقى قليلا من مدخراته – سبيلا إلى تحقيق أحلامه وأطماعه مطمئنا إلى انه لم يتعود أن يدفع دينار إلا ليكسب قنطارا.

    بيد أن الغريب هو صمت السلطات المختصة المطبق إزاء هذه الممارسة التي تعد نوعا من الرشوة الواضحة وتعتبر بكل المقاييس خرقا فاضحا لمعايير النزاهة والشفافية وتسيء إلى سمعة المواطنين الموريتانيين علما أنها تجري في وضح النهار وعلى مرأى ومسمع من الجميع مما يدفع للتساؤل عما إذا كان هناك داخل جهاز السلطة من يحن إلى الماضي ويعمل ضد أهداف ومرامي حركة السادس من اغسطس التصحيحية المجيدة.

    أعلى الناكر للجميل .. من هو؟؟

    العقيد أعلي ولد محمد فال هو اسم مشهور لدى مواطني الجمهورية الإسلامية الموريتانية ، لا بل إن شهرته تجاوزت الرقعة الجغرافية للبلاد، وهي شهرة لم يكتسبها – بطبيعة الحال – كأحد أعف من حكموا البلاد أو تولوا مسؤوليات قيادية وحساسة فيها، بل إنه كسبها من خلال عشرين سنة تولى خلالها إدارة المؤسسة الأمنية التي يحمله الموريتانيون مسؤولية ما آلت إليه من تردي وانحلال وتجاوز لأخلاقيات المهنة والاستغلال البشع لإمكانات المواطنين وأرزاقهم عبر ظاهرة ال 200 الشهيرة، كل ذك قبل أن يمنحه العقيد – في تلك الفترة – محمد ولد عبد العزيز فرصة العمر ويخيره ما بين الحبس التحفظي في قصر المؤتمرات رفقة زملائه من قادة المؤسسة العسكرية أيام ولد الطائع أو القيادة الرمزية لحركة الثالث من أغشت 2005 التي خطط لها و أطرها ونفذها ولد عبد العزيز رفقة صفوة من خيرة الضباط الوطنيين خصوصا قائد الأركان العامة الحالي الجنرال محمد ولد الغزواني.

    هذه الفرصة الذهبية التي تأتي تتويجا لمتتالية الفرص التي حظي بها العقيد ولد محمد فال جعلت هذا الأخير ينتقل بقدرة قادر من احد المتهمين شعبيا بأنه قطب من أقطاب الفساد إلى قائد فذ وثائر عظيم، رغم أنه بشهادة المطلعين على ما خلف الكواليس لم يكن سوى واجهة أو عنوان مغلوط تحتفظ ذاكرتنا العربية بمثله مع ثورة 23 يوليو وقائدها الحقيقي البكباشي جمال عبد الناصر ورئيسها الرمزي الجنرال محمد نجيب، وذاكرتنا المحلية بنوعه أيضا مع محاولة 8 يونيه وقائدها الحقيقي الرائد محمد ولد شيخنا وقائدها الرمزي سائق التاكسي صالح ولد حننه.

    قضى ولد محمد فال عشرين شهرا تحت الأضواء وفلاشات المصورات والكاميرات كقائد لمرحلة انتقالية زاهية تبشر بانطلاقة عهد جديد سيعيش الموريتانيون في ظله أسعد أيامهم بينما فض بطل الظل أن يبقى في الظل هو ورفاقه المخلصون.

    هذه الهالة التي أحيط بها صاحبنا العقيد انسته من يكون وما هو ماضيه القريب، وانسته أيضا استغلاله إصرار القادة الحقيقيين للحركة التصحيحية على استكمال المسار الانتقالي وتسليم السلطة لنظام منتخب وتركيزهم على هذا الهدف ليمارس في الظل – هذه المرة – ما ظل متهما بممارسته طوال عقدين من الزمن، وكانت النتيجة أن تسلم "النظام المنتخب" بشهادة أقطابه خزائن خاوية رغم أن المداخيل التي حصلت عليها الخزينة العمومية إبان تلك المرحلة توازي إن لم تكن تزيد على ما حصدته خلال سنوات طويلة في السابق.

    وبما أن الأكل نفسه أكبر فاتح للشهية فقد قرر العقيد - فور فشل "النظام المنتخب" في تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي على أساسها جاءت حركة الثالث من أغشت 2005 واضطرار قادة هذه الحركة (القادة الحقيقيون هذه المرة) للعودة والتصحيح من جديد – أن يعود للمشاركة السياسية، ولكن بأية وسيلة؟؟ بشراء الذمم والضمائر، واستثمار جزء من مدخراته المتراكمة خلال الفترتين آنفتي الذكر مدشنا ما يشبه البورصة الضخمة أو صالة مزاد علني يعرض فيها سماسرة ولاءات وباعة ذمم أصوات الناخبين

    ولكن العقيد الذي تنكر لمن حوله في طرفة عين من ضابط مشبوه الثروة إلى بطل قومي سيلقى - بمشيئة الله سبحانه وتعالى – من الفشل الذريع في مغامرة المعتوه هذه ما سيكون عاجزا عن فهمه واستساغته، تماما كما عجز عن فهم أن من استطاع خلع أكبر طاغية عرفته البلاد بقوة السلاح – و من دون قطرة دم واحدة – قادر أيضا على مصادرة أحلام مجنونة لعقيد لا يحسن - حسب الكثيرين – سوى منازعة الفقراء خبزهم اليومي قوت حياتهم....

0 | 10 | 20 | 30 | 40 | 50